مختصر تفسير الآيات من قول الله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ… ﴾إلى قوله تعالى ﴿…اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ البقرة: 213-216.. من مجلس التفسير للدكتور عبد العلي المسئول
د. مونعيم مزغاب
مختصر تفسير الآيات
من قول الله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ… ﴾إلى قوله تعالى ﴿…اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ البقرة: 213-216..
من مجلس التفسير للدكتور عبد العلي المسئول
د. مونعيم مزغاب
بعد وضع الآيات في سياقها من سورة البقرة، اقترح المحاضر تقسيم هذه الآيات إلى محاور أربعة:
- المحور الأول: فيه سؤال عن الإنفاق، ما ننفق؟ وعلى من ننفق؟ ثم بأي نية ننفق المال والجهد..؟
وهو قوله تعالى:{ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} والحديث عن الإنفاق استهلت به سورة البقرة وتكرر فيها، نزلت في عمرو بن الجموح الذي سأل عن الإنفاق، وجاء الجواب عن من ننفق عليه (الخير) الذي قيل هو المال الحلال وقيل كل ما يرغب فيه الناس وما ينفعهم ومنه الوقت والجهد والنصح والخدمة، وعدَّد أصنافا بدءا بالوالدين ثم الأقربين فاليتامى والمساكين وابن السبيل، وبين المفسر علل الترتيب المذكور بين الأصناف المذكورين.
مؤكدا على أهمية هذه النفقات مما يسد حاجات الناس وخصاصهم، ولا تكون هذه النفقة ذات قيمة إلا إذا وقعت في الموقع الذي أمر الله به.
وجاء التذييل بقوله تعالى:{ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} وفيه معنى أن جزاء الله تعالى لأهل الخير لا يحول دونه حائل. وعلم الله يشمل النيات التي بها تمت عملية الإنفاق.وفيه توجيه تربوي إلى مراقبة الله تعالى في كل أعمال الخير لتوقف صلاحها على النيات السليمة.
- المحور الثاني: فرضية الجهاد وكراهية النفس له.
وهو قوله تعالى:{ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}
وفيه تكرار التوجيه إلى (علم الله) سبحانه.
و(القتال) هو الجهاد، و(كتب) من صيغ الوجوب. ولا يكون القتال إلا للأعداء، وهو مشروع لمصلحتين: الدفاع عن المسلمين وأوطانهم، وتأمين حرية الدين ومنع الاضطهاد فيه.
{وهو كُره لكم} والكُره بضم الكاف هو الكراهية ونفور الطبع من الشيء.وكثير من التكاليف فيه مشقة ولا ينبغي أن نكرهها ومنها قيام الليل في الليالي الباردة مثلا، ومعلوم ان الكمالات لا تنال إلا بمشقة، وأن النعيم لا يدرك بالنعيم.
والجهاد فيه إزهاق للنفس وإتلاف للمالـ لكن فيه حفظ للدين والعرض، وفيه مصالح راجحة.
{ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} هذا تذييل ثان، وهو قاعدة عامة ينبغي أن نعض عليها بالنواجذ.وفيه تلطف منه سبحانه وتعالى لأنه يأمر وينبغي أن يطاع دون تعليل، وفي هذا بيان للحكمة العامة من الأوامر الإلهية. وعسى الأولى للإشفاق، والثانية للترجي. وقالوا كل عسى في القرآن فهي للتحقيق.
والله يعلم الشر والخير ابتداء ووسطا وانتهاء، لذا وجب اتخاذ الأسباب وتفويض الأمر لله فهو العليم الخبير. وفيه تعليم للمؤمنين أن تلقي أمر الله بالقبول هو الصلاح، وذلك يحتاج إلى يقين نتعلمه.
- المحور الثالث: سؤال عن القتال في الشهر الحرام مع ترك السؤال عما هو أكبر من ذلك
وهو قوله تعالى:{ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا}
يسألونك يا محمد عن القتال في الأشهر الحرم، قل لهم إن القتال في الأشهر الحرم أمر كبير، لكن ما وقع من صد عن سبيل الله وعن العمرة عام الحديبية، ومن كفر وإخراج المسلمين من مكة وهي بلدهم أكبر جرما من القتال في الأشهر الحرم الذي وقع تأويلا وظنا أنها لم تدخل بعد.
وذكر ارتباط ذلك بسرية عبد الله بن جحش وما وقع له مع الحضرمي كما هو وارد في كتب التفسير والسير، فقد روى الواحدي في «أسباب النزول» عن الزهري مرسلا وروى الطبري عن عروة بن الزبير مرسلا ومطولا، أن هذه الآية نزلت في شأن سرية عبد الله بن جحش، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أرسله في ثمانية من أصحابه يتلقى عيرا لقريش ببطن نخلة في جمادى الآخرة في السنة الثانية من الهجرة، فلقي المسلمون العير فيها تجارة من الطائف وعلى العير عمرو بن الحضرمي، فقتل رجل من المسلمين عمرا وأسر اثنين من أصحابه وهما عثمان بن عبد الله بن المغيرة والحكم بن كيسان وفر منهم نوفل بن عبد الله بن المغيرة وغنم المسلمون غنيمة، وذلك أول يوم من رجب وهم يظنونه من جمادى الآخرة، فعظم ذلك على قريش وقالوا: استحل محمد الشهر الحرام وشنعوا ذلك فنزلت هذه الآية. فقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم رد عليهم الغنيمة والأسيرين، وقيل: رد الأسيرين وأخذ الغنيمة.
وهذا في قتال الابتداء، أما قتال الدفع فيجوز في الأشهر الحرم وفي البلد الحرام.
والفتنة أكبر من القتل، قيل الفتنة الشرك.
ولا يرتاح بال المشركين حتى يردوا المسلمين عن دينهم، فليحذر المسلمون من ذلك، وليعتصموا بحبل الله متواصين بالحق والصبر، متعاونين على جهاد التغيير والبناء.
- المحور الرابع: حديث عن الارتداد في الدين
وهو قوله تعالى:{ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}
ومن يطاوع المشركين ويتراجع عن دينه الى دين الكفر فقد حبطت أعماله.
وقيل الردة تختص بالكفر، والارتداد تخص الكفر وغيره.
وقد صارت الردة لقبا شرعيا يدل على الخروج من دين الاسلام إلى غيره أو إلى اللادينية أو الإلحاد.
وينبغي أن يتنبه أهل العلم والتربية والساسة إلى خطورة ما ينتشر من الإلحاد وطرقه المظلمة حماية للناس والشباب خصوصا.
ونحن في أمس الحاجة إلى التروي في القول بحكم قتل المرتد وقتال المرتدين، فنحن في حاجة إلى قوة الإقناع لإرجاع المرتدين إلى دينهم. وديننا لم يأت فقط لتطبيق الحدود والتعازير، بل جعل لها ضوابط وينبغي النظر إلى المآلات وإلى المصلحة والمقاصد.
وختمت الآيات بعنوان السعادة وقطب رحى العبودية: وهو قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}
نزلت هذه الآية في أصحاب سرية عبد الله بن جحش، لتدل على أن العاملين ينبغي أن ينتظروا ويرجوا رحمة الله فضلا منه، ولا يجب على الله شيء سبحانه.
والحمد لله رب العالمين.