الفطرية محاولة لتأصيل العمل الإسلامي قراءة في مشروع الفطرية للدكتور فريد الأنصاري
الفطرية محاولة لتأصيل العمل الإسلامي قراءة في مشروع الفطرية للدكتور فريد الأنصاري ذ. سعيد حجاج
الفطرية محاولة لتأصيل العمل الإسلامي
قراءة في مشروع الفطرية للدكتور فريد الأنصاري
ذ. سعيد حجاج
تمهيد:
كان الأنصاري رحمه الله طوال حياته يؤمن بالنقد البناء التصحيحي، ويعتبره أمرا ضروريا حتى يستطيع العمل الإسلامي مجاراة الواقع، وتحيين أفكاره، وخططه وفقه، وتتمكن بالتالي الفكرة الإسلامية من مواجهة المستجدات المحلية والدولية والتغلب عليها، ويعتبر بأن أي “حركة تعزل نفسها عن النقد الذاتي الصادر من الأفراد والمؤسسات، لهي حركة قد حكمت على نفسها بالخروج من حركية التاريخ المتجددة”[1]، ولهذا فكل كتبه النقدية التصحيحية لمسار الحركة الإسلامية كتبها لتبصير الحركات الإسلامية بعيوبها، والخروج بها من الأخطاء المنهجية الواقعة فيها، حتى لا تكون سهلة للاستدراج السياسي.
والمقصود بالنقد في فكر الأنصاري رحمه الله، نقد الواقع التي تعيشه الأمة المسلمة وإنكاره وهو رغم أهميته يبقى عملية سهلة والاكتفاء به دون العرض (أي عرض التصورات الدعوية وتنزيلها إلى الواقع الاجتماعي بشكل عملي)[2] ،يفقد العمل الإسلامي توازنه، والذي لا يمكن تحقيقه إلا من خلال الجمع بين هاتين الوظيفتين (النقد والعرض)، مع مراعاة الأولوية عند التنزيل فيُقدم العرض أو البناء أو الأمر بالمعروف باعتباره المقصد الأصلي لوجود هذه الحركات، على النقد أو الهدم أو النهي عن المنكر والذي يُعتبر مقصدا تبعيا. فالعمل الإسلامي في فكر الدكتور الأنصاري لا يؤدي دوره على أكمل وجه، ولا يؤتي ثماره التربوية إلا من خلال الجمع بين طرفي المعادلة (العرض والنقد) وهي معادلة قريبة من القاعدة التربوية المشهورة ( التخلية قبل التحلية) والتي تهدف إلى إقامة الدين في النفس والمجتمع، والعمل على إخراج بعثة التجديد المقبلة.
ولهذا فالأنصاري -رحمه الله- لم يكتفي بالنقد وحده، وإنما كان دائما ما يأتي بالبديل الذي يراه الأنسب والأقوم للعمل الإسلامي مُؤصلا له بالنصوص الشرعية، وهذا ما لاحظناه في كتاباته رحمه الله، فهو لم يكتفي بنقد وتشخيص الأخطاء التي وقع فيها العمل الإسلامي، وإنما قدم البديل أو ما اصطلح عليه هو “بالعرض” أي أنه عرض علينا النموذج التربوي الإصلاحي، الذي على الحركات الإسلامية أن تتبعه في تربية أبنائها، وهو مشروع ينطلق من القران إلى العمران.
الفطرية إذا هو المشروع الذي اقترحه الدكتور الأنصاري على الغيورين من أبناء العمل الإسلامي، وهو محاولة لتأصيل العمل الإسلامي انطلاقا من المصطلحات ومرورا بالوسائل ووصولا للأهداف، حتى يتمكن الفاعلون الدينيون من تجاوز أخطائهم السابقة، وتحطيم أصنامهم التي بنوها بأيديهم خلال فترة العمل الإسلامي، والتي حالت بينهم وبين تحقيق أهدافهم، وذلك بمخاطبة الإنسان، ومحاولة إنقاذه من هذه العولمة المتوحشة التي تستهدف قيمه وفطرته التي فطره الله عليها.
المبحث الأول: الفطرية: الأهمية، المفهوم، الأركان والمسالك
المحور الأول: أهمية الفطرية في مواجهة الفجور
يعتبر الدكتور الأنصاري رحمه الله أن الإنسان هو محل خطاب التربية الدعوية، ولهذا يرى رحمه الله بأن حاجة الوقت تستدعي الاهتمام أكثر بهذا الإنسان وبذل مجهود أكبر قصد الرجوع به إلى مصاف العابدين لله، والذي يفرض هذا إنما هو طبيعة المعركة القائمة اليوم بين الحق والباطل، فإذا كان الاستعمار قديما يستعمر الأوطان بالسلاح والعتاد والجنود، فإنه اليوم ومن ينوب عنه من دعاة الفجور في البلاد الإسلامية، إنما يسعون إلى استعمار كيان الإنسان بالأفكار، فالرهان قائم اليوم لدى هؤلاء ليس على تفسيق الشباب المسلم فقط، وإنما غرضهم هو تسفيههم حتى لا يميزوا بين ما ينفعهم وما يضرهم، فينحصر هدف هؤلاء الشباب في إشباع رغباتهم الحيوانية بشكل عاجل ولو كان على حساب دينهم، وهذا التسفيه ناتج عن تنكيس الفطرة البشرية، التي تتعرضت للمسخ على يد أعداء البشرية سواء عن طريق الإعلام السمعي البصري، أو المكتوب والمقروء، أو الإنترنت الذي جمع كل هذه الوسائل الإعلامية وهنا تمكن خطورته أكثر من غيره.
ولهذا يعتبر رحمه الله أن الشيء الوحيد القادر على مواجهة موجة التسفيه التي يتعرض لها شباب هذه الأمة، إنما هو التركيز في التربية الدعوية على إصلاح الفطرة، وهو ما سماه الدكتور الأنصاري “بالتربية الفطرية”، أي العمل على إرجاع الإنسان إلى فطرته التي خلقه الله عليها أول الأمر، قبل أن تعبث بها يد البشر بالتبديل والتحريف والتعطيل، وقد وضع برنامجا فطريا في كتابه” الفطرية بعثت التجديد المقبلة”، يتكون من ستة أركان، وثلاث مسالك تربوية، نتحدث عنها فيما يأتي من هذه الورقة.
فالمنهجية التربوية الفطرية كما وضعها الدكتور الأنصاري تبين لنا كيفية إصلاح الركيزة الأساسية في المشروع التربوي وهو الإنسان، والذي إن صلحت فطرته صلح باقي عمله وعمرانه السلطاني، ولهذا فالتربية الفطرية تهتم بالدرجة الأولى بعمران وجدان الإنسان بأركان الإيمان وشعبه، حتى يتحقق ويتخلق بصفات المؤمن، وأهمها حسب الدكتور الأنصاري القوة والأمانة، مصداقا لقوله تعالى“إن خير من استأجرت القوي الأمين”[3]، وبما أن الأمانة هي أزمة العصر، فالإنسان الأمين هو القادر على حملها وأدائها على أحسن وجه، وليس أحد غيره يستطيع ذلك.
إذن فالفطرية هو برنامج عملي هدفه عمران الإنسان لأنه في فكر الأنصاري “هو القضية وهو مجال الاستثمار الرئيس للدين”[4]، فهو مخلوق متفرد في كل شيء في خلقه، خلقه فالله بيده ونفخ فيه من روحه وسخر له جميع الكائنات، ومتفرد في وظيفته ومهمته على الأرض فهو مكلف بعمارتها “هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها“[5]. هذه العمارة التي تعتبر جزء لا يتجزأ من العبادة، لأن العبادة في فكر الدكتور الأنصاري لا تنحصر فيما يصطلح عليه بالعبادات المحضة” الصلاة والصوم والزكاة والحج …”، وإنما لها امتداد واسع يشمل جميع مجالات الحياة من العقيدة إلى الشريعة إلى العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية…إلخ.
إذن فواجب الوقت كما يراه الأنصاري -رحمه الله- إنما هو محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذ من غرقى الشهوات والشبهات من الشباب المسلم، الذي تلوثت فطرته فصار يكره كل ما هو نظيف وجميل وينفر من الخطاب الدعوي الإصلاحي التربوي الجميل، بفعل سحرة الإعلام الذين شوهوا صورة الدين في فكره فصار يكره التدين، ودينه الإسلام دين الفطرة ” فطرت الله التي فطر الناس عليها”[6]، فالواجب بداية هو تنقية قلب هذا الإنسان وتصفيته من الشهوات والشبهات التي أحاطت به من كل جانب.
وهذه التصفية تكون “بالتربية الفطرية ” لأن الفطرة المسلوبة أو المخرومة لن تعالج إلا بمنهاج فطري“[7]، فالإنسان المسلم وبفعل دجل حركات الفجور السياسي، فقدَ الكثير من خصائصه الفطرية بما هو عبد خالص لله، وصار معظم شباب المسلمين جزءا من منظومة الأخر الحضارية، ” لكن على شكل ذرة تافهة تدور على الهامش خادما غير مخدوم ومستهلكا غير منتج”[8]، فالمقصد الضروري للدعوة الإسلامية اليوم هو العمل على“الخروج بالإنسان المسلم فردا وأمة من ظلمات التيه العولمي المعاصر”[9]، الذي استرقه عقديا وثقافيا وسياسيا واقتصاديا، لأن هذا الإنسان هو أهم عناصر العمران، وأول مرتكزاته، فهو الذي يعطي للبناء معناه العمراني وقصده التعبدي.
المحور الثاني: مفهوم الفطرية أركانها ومسالكها
يعرف الدكتور الأنصاري الفطرة بأنها” الخلقة النفسانية الجمعاء، الكاملة، السوية، المتوازنة، التي خلق الله عليها كل مولود، قبل أن تتدخل فيها يد المربين بالحفظ والصون أو بالعبث والخرم والتشويه والخدش…بكمالها يكمل مفهوم الإنسان، وبنقصها ينقص معناه، وبانخرامها الكلي يخرج عن طبعه وحده إلى درك المعنى البهمي لجنس الحيوان”[10].
وتقوم الفطرية عند الدكتور فريد الأنصاري على مجموعة من الأركان التي تستهدف مناطق الخلل في الحركات الإسلامية، وأولى هذه الأركان هو، الإخلاص مجاهدة فالنية في العمل الإسلامي خالصة لله وليس للحركات أو الأشخاص، الركن الثاني الآخرة غاية[11] فالداعي إلى الله والعامل لدينه هو رجل أخروي بالدرجة الأولى، وهذا الركن يحصن العامل لدينه من الشهوات المادية والإغراءات الدنيوية، الركن الثالث القران مدرسة باعتبار أن القران الكريم هو كلام الله الخالق للإنسان والعليم بأسرار نفسه، وبما أن الهدف هو مخاطبة الوجدان وإصلاح الفطرة، فالقران الكريم هو كتاب الفطرة مهمته الحفاظ عليها وتخليصها من الشوائب، الركن الرابع الربانية برنامجا وهدف هذا الركن هو تخريج أئمة العمل الإسلامي الذين سيتحملون تكليف إصلاح الفطرة الإنسانية ومخاطبة وجدانهم، بتبصيرهم بحقيقة الدين ومقتضياته، الركن الخامس العلم طريقة وهدفه هو تعليم المسلمين من دينهم ما لا يعذرون بجهله أمام الله وتخليصهم من التصورات الخرافية للدين التي تشكلت في أذهانهم عبر التاريخ، والهدف الثاني لهذا الركن هو تخريج أفواج من المتخصصين في العلوم الشرعية ينتصب لتجديد الدين بجدية وإخلاص، الركن السادس الحكمة صبغة وذلك بمعرفة الأولويات وإتقان فقه الموازنات والعمل بالمقاصد والقواعد الأصولية والفقهية وغاية كل هذا هو تجنيب العمل الإسلامي مواطن الهلاك.
ولتحقيق أركان الفطرية حدد الدكتور فريد الأنصاري ثلاثة مسالك[12] لذلك على العامل لدينه أن يسلكها، وهي:
المسلك الأول: الدخول في مجالس القران وذلك بتلقي وتدبر وتدارس آياته.
المسلك الثاني: بلاغ رسالات القران للناس تبصيرا لا إخبارا.
المسلك الثالث: رباط الفطرية، بما تتضمنه من صلوات وأوراد معنوية.
المبحث الثاني: منهجية التجديد الفطري وخصائصه
المحور الأول: منهجية التجديد الفطري
إن الفطرية هي “بمثابة عملية إصلاحية وجدانية، تقوم أساسا على إصلاح ما فسد من فطرة الإنسان، المجبول أصلا على إخلاص التوحيد، وإصلاح ما أصابها من تشوهات تصورية وسلوكية، في شتى امتداداتها العمرانية”[13]، ثم إن المحور الأساسي في التربية الفطرية “إنما هو كتاب الله عز وجل”[14]، لأنه كتاب الفطرة بامتياز فعليه ربى النبي أصحابه أول الأمر، فأخرج لنا جيلا فريدا، لأنهم تربوا على يد من بعثه الله معلما.
ولهذا إذا أردنا أن نعيد أمجاد هذه الأمة فلابد من عودة صادقة إلى كتاب الله نتلقى رسالاته ونبلغها كما تلقها وبلغها النبي لأصحابه الكرام. فالكلمة الأساس في المنهج الفطري هي “التلقي”، وهو نوعان، أولا تلقي على سبيل النبوءة وهو خاص بالرسول، أما الثاني فهو التلقي على سبيل الذكر، وهو عام في كل مؤمن أخذ القران بمنهج التلقي لتجديد الدين في النفوس. وهذا يعني أنه علينا أن نشتغل بالقران وفيه، وليس حوله كما تفعل معظم الحركات الإسلامية اليوم ، والتي تجعل من النص الشرعي مجرد شعار لا أثر له في الواقع العملي للحركة، لأن الذي يحركها في الواقع “مجموعة من الأفكار المجردة والآراء الشخصانية أو الجماعية“[15]، ولهذا يلاحظ ضعف التداول التربوي للقران الكريم داخل صفوفها، لأن تلقي رسالات القران والتحقق بأخلاقه ” ليس مقصودا لذاته في حركة ذلك العمل”[16].
ويرى الدكتور الأنصاري بأن تلقي رسالات القران وتفعيلها في النفس وفي المجتمع يحتاج إلى “الاشتغال بالقران” أو “التداول القرآني”، والذي هو أولى المعالم المنهاجية للتجديد الفطري، تداولا رساليا، اجتماعيا، تربويا، وهذا يعني أن العمل الإسلامي عليه أن “يتخذ من كتاب الله أساس مشروعه، وصلب عمله ومنهاجه، تلاوة وتزكية وتعلما وتعليما، إنه دخول في مسلك القران تلقيا لآياته، وخضوعا لحركته التربوية في النفس”[17]، حتى يصير هذا التداول منهج حياة بين سائر فئات المجتمع وطبقاته، بما يؤسس تربية قرآنية اجتماعية تعم جميع شرائح المجتمع يمكنها من بث “قيم القران وأخلاقه بينهم بثا يتغلغل في الأنفس، ويتسرب إلى أنسجة المجتمع الداخلية وخلاياه الشعورية واللاشعورية”[18]، حتى يصبح القران محرك الإصلاح الأول.
وبهذا المنهاج فقط يمكن إخراج بعثة التجديد المقبلة، لأنه عين المنهج الذي سلكه النبي في تجديد الدين على المستوى الفردي والجماعي في زمانه، فلن يصلح أخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. وقد بين الدكتور الأنصاري رحمه الله الخطوات الضوابط المنهجية للتداول الاجتماعي للقران الكريم في كتابه “مجالس القران”.
ثم إن اتخاذ القران أساسا للعمل الدعوي والتربوي في المشروع الإصلاحي لا يعني إلغاء وسائل العمل الإسلامي الاجتهادية في جميع المجالات، والتي هي فُهوم الناس للتدين تصورا وممارسة “ولكنها تعني الإبقاء عليها في سياقها المرجعي …باعتبارها مراجع تتضمن تجارب دعوية تفيد كأدوات إجرائية لحسن الاستفادة من القران والسنة”[19]، حتى لا تأخذ هذه المراجع السلطة المطلقة، والمصدرية التربوية فنسقط من جديد في فخ الوساطة التربوية، التي أنتجت جيل الهزيمة.
المحور الثاني: العلماء الربانيون قادة المشروع الفطري
إلا أن هذا التداول الاجتماعي للقرآني يحتاج إلى علماء ربانيين الذين نالوا حضهم من الإرث النبوي، والذي هو العلم بكل وظائفه الدعوية والتربوية، وليس مجرد علم خال من العمل، فالعالم الرباني هو العامل والمعلم في نفس الوقت، هذا العالم هو المؤهل حقيقة لحمل الرسالة القرآنية، والانتصاب لتبليغها، حتى يصير شامة بين الناس يرشد من ضل وينصح من زل، بأسلوب لين، سهل، يسير، مبشر غير منفر. وهذا المنهج في الدعوة والتربية لا يتقنه إلا القيادات العلمية المتميزة في تلاقيها وتبليغها لرسالات القران، والذين تخرجت الدفعة الأولى منهم على يد سيد الخلق محمد رسول الله.
وقد ألف الأنصاري رحمه كتابا يبين فيه مفهوم العالمية والعالم، وذكر فيه شروط العالم الرباني الصالح لقيادة العمل الإسلامي، كما وضع فيه برنامج علميا لمن أراد أن يلتحق بركب القيادات العلمية التربوية التي ستقود بعثة التجديد، وهو كتاب ” مفهوم العالمية من الكتاب إلى الربانية”، وهو كتاب يحمي أرباب الفطرية من الوقوع مجددا في استصنام الأشخاص والقيادات.
المحور الثالث: خصائص التربية الفطرية
يمكن جمع خصائص التربية في الفطرية في خاصيتين كليتين ينبثق عنهما مجموعة من الخصائص الفرعية، وهي التي ذكرها الأنصاري وهو يدافع عن المنهج الفطري في الدعوة، يقول إن” طبيعة الدعوة الإسلامية بالذات إنما هي الانتشار والاستيعاب”[20] ، وبين هاتين الخاصيتين علاقة جدلية، بحيث يؤدي الاستيعاب إلى انتشار الدعوة، وبالتالي تسلم من مأزق المحاصرة لها ولدعاتها، والذي وقعت فيه جميع الحركات الإسلامية في شكلها التنظيمي أو الحزبي، وفيما يلي مزيد بيان لهاتين الخاصيتين.
الخاصية الأولى: هي الاستيعاب الشامل لجميع المدارس الإسلامية قصد الاستفادة منها جميعا كل واحدة في مجال تخصصها، لأنه كما يرى مجموعة من مفكري الإسلام المعاصرين ومن بينهم الدكتور الأنصاري، أن التراث الإسلامي قد تفرق بين الفرق الإسلامية، والحكمة تقتضي الجمع بينها، فالقاعدة الأصولية تقول “الجمع أولى من الترجيح”، ولهذا عمل الدكتور الأنصاري في الفطرية على الاستفادة من جميع التيارات الإصلاحية في الإسلام، حتى لا يكون هناك إقصاء لأحد، لأن الخاسر الأكبر في النهاية إنما هو العمل الإسلامي.
ولهذا رأى الأنصاري رحمه الله أنه في التربية الفطرية، يجب الاستفادة من المدرسة “السلفية العلمية” في مجال تصحيح المفاهيم العقدية، وتصفيتها من الشركيات والخرافيات، فالله سبحانه بقدرته قد بعث جيل من علماء السلف الذين عملوا على تنقيح السنة النبوية، وتصفية التراث الإسلامية بشكل عام، وهو ما فعله الأنصاري –رحمه الله- في مشروع الفطرية، حيث قام بتصحيح مجموعة من المفاهيم التي يعتبرها ضرورية في تجديد الدين، ابتداء من مفهوم الدين نفسه، مفهوم القران، الإنسان…إلخ
ثم إنه على المنهج الفطري الاستفادة من مؤلفات مفكري الحركة الإسلامية الحديثة في العالم الإسلامي، لما تحتوي عليه كتبهم من إيجابيات تفيد المنتصب للدعوة، في مجال الدراسات الواقعية والسياسية، وهو ما يسمى بفقه الواقع، والذي يعتبر من أهم الشروط التي على الداعية إلى الله في كل زمان الاتصاف به، لأنه يمكنه من تحقيق مناط الأحكام الدعوية، وتنزيلها بقدرها، في زمانها ومكانها المناسب لها، وهذا هو عين الحكمة في الدعوة، ولهذا يعتبر الأنصاري أن الإعراض عن مثل هذه المؤلفات التي تبصر الإنسان بواقعه “ضربا من الجهل بطبيعة الدين، من حيث نزل، ليتحقق في إطار الزمان والمكان، وليجري على موازين العادات في سنن التاريخ، وما تقتضيه ضرورات الواقع البشري”[21].
ويجب كذلك الاستفادة من التيار التربوي الروحي في شكله، السلفي إن صح التعبير والممثلة في “جماعة الدعوة والتبليغ” والتي كان للدكتور علاقة طيبة مع أفرادها في بدايات عمله الإسلامي، وقبل الانخراط في صفوف الحركة الإسلامية، في بداية دراسته الجامعية. ثم التيار الروحي في شكله الصوفي وضرب مثالا ب “جماعة النور التركية”، ومؤسسها مجدد الدين ببلاد الأناضول الأستاذ بديع الزمان النورسي، ومكمل مسيرته الأستاذ فتح الله كولن، وهي الحركة التي ارتبط اسم الدكتور الأنصاري في أواخر حياته بها.
ونفس الأمر ينطبق على باقي التيارات الإسلامية، يؤخذ منها ما هو إيجابي يخدم الدعوة، ويترك ما هو سلبي يمكن أن يضر بها أو يحجر من خطابها. إذن فالمنهج الاستيعابي هو القادر على نشر الدعوة، حتى تصير عالمية يقبل عليها جميع الناس، كما أن المنهج الاستيعابي يحقق أهم شرط لقبول الأعمال في الدين وأحد أركان الفطرية كما سطرها الأنصاري، وهو إخلاص الوجه لله، لأن التعصب الحركي والمذهبي غالبا ما يجعل أصحابه يرفضون الحق لمجرد هوى انتمائي، وتاريخ المذاهب يشهد على ذلك بحيث إن التعصب المذهبي كانُ أتباعه أحيانا إلى الكذب على رسول الله، وذلك بوضع أحاديث لا أساس لها نصرة لمذهبه ونكاية في المذاهب الأخرى.
إن هذا الاستيعاب الفكري لجميع التيارات الإسلامية نابع من اقتناع الدكتور الأنصاري بمقولة” كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر” والتي أطلقها إمام دار الهجرة، تنبيها منه للناس على ضرورة تجنب التعصب المذهبي أو الفكري وهي قاعدة تربوية فطرية.
الخاصية الثانية: الانتشار والشمول، لإخراج العمل الإسلامي من ضيق “التنظيم الميكانيكي” وهو ” الأسلوب الإداري التنظيمي الذي يعتمد البناء الهرمي العمودي في إدارة العمل والتسيير”[22]، الذي تعتمده الحركات الإسلامية المعاصرة في عملها، متأثرة في ذلك بالأحزاب السياسية وبحركات التحرر العالمية، ويرى الدكتور الأنصاري بأن الأشكال التنظيمية المتمثلة في الأحزاب إنما تضيق دائرة الخطاب الإسلامي وتحصر دعاتها.
ولهذا يرى –رحمه الله- في “التنظيم الفطري” أو “تنظيم الإسلام”، “البديل الأصيل للعمل الإسلامي والبناء الدعوي“[23]، فهو يخرج بالخطاب الإسلامي من ضيق الأحزاب والجماعات إلى سعت الأرض والسموات، فيوسع دائرة الخطاب الدعوي التربوي حتى يشمل جميع فئات المجتمع وطبقاته فهو ” التنظيم الذي يؤطر سائر العبادات في الإسلام أصولها وفروعها، ثم يسري في خلية الأسرة بناء وتجديدا، ليمتد إلى تجديد نظام النسيج الإسلامي بأكمله”[24]، قصد إعادة إنتاج النظم المختصة ببناء العلاقات الاجتماعية العامة، على موازين الدين.
خاتمة:
ختاما أقول بأن الفطرية مشروع يحاول من خلاله الدكتور الأنصاري إنقاذ إنسانية الإنسان المتمثلة في قيمه وفطرته التي تتعرض في زمن الاسترقاق العولمي إلى هجوم خطير بدأت بعض نتائجه تظهر في سلوك الجيل الحالي الذي يغلب عليه الاهتمام بسفاسف الأمور، فالفطرية جرس إنذار حذر فيه صاحبه من مصير مأساوي للبشرية إن استمرت في تجاهل ثمن التقدم والتحديث الغير المنضبط بضوابط الشرع، بحجة أن أي تقدم له ثمن على الإنسان أن يدفعه، ولهذا فإذا كان ثمن التقدم هو فقدان الإنسان إنسانيته فيجب أن يكون هذا النوع من التقدم مرفوضا.
المراجع:
- الأنصاري، فريد ” الفجور السياسي”، دار السلام، مصر، الطبعة الأولى 2011
- الأنصاري، فريد “الفطرية بعثة التجديد المقبلة”، دار السلام ، مصر، الطبعة الأولى2009.
- الأنصاري، فريد “هذه رسالات القران فمن يتلقاها”، دار السلام، مصر، الطبعة الأولى2010.
- الأنصاري، فريد ” التوحيد والوساطة في التربية الدعوية”، دار الكلمة، مصر، الطبعة الأولى 2002،
- الأنصاري، فريد “الأخطاء الستة للحركة الإسلامية”، منشورات رسالة القران رقم 2، المغرب، الطبعة الأولى.
[1] – الأنصاري، فريد ” الفجور السياسي” ، الطبعة الأولى 2011، دار السلام، مصر، ص: 148.
[2] – نفس المرجع، ص:117.
[3] – سورة القصص، الآية :26.
[4] – الأنصاري، فريد “الفطرية بعثة التجديد المقبلة”، دار السلام 2009، الطبعة الأولى، مصر، ص: 38.
[5] – سورة هود، الآية 61.
[6] – سورة الروم، الآية :30.
[7] -نفس المرجع، ص:13.
[8] – نفس المرجع،ص:13.
[9] – نفس المرجع، ص:14.
[10] – نفس المرجع، ص: 95.
[11] – نفس المرجع، ص 111.
[12] – نفس المرجع، ص: 119
[13] – نفس المرجع،ص:105.
[14] – نفسه، ص:106.
– الأنصاري، فريد “هذه رسالات القران فمن يتلقاها”، دار السلام، الطبعة الأولى2010، مصر، ص:12.[15]
[17] – الأنصاري، فريد “هذه رسالات القران فمن يتلقاها؟”، مصر، دار السلام، الطبعة الأولى 2010،ص:13.
[18] – الأنصاري، فريد ” الفطرية بعثة التجديد المقبلة” دار السلام، الطبعة الأولى 2009، مصر، ص: 150
[19] – الأنصاري، فريد ” التوحيد والوساطة في التربية الدعوية”، دار الكلمة، الطبعة الأولى 2002، مصر، ص:22.
[20] – الأنصاري، فريد “الفجور السياسي”، دار السلام، مصر، الطبعة الثانية 2011، ص:112.
[21] – الأنصاري، فريد “الفطرية بعثة التجديد المقبلة”، دار السلام، مصر، الطبعة الأولى 2009، ص:54.
[22] – الأنصاري، فريد “الأخطاء الستة للحركة الإسلامية”، منشورات رسالة القران رقم 2، المغرب، الطبعة الأولى، ص:75.
[23] – نفس المرجع، ص:81.
-الأنصاري، فريد “الفطرية بعثة التجديد المقبلة” ،دار السلام، الطبعة الأولى 2009، مصر، ص:161.[24]