العدالة والرحمة وجها لوجه
العدالة والرحمة وجها لوجه/ عبد الهادي المهادي
العدالة والرحمة وجها لوجه
عبد الهادي المهادي
صباح اليوم ـ الثلاثاء 26 شتنبر 2023 ـ شغّلتُ المُسمّع على سورة يوسف بصوت المقرئ المغربي محمد الطيب حمدان، ثم انطلقتُ، رفقة ابني طه، بسيارتي نحو العمل.
وصل الطّيب إلى قوله تعالى على لسان سيّدنا يوسف المؤدّب الجميل، يُخاطب إخوته الذين بانَ عليهم الأسى والأسف والحزن جرّاء اكتشافِهم التربويِّ والأخلاقيِّ بأنهم كانوا خطّائين حقيقيين، لمّا انفضح ـ في نفوسهم ـ قبح ما اقترفوه في حقه من مؤامرة وحده الله تعالى دبّرها حتى استوت على لُطْفٍ لطيف: “قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ”.
أيّ قلب كبير هذا الذي تجاوز ـ ولا نقول نسي ـ في لحظة واحدة كلّ مآسيه وأحزانه وبسط حشاشة فؤاده فرحا بين يدي إخوته الذين مكروا به ذات يوم، وضيّعوه، وأضاعوا عليه فرح الطفولة وشغبها، وأبعدوه عن الحضن الدافئ لوالديه.
سامَحهم نعم، ولكن بعد أن صارحهم، وتشدّد معه في الحساب، ووعظهم، فلا يمكن أن يَصْفوَ القلبُ ـ إن صفا ـ دون ذلك، ليكن هذا واضحا.
هل هو “قلب” خاص بالأنبياء والرسل، أم هو مُتاحٌ إدراكه لكافة البشر إن “أرادوا” وعملوا جهدهم للتّحقّق به؟
نحن البشر العاديون ـ عادة ـ نستطيع أن نُسامح ونغفر، ولكن المستبعد جدا، الذي قد يصل حد المستحيل، أن تصفو قلوبُنا إلى أن تعود العلاقة إلى ما كانت عليه قبل كيد.
بعض النّاس الذين تربطك بهم نوع من العلاقة، أسرية كانت أو في العمل أو جيرانا في الحيّ ـ والعياذ بالله ـ لا تطرح على نفسك سؤال العفو والتسامح، بل فقط تودّ تحاشيهم، تماما كما تتحاشى النجاسة حينما تلقاك في طريقك.
كنتُ قد شاهدتُ منذ عام تقريبا فيلما إستوانيا بارعا، عنوانه “الحقيقة والعدالة”؛ يحكي قصّة رجل عالي المبدئية والأخلاق، تحوّل مع تتابع الأحداث إلى وحش حقيقي، لأنّ جاره الخبيث “فرض عليه” أن يُجاريَه في خبثه، وإلا أخذ منه الكثير من أراضيه، وزحف على الكثير من حقوقه. في النهاية ضيّع نفسه، وفقد روحه.
لماذا رفض شايلوك في مسرحية تاجر البندقية لشيكسبير أن يغفر لخصمه، وطالب برطل كامل من لحمه يُقطع من جنبه، تماما كما في الاتفاق الذي وقّعا عليه؟
إنها إرادة الانتقام الأسود.
هل يُلامُ المرءُ إذا طالب بحقه، أو انتقم لشرفه وكرامته بما يبدوا أسلوبا بعيدا عن الرّحمة؟
لماذا عندما تتواجه “العدالة” وجها لوجه مع “الرحمة” نُطالب بتحقيق الثانية؟ ولماذا يبدوا لنا من يُصرّ على الأولى بأنه غير إنساني؟
في رواية “اللؤلؤة” لجون شتاينبك توصّل البطل في النهاية، بعد إصرار شديد على ما اعتبره حقّه، وبعد أن دفع أثمانا باهظة التكاليف من الناحية المعنوية، توصّل إلى أنه إذا أراد أن يعيش متصالحا مع ذاته وأسرته ومجتمعه، عليه أن يتخلى مرّة عن “حقه”، ويتعايش مرّات مع “مكروهاته”، ويُداري في غالب الأوقات معارفه، ويشتغل على طموحاته بعيدا عن أعين غالبية المحيطين به. زوجته ـ بحسّها الأنثوي ـ توصّلت إلى هذه النتيجة منذ المؤشرات الأولى للشّر، ولكنّه عاندها، والنتيجة كانت مأساوية، وكادت تكون فانية لولا أنّه أدرك ـ متأخرا ـ الجوانب المركّب لمعادلة الحياة.