ملخص تفسير الآيات من 168 إلى 176 من سورة البقرة من مجلس تفسير الدكتور عبد العلي المسؤول
د. مونعيم مزغاب
ملخص تفسير الآيات من 168 إلى 176 من سورة البقرة
من مجلس تفسير الدكتور عبد العلي المسؤول
إعداد : د. مونعيم مزغاب
أولا: التفسير
افتتح الدكتور عبد العلي المسؤول تفسيره بحمد الله تعالى والصلاة والسلام على رسول الله، وقال:
قال تعالى :{يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) }
قيل إنها نزلت في ثقيف وبني عامر بن صعصعة وخزاعة وبني مدلج حرموا على أنفسهم من الأنعام أي مما ذكر في سورة الأنعام.
وذهب الحسن البصري إلى أنها نزلت في كل من حرم على نفسه شيئا لم يحرمه الله. وذلك تطبيقا للقاعدة (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب)، وقيل هو خطاب موجه للمشركين وهو خطاب تنبيه.
وقال ابن عاشور :” والأمر في قوله: {كلوا مما في الأرض} مستعمل في التوبيخ على ترك ذلك وليس للوجوب ولا للإباحة، إذ ليس الكفار بأهل للخطاب بفروع الشريعة فقوله: {كلوا} تمهيد لقوله بعده “ولا تتبعوا خطوات الشيطان.”
و{مما في الأرض} عام خصصه الله تعالى ب (حلالا طيبا) لإخراج المحرمات الثابت تحريمها بالكتاب والسنة.
والحلال هو المأذون فيه شرعا، وسمي حلالا لانحلال عقدة الخطر عنه. والحلال الطيب هو ما لا يسأل الإنسان عنه في الآخرة.
والخطوات مفردها خطوة، وقرأ الجمهور (خُطْوات) بضم فسكون على أصل جمع السلامة، وقرأه ابن عامر وقنبل عن ابن كثير وحفص عن عاصم بضم الخاء والطاء على الإتباع، والإتباع يساوي السكون في الخفة على اللسان، والمقصود النهي عن اتباع أوامر الشيطان وطريقه. فعداوته ظاهرة لسليمي البصيرة. وأُمرنا أن نتخذه عدوا. ومحاربته تكون بذكر الحلال والوقوف عند حدود الشريعة، وكثرة ذكر الله سبحانه.
وخالف النفس والشيطان فاعصهما ××× وإن هما محضاك النصح فاتَّهِـــــم
وقوله تعالى :{إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169)}
السوء ليست هي الفحشاء، فالسوء يعم القبائح، والفحشاء ما تزايد من القبح. وقيل السوء ما ليس في حد (عقوبة)، والفحشاء ما فيه حد. وشرع الله هو الذي يحسن ويقبح.
واجتمعت (السوء ) و(الفحشاء) مرتين، هنا، وفي سورة يوسف (لنصرف عنه السوء والفحشاء)
والله تعالى لا يأمر بالفحشاء، إنما ينهى عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
وقوله سبحانه: {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون (170)}
قيل نزلت في المشركين، و {بل} : إضراب إبطال، و{ألفى}: وجد
وفي هذا تحذير من (الإمعية) أي اتباع الآباء وتقليدهم وإن خالفوا الشرع. وهو مما لا ينبغي.
والهمزة في (أوَ لَو) للاستهام وهو للتوبيخ.
وقوله تعالى : {ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون (171)}
والمقصود من هذا التشبيه: مثلك يا محمد ومثل الكفار كمثل الراعي الذي ينعق بالغنم وهي لا تسمع إلا صوتا دون إدراك المراد، فكان رسول الله بمنزلة الراعي والكفار بمنزلة الغنم.
{صم بكم} : من لا ينطق ولا يفهم. والعمي : من لا بصيرة له كمن لا بصر له.
وبتعطيلهم للحواس صاروا معطلين للعقول، فهم كالأنعام لا يدركون الخطاب الموجه إليهم.
قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون (172)}
والأمر في (واشكروا) للواجب فإن شكر المنعم واجب، وعبادته لا تتم إلا بالشكر. والمراد بالعبادة هنا الخضوع والانقياد.
ثم شرع في تعداد المحرمات وهي قوله تعالى:
{إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم (173)}
إنما للحصر، فالآية حصرت المحرمات وهي مدنية وقيل نزلت في عرفة.
والحرام هو الممنوع منعا شديدا. وهو ما ذم فاعله شرعا، وهو ما طلب الشارع تركه جزما.
{الميتة} قرأ أبو جعفر {الميّتة} بتضعيف الياء. واستثنى الشرع منها السمك والجراد.
وتحدث المفسر عن أحكام السمك إن مات وطفى فوق الماء واختلاف المذاهب في ذلك.
والدم محرم لما فيه من تغيير للطبع الإنساني، واستثنى الشرع منه الكبد والطحال كما ورد في الحديث.
{ولحم الخنزير}، وذكر اللحم لأنه هو المقصود بالطعام، وللفقهاء مذاهب في شعر الخنزير وجلده تراجع في كتب الفروع.
{وما أهل لغير الله} ما رفع الصوت به ذبحا لغير الله.
ثم أباح للمضطر أن يأكل مما تم تحريمه بشروط وضوابط (الضرورات تبيح المحظورات) و(الضرورة تقدر بقدرها) والمضطر من خشي على نفسه الهلاك أو الضعف، ولا ينبغي التوسع في اتباع الضرورات دون ضوابط شرعية معتبرة.
{ولا عاد} أي غير مستحل لها ومتزود بها.
وقوله سبحانه {إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم (174)}
قيل: نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم فكانوا يصيبون الهدايا من الأتباع، فكتموا صفات النبي عليه الصلاة والسلام كي لا يفقدوا الامتيازات المادية.
ولا يكلمهم الله = فيه معنى غضبه عليهم
وقوله سبحانه {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار (175)}
قال ابن عاشور:{ ومعنى اشتراء العذاب بالمغفرة أنهم فعلوا ذلك الكتمان عن عمد وعلم بسوء عاقبته، فهم قد رضوا بالعذاب وإضاعة المغفرة فكأنهم استبدلوا بالمغفرة العذاب.}
وقوله عز وجل: {ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد (176)}
قال ابن عاشور {والمعنى أنهم استحقوا العذاب على كتمانهم بسبب أن الله أنزل الكتاب بالحق فكتمانهم شيئا من الكتاب كتمان للحق وذلك فساد وتغيير لمراد الله لأن ما يكتم من الحق يخلفه الباطل فحق عليهم العذاب لكتمانه، لأنه مخالف مراد الله من تنزيله.}
والحمد لله رب العالمين
ثانيا :التدخلات
وبعد الانتهاء من تفسير الآيات فتح المجال للتدخلات تحت إشراف وتسيير الدكتور عبد الباسط المستعين:
- تدخلت الأستاذة وئام التازي منطلقة من حديث نبوي قائلة :” أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة رضى الله عنه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أيها الناس : إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين : فقال : ” يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ “[المؤمنون: 51] وقال : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ” [البقرة: 172] ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء، يا رب يا رب ! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك ؟» . وأكدت على أمر الأكل من الطيبات والحلال وعلاقته بإجابة الدعاء. فتساءلت: كيف يمكن تحري أكل الطيب في هذا الزمن الذي كثرت فيه متطلبات الحياة حتى أصبحت الكماليات من الضروريات عند كثير من الناس ؟
فأجاب الدكتور عبد العلي :
الأكل الطيب مقدور عليه بشرط أن يكون المرء راضيا بما رزقه الله قانعا به، وأن يكد ويعمل، وأن يسعى للنفقة على أهله بما يستطيع دون مغالاة مع تفادي الديون ما أمكن. فالدنيا مطية للآخرة وليست غاية، لذا وجب أن تكون نفقاتنا وفق مداخيلنا دون إسراف. وتحري الحلال من باب تحري الصدق.
- سؤال د. عبد الباسط : ما وجه الاختلاف في قراءة (خطُوات) و(خطْوات)
فقال حفظه الله: فُعلة تجمع على : فُعْلات وفُعُلات وفُعَلات وهي تختلف من حيث الصرف ولا تختلف من حيث الدلالة والمعنى.
- تدخل الأستاذة طيبة الإدريسي :
انطلقت من قوله تعالى: وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ” سورة آل عمران187، وتساءلت ما هو المطلوب من العلماء في وقتنا الحالي زمن الملك الجبري و القهر و الظلم و تعطيل شرع الله؟ و هل إظهار الحق و نصرة المظلوم واجبة أيضا على طلاب العلم و العامة؟
فأجاب حفظه الله: إن العلماء يجب عليهم تبليغ ما يعلمون من الحق والشرع، باللسان وبالقلم، وكثير من العلماء اندرجوا ضمن مؤسسات رسمية يعسر عليهم قول الحق من داخلها، وهو ما يوقعهم في السكوت عن الحق بل تأويل الآيات وتحريفها ابتغاء مرضات الحاكم أو خشية بطشه. وقليل هم العلماء الذين لا يخافون في الله لومة لائم فيتعرضون للبطش وتلك سنة الله في خلقه وتلك طريقة الأنبياء ومسلكهم.
فالعلماء ليسوا على مسلك واحد. وذَكَر جملة من النماذج من العلماء المغاربة أمثال الفقيه جسوس والقاضي عياض والونشريسي الذين كانوا لا يخافون في الله لومة لائم. والمطلوب أن ندعو الله للجميع كي يوفَّقوا لقول الحق والجهر به.
- تدخل د. عبد الباسط متحدثا عن سلوك الإنسان وسيره إلى الله وما يتعرضه من حبائل الشياطين إنسهم وجنهم. فكيف نحذر شياطين الإنس؟
فأجاب: إن مردة الشياطين تُسَلسل، لكن النفس لا تسلسل، فينبغي أن نحذر أنفسنا الأمارة بالسوء. فنتحصن بذكر الله وبشرع الله. والله خير حفظا. فعلينا بتزكية أنفسنا واغتنام هذه الأيام الرمضانية الفاضلة ليلا ونهارا، والتخلق بالأخلاق الحسنة في التعامل مع خلق الله.
- تدخل د. مصطفى العلام الذي تساءل عن تفاصيل تطبيق (قاعدة الضرورات تبيح المحظورات) وما هي ضوابط ذلك؟ ومن الذي يحدد الضرورة؟ هل المعني بالأمر أم المفتي؟
فأجاب حفظه الله من خلال توضيح المسألة بمثال:
مثال الربا: اضطر إنسان إلى إجراء عملية جراحية بثمن باهض، وبذل الجهد في إيجاد من يقرضه أو يساعده فلم يجد، فهو بين أن لا يجري العملية فهو معرض للهلاك، وبين أن يقترض قرضا ربويا فيتفادى الهلاك. فهذا الرجل يوجد في حال ضرورة يجوز له أن يلجأ للقرض الربوي باقتراض ما يكفيه للعملية وما يرتبط بها من أدوية وغيرها دون تجاوز ذلك.
هذا، يندرج ضمن كون الشرع جاء للمحافظة على كلية النفس. والمسألة متشعبة تحتاج إلى محاضرة.
ثالثا: الأسئلة الفقهية الواردة:
- هل يجوز للمسلمين في الخارج إرسال الفدية لأهل بلدهم في شهر شعبان بنية إعانتهم على مصاريف شهر رمضان؟ و إذا كان لا يجوز بحال، فماذا يفعلون بعد ما أرسلوا الفدية؟
فأجاب: الأصل عدم إخراج أموال الزكاة عن البلد، إلا استثناء، والفدية من جنسها، المطلوب ان تصرف هناك، لكن إن قدر ونزل وتم إرسالها يحتفظ بها إلى دخول رمضان فيتصرف فيها وفق الضوابط الشرعية.
- في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” مَن أكَلَ ناسِيًا وهو صائِمٌ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ؛ فإنَّما أطْعَمَهُ اللَّهُ وسَقاهُ.” صحة صوم من أكل أو شرب ناسياً وكونه لا قضاء عليه أمر مجمع عليه، لولا خلاف مذهب المالكية الذي له أدلته القوية و فيه الاحتياط للصيام . هل يجوز العمل برأي الجمهور في هذه المسألة خاصة لمن يغلب عليه النسيان؟
فأجاب : ذهب الفقهاء الثلاثة إلى عدم قضاء المفطر ناسيا، ومالك قال بفساد الصوم ووجوب القضاء على المفطر ناسيا لأنه لم يتم الصيام إلى الليل. إن كان الإنسان كثير النسيان فيمكن أن يأخذ بقول الجمهور. أما من لا ينس إلا نادرا، فهو على الخيار أن يأخذ بأحد الرأيين، علما أن أدلة الجمهور أقوى، لكن من باب تعظيم الشهر فقضاء ذلك اليوم جائز.
وختم المجلس بحمد الله تعالى وبالدعاء.
تقرير حول حصة مجلس التفسير بتاريخ 6 أبريل 2022/ 3 رمضان 1443.