دروس الكوفية
بقلم: سعيد بزوي
مرة أخرى تشعل قطعة قماش الحدث، مرة أخرى تثير قطعة قماش نقاشا هنا وهناك، مرة أخرى تسقط الأقنعة وتظهر الحقائق ناصعة جلية.
والحدث قد يبدو في شكله صغيرا كصغر تلك القطعة من القماش الذي لا تزن سوى بضع عشرات من الغرامات في وزنها، ولا تساوي سوى مترا وبعض السنتيمترات في شكلها وعرضها، وحتى ثمنها لا يكاد يساوي سوى بعض الدريهمات وقد يكون فيه البائع زهيدا فيعطيك إياها بالمجان لا طالما أن المشترية سوى طالبة في أحد المعاهد العالية للتكتنولوجيا؛ مما يعني أنها لا زالت في حاجة لمن يمد لها يد العون والمساعدة والرعاية.
هذه الطالبة ومعها كوفيتها صنعتا حدثا كان بالإمكان أن يمر مرور الكرام ويرمى في دهاليز النسيان ويصبح في خبر كان ويقال عنه كان يا مكان؛ لأن الحدث في زمانه ومكانه قد لا يستحق ضجة إعلامية ولا مدادا يسال هنا هناك لأن الحدث في زمانه ومكانه لا يعدو أن يكون طقس من طقوس اعتادت عليه المعاهد العليا من تكريم لطلبتها المتفوقين واستحضارا لجهود العاملين وتوشيحا لصدور المتقاعين والمغادرين اعترافا بجهودهم وقدراتهم وكفاءتهم وتشجيعا للخلف من بعدهم ليكونوا خير خلف لخير سلف، وتلك سنة بل سنن اعتادت عليها الأمم والشعوب في كل زمان ومكان.
غير أن هذا الحدث وما أثاره من آثار بعضها محمود وبعضها مذموم يستحق فعلا كل هذه الضجة وهذا التفاعل وهذا الغليان، لأن الأمر يتعلق بطالبة أبانت بتفوقها في مجالها الدراسي عن علو كعبها في تخصصها، مما يعني أنها ستكون قدوة لمثيلاتها في زمن أصبحت القدوة في مجالات أخرى قد تكون في كثير الأحيان بعيدة كل البعد عن المرام، دون أن ننسى أمرا آخر لا يقل اهتماما عن تفوقها وهذا مربط الفرس في هذا النقاش وهذه الضجة ألا وهو ارتداؤها للكوفية الفلسطينية وما تحملها تلك الكوفية من دروس في العزة والإباء والشرف، وتمسكها بها حتى أثناء صعودها للمنصة قصد التكريم والتوشيح، غير آبهة لما ينتظرها وهي العالمة والعارفة حتما بأن مستقبل العمل والشغل والبحث عن لقمة العيش وإن كان في يد الله تعالى فإن خيوط المؤامرة قد تحاك ضدها من هنا وهناك .
غير أن طرفا آخر في معادلة دروس هذه الكوفية هو إنسان واع ومثقف وأكاديمي وهو ضيف شرف والضيف لا يشترط – كما يقول المثل المغربي- وقد كان من المفروض أن يضع على جبينه وسم شرف وتقدير وهو المشرف على التقاعد مما يعني وبالملموس أن مسقبله لا مخاويف عليه ولا أحزان، لكنه اختار طريقا آخر وسلك سبيلا مغايرا ومختلفا تماما، وقد بدأه حين أمر الطالبة بنزع الكوفية بل ومدّ يده لنزعها وهو أمر مرفوض أخلاقيا وربما قانونيا، وياليته اكتفى بهذا الفعل الشنيع بل وصل به الأمر لمغادرة قاعة التكريم اعتقادا منه أنه برفضه توشيح تلك الطالبة هو بمثابة مشاركة في جريمة، مع العلم أن العالم بأسره بكل أطيافه ومشاربه الفكرية والسياسية والدينية بل حتى اليهود أيضا استنكروا ما زالوا يستنكرون جرائم الصهاينة ومن معهم من المطبعين والمتصهينين.
هذا السلوك دليل قاطع وبرهان ساطع على النزوع والارتماء الذي لا مراء ولا شك فيه في أحضان تطبيع ممقوت وممجوج ومرفوض شرعا وعقلا ومنطقا، صدحت ملايين الشعوب برفضه بالبث والمطلق، هذا السلوك يدل على أن تلك الفئة المطبعة ومن معها تزداد يوما بعد يوم بعدا عن الشعوب ولا أدل على ذلك هو تصفيق كل الحاضرين على سلوك الطالبة الموشحة بوشاح الكوفية والتقدير العلمي والعزة والكرامة، مما يدل دلالة قاطعة لا ريب فيها أن تلك التصفيقات بالإضافة لكونها نصرة للطالبة فهي أيضا شكل من أشكال النصرة والدعم اللامشروط للفلسطينيين ضد الجرائم الصهيونية والتي تدل كل البشائر أنها معركة سيكتب فيها النصر بإذن الله تعالى للفلسطينيين، وما ذلك على الله بعزيز.