منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قراءة في كتاب: “في مناكبها ما وراء بحر الروم”

قراءة في كتاب: "في مناكبها ما وراء بحر الروم" / د. خالد ناصر الدين

0

قراءة في كتاب “في مناكبها ما وراء بحر الروم”

بقلم: د.خالد ناصر الدين

         أمور ثلاثة شدتني إلى هذا الكتاب شدا، وفتحت لي شهية قراءته فتحا:

         1- انتماء المؤلف إلى بلدة  “تنغير” التي تسكن سُوَيْدَاءِ قلوب أهلها بشكل غريب وملفت للانتباه، “تنغير” اسم وشم أحرفه في عيون ونحور أبنائها الذين جبلوا على السفر منذ أقدم العصور، مقتحمين كل الحدود وكل القيود، وأقاموا في كل بلدان العالم غربا وشرقا، ولم يتنازلوا قيد أنملة عن شبر من آراضيهم، بل حدثني أحدهم أن مما يمس شرف المرء ومروءته بيعه نصيبه من أرض أجداده، ولن يُطَهَّرَ هذا الشرف إلا إذا استطاع استرداد تلك الأرض مهما غلا ثمنها ومهما ارتفع سعرها.

        2- الشذرات الماتعة واللقطات الممتعة التي سبق للمؤلف أن نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي كانت من الحوافز التي شجعته على استجماعها ونشرها في هذا الكتاب الورقي. ولا أخفي أنها أجابت على كثير من الأسئلة التي طالما تبادرت إلى ذهني عن العالم الغربي الذي صار حلما يراود كل الشباب الذين يحلمون بالهروب إلى “الجنة الموعودة” مهما كلفهم الأمر من ثمن، وما أكثر أولئك الذين قضوا نحبهم غرقا وهم في طريق الفرار الذي لم يكلل بالنجاح. إن الكتاب يكشف الغطاء عن حقائق كثيرة تميز عالم ما وراء بحر الروم، بعين رحالة مثقف، منفتح، يقتحم كل الحدود، ويكشف كل الأسرار، ويقدم الكثير من الفوائد واللطائف والطرائف.

         3- رغبتي الملحة في معرفة حقيقة هذا الغرب الذي يفرض نفسه فرضا في كل نقاش مهما كان موضوعه، هذا الغرب الذي يعتبر نفسه مركز العالم بلا منازع، والذي ينظر إلى نفسه محورا تدور في فلكه كل الثقافات وكل الحضارات، هذا الغرب الذي أذاقنا الذل والهوان ألوانا وأشكالا، والذي قَتَّلَ أجدادنا تقتيلا بكل ما في أعماقه من جنون العظمة ومن شعور بالتفوق والتميز والاستعلاء، والذي مازال يستنزف ثرواتها المادية والمعنوية، هذا الغرب الذي “قهرنا بالقوة المسلحة، ويمنع نهضتنا بالقوة المسلحة” على حد تعبير المفكر منير شفيق.هذا الغرب الذي يسعى جاهدا لنفي الآخر، أيا كان هذا الآخر، هذا الغرب الذي يسعى جاهدا لفرض قيمه على العالم أجمع، بدعوى أنها قيم إنسانية كونية، والله غالب على أمره.

أولا: القراءة التوجيهية (تحليل النصوص الموازية)

         سأعمد إلى تحليل اسم الكاتب والعنوان والصورة أي هذا الجهاز المراسيمي المنظم بشكل تام لإخراج الجسد النصي للوجود، وإعطائه شكلا ومتانة. وأشير إلى أن النص الموازي يضطلع بوظيفتين اثنتين: وظيفة جمالية (تحسين الكتاب وتجميله)، ووظيفة تداولية (استقطاب القارئ واستغواؤه).

1-اسم الكاتب (لحسن شعيب): كُتِبَ اسم الكاتب في أسفل الغلاف الأمامي بالحروف العربية بلون أزرق عريض، وقد خصص الكاتب القسم الْعُلْوِي من الغلاف الخلفي لاستعراض مختصر مركز من سيرته العلمية، فأشار إلى أنه من مواليد تنغير بالجنوب الشرقي للمغرب، كما أشار إلى مختلف الشهادات الأكاديمية والدبلومات المهنية التي حصل عليها.

2- العنوان: تنامى الاهتمام بالعنوان باعتباره عتبة من العتبات، إذ “لا يمكن الولوج إلى عالم النص، إلا بعد اجتياز هذه العتبة، إنها تمفصل حاسم في التفاعل مع النص.”[1]، يتكون العنوان تركيبيا من مركبين اسميين، مركب رئيس محوري عبارة عن شبه جملة من جار ومجرور: “في مناكبها”، ومركب فرعي عبارة عن ظرف: “ما وراء بحر الروم”.

في العنوان اقتباس من الآية الكريمة رقم 15 من سورة “الملك”: “هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضُ ذَلُولاً فَامْشُوا فَي مَنَاكِبَهَا، وَكُلُوا مِنْ رِزْقِه، وَإِلَيْهِ النُّشَور.”، وفي تفسير ابن كثير: قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: مناكبها: أطرافها وفجاجها، ونواحيها، وقال ابن عباس وقتادة: مناكبها الجبال. وقد عمد الكاتب إلى تفسير العنوان الفرعي في الصفحة 71 من الكتاب: ” …وأقصد ب “ما وراء بحر الروم”، خبايا الضفة الأخرى للمتوسط.”

ومن الناحية الدلالية تصبح للعنوان تفسيرات ودلالات حين يتم ربطه بمضمون الكتاب، بحيث توجد بينهما علاقة جدلية معللة، فالعنوان هو نص واصف له، والنص هو ثورة على العنوان وتهديم وتفجير له. فالعنوان يشكل تكثيفا لمضامين النص ولقضاياه، بشكل يسمح لنا بالقول بأن الكتاب يتمحور حول رحلات قام بها الكاتب إلى دول أوروبية تقع خلف بحر الروم الذي يسمى بالبحر الأبيض المتوسط، “وبحر الروم هو الاسم الذي أطلقه العرب قديما على البحر الأبيض المتوسط، وتوجد وراءه بلدان كثيرة، وأقرب نقطة نعبر إليها من طنجة هي “طريفة” جنوب إسبانيا، ثم “الجزيرة الخضراء” كما يمكن العبور أيضا إلى صخرة جبل طارق.” )ص:16(

3- صورة الغلاف: عمد الكاتب إلى تفسير الصورة التي اختارها لغلاف كتابه في فقرة بعنوان: “حديث صورة”، فتحدث عن وقت وملابسات التقاطها قائلا: “التقطت هذه الصورة، التي اخترتها لغلاف الكتاب، من الطائرة أثناء دخولها إلى الأجواء المغربية، وقد بدأت تنخفض تدريجيا للهبوط في مطار الدار البيضاء. ويستطيع الواحد أن يرى بعض كتل السحب البيضاء مثل الثلج، ويرى بحر الروم، والسفن التي تمخر عبابه، وكأنها سيارات الملاهي، ويرى بوضوح الضفتين وكأن بينهما بضعة أمتار…” )ص:71(

4 -بنية الكتاب: يقع الكتاب في مائتي وثمانية وأربعين صفحة من الحجم المتوسط (cm 19.50/13.7) يتكون من خطاب مقدماتي يشمل (بسملة متبوعة بنصوص ثلاثة منتقاة القاسم المشترك بينها هو الرحلة والسفر: آية من القرآن الكريم،أبيات شعرية للإمام الشافعي، نص نثري عبارة عن مثل إنجليزي/ إهداء/ كلمة شكر/ مقدمة بعنوان: في البدء كانت الرحلة/ قالوا عن السفر/ خريطة البلدان الواردة في الكتاب.)، ومن ستة فصول اختار لها عناوين على الشكل الآتي:

  • الفصل الأول: “البؤساء”
  • الفصل الثاني: جيراننا
  • الفصل الثالث: بلاد الألماس والأزهار
  • الفصل الرابع: بلاد الجرمان
  • الفصل الخامس: بلاد الجبال والبحيرات
  • الفصل السادس: الممالك الصغيرة العظمى

إضافة إلى فهرس الصور، وملحوظة ختم بها هذا السفر، وإشارة إلى عنوان الكتاب القادم من هذه السلسلة: الطريق إلى البلقان.

وقد حرص المؤلف على تزيين فقرات كتابه بمجموعة من الصور بلغ عددها خمس وخمسون صورة.

5- الخطاب المقدماتي في الكتاب: أصبح الدرس النقدي المعاصر يولي اهتماما متزايدا للخطاب المقدماتي تنظيرا وتجريبا، فقد صار للمقدمة بوصفها نصا موازيا حيز هام في مجال اشتغال النقد الأدبي[2]، ولعل من مبررات هذا الاهتمام، ما لحق هذا العنصر التأليفي من إجحاف وإهمال.

وغالبا ما تمنحنا مقدمات الكتب والمؤلفات مفاتيح لفهمها واستيعاب أبعادها وأهدافها، فهي تتسم بطابع الشمول والإحاطة مثلما تتخذ صبغة إشكالية أدبية أو فكرية أو منهجية، لذلك فالمقدمة بمثابة مدخل يشير إلى قضايا الكتاب وأسباب تأليفه ومنهجيته ويوضح جوانب من أهداف وتصورات مؤلفه. فالمقدمة بوصفها نصا موازيا تعمل على تفسير ما استغلق في النص كما توفر لهذا الأخير بعدا تداوليا وتعمل على التأثير في القارئ، وهذا ما منحها الشكل الذي سماه فيليب لوجون ب”الميثاق التمهيدي” .

ما يثير الانتباه بالنسبة لهذا الكتاب هو أن كل مكونات الخطاب المقدماتي في هذا الكتاب تتمحور حول تيمة واحدة “الرحلة والسفر”، وهذا أمر طبيعي جدا مادام الأمر يتعلق بكتاب ينتمي إلى “أدب الرحلة” بامتياز.

ويمكن قراءة كل القضايا الواردة في هذه النصوص على ضوء الأسئلة الآتية:

أ- سؤال الاستشهاد: عمد المؤلف إلى حشد عدد من النصوص المحفزة على السفر والارتحال، وهي نصوص متنوعة ومختلفة: آيات قرآنية، حديث نبوي، أبيات شعرية، أقوال وحكم وأمثال…

ب- سؤال الإهداء: خصص المؤلف صفحة كاملة ليهدي كتابه إلى عمه “الحاج السعيد أبو عامر” معبرا عن عمق العلاقات التي نسجت بينهما، معددا مناقبه، سائلا الله عز وجل أن يكرم نزله، ويرفع مقامه.

 ج- سؤال الشكر والاعتراف: تقدم المؤلف بالشكر الجزيل إلى مجموعة من الأدباء والباحثين والدكاترة الذين كانت لهم أياد بيض على هذا العمل.

 د- سيرة المولد والنشأة: استهل الكاتب سيرته الرحلية بفقرة عنونها ب: “في البدء كانت الرحلة” رصد فيه سيرته الذاتية مركزا على أسفاره من مسقط رأسه بقرية “آيت أريتان” إلى دواوير بواحة تودغى: دوار”آيت يعلا” “آيت عيسى أوبراهيم”، ثم رحلاته إلى مدن قريبة: “بومالن دادس”، ثم على مدن بعيدة: “مراكش” و”الرباط” و”طنجة”، ثم رحلاته إلى الآفاق الخارجية: “الجزيرة الخضراء” ،”إسبانيا”، “فرنسا”، “بلجيكا”، “هولندا” و”الطاليان”…

ه- فكرة تدوين الرحلة: يقول الرحالة/السارد: “…زُرْتُ أكثر من ثلاثين بلدا، ودونت ما رأيت فيها وما شاهدت في مذكرات خاصة احتفظت بمعظمها لنفسي، ونشرت بعضها إلكترونيا، فاقتراح علي العديد من الأصدقاء، ومنهم أدباء وأكاديميون أن أحولها إلى كتاب ورقي يكون مفيدا للقراء، ولبنة في أدب الرحلة…” )ص:(12

و- سؤال الاستفادة من تجارب الآخرين: بعدما اتخذ الكاتب قرار اقتحام عقبة الكتابة، أقبل على كتب الرحلات يقرؤها بنهم وشغف، ومن هذه الكتب: “حول العالم في 200 يوم” لأنيس منصور، و”تخليص الإبريز في تلخيص باريز” لرفاعة الطهطاوي، و”تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار” لابن بطوطة، و”رحلة حول العالم في ثمانين يوما” لجول قيرن…ص: 14

ز- سؤال السابق/اللاحق: استحضر الكاتب ما خلفه أدباء سابقون في موضوع السفر والرحلة، ومن ذلك: كتاب “فوائد الأسفار” لجمال الغيطاني، و”مفاكهة الخلان في رحلة اليابان” ليوسف القعيد، و”الرحلة المراكشية أو مرآة المساوئ الوقتية” للعلامة محمد بن محمد بن عبد الله الموقت…

ح- سؤال التفرد والتميز: من خلال اطلاع الكاتب على ما كتب في موضوع السفر والرحلة، خرج بخلاصة مفادها أن “لكل واحد ممن كتبوا مقاربة خاصة به لموضوع رحلته، وزاوية نظر مختلفة ومتفردة…” )ص:15

ط- سؤال انتقاء العنوان: يتكون العنوان تركيبيا من مركبين اسميين، مركب رئيس محوري عبارة عن شبه جملة من جار ومجرور: “في مناكبها”، ومركب فرعي عبارة عن ظرف: “ما وراء بحر الروم”، وهو عنوان يستند على مرجعيتين اثنتين:

-مرجعية قرآنية: استحضار الآية القرآنية الكريمة: “هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ” [الملك/15]

-مرجعية تاريخية: “وبحر الروم هو الاسم الذي أطلقته العرب قديما على البحر الأبيض المتوسط..” ص:16

ي- سؤال الصعوبات: تهيب الكاتب من التأليف في مجال أدب الرحلة الذي أسال مدادا كثيرا جعله يتردد ويفكر طويلا، ليقدم أخيرا على اقتحام العقبة إيمانا منه “بقانون الوفرة لا بقانون الندرة، وبأن كاتبا لا يلغي آخر، بل لكل واحد لمسته الخاصة في الكتابة، ونظرته الفريدة إلى الأشياء…”ص:12، يضاف إلى ذلك هاجس الخوف من ردود أفعال جمهور القراء مما جعله يستحضر أقوالا لصاحب “كليلة ودمنة” ولعمرو بن العلاء ولعمر بن لخطاب، وتجارب نجيب محفوظ وطوماس أديسون.

ك-سؤال المنهج: بعد اطلاع الكاتب على عدد مهم من كتب الرحلات تبين له أن “لكل واحد ممن كتبوا مقاربة خاصة به لموضوع رحلته، وزاوية نظر مختلفة ومتفردة، ولو كتب مجموعة من الكتاب عن أمر أو بلد واحد، فإن الكتابات لن تكون نسخة طبق الأصل لبعضها، لذلك رأيت أن أدلي بدلوي في هذا الفن، وأخرج للناس ما كان من تأملات بقيت دفينة مذكراتي الخاصة.”ص:15، أما عن منهج التأليف فقد احتار الكاتب كثيرا “في طريقة تبويبه وتصنيفه، هل باعتبار البلدان، أم باعتبار الزمن، أم باعتبار القضايا والإشكالات…” ص:15، ليهتدي إلى أن يجعل في كتابه “شيئا من كل ذلك، مع التركيز في كل قسم على بلدان يجمع بينها قاسم مشترك ما.”ص:15

ل- سؤال التجنيس والموسوعية: عمد الكاتب إلى تجنيس مؤلفه مشيرا إلى ما ميزه من موسوعية، يقول: “هي سيرة رحلية فيها وصف، وسرد لأحداث وتعليق عليها، ومقارنة بين بلدان، ورسائل صريحة وأخرى بين السطور، فيها فكر وأدب وتاريخ وجغرافيا وفلسفة ولغة وحكمة…” )ص:17(.

ثانيا: ثنائيات لقراءة الكتاب

         أقترح مجموعة من الثنائيات الضدية لقراءة هذا الكتاب:

  • الثنائية الأولى: الذات/الآخر

         من الثنائيات المحورية التي تفرض نفسها على القارئ مفتاحا لقراءة هذا الكتاب، ثنائية: الذات/الآخر، لاعتبارات ثلاثة على الأقل:

1- إن مضامين أوراق هذه الرحلة لا تخرج عن إطار علاقة الذات بالآخر، مادام الأمر يتعلق برحلات من “المغرب” إلى “دول أوروبية”اصطلح الرحالة على تسميتها “ما وراء بحر الروم”.

2- تتجاوز هذه الثنائية بعدها الجغرافي المحض لتشمل الأبعاد الحضارية والثقافية والتاريخية والفكرية والسياسية والاقتصادية والسوسيولوجية والأنثروبولوجية وغيرها…

3- لعل اللمسة المميزة لهذه الأوراق أن الرحالة سيجعلنا نتجاوز ركام التمثلات المتداولة وزخم المعارف الأكاديمية حول هذا “الآخر”/”الغرب” الذي لا فكاك لنا منه، وسننصت لصوت شاهد عيان يقدم شهادته ويعبر عن تجربته بكل صدق وشفافية…

         لا غرابة أن يفتتح الرحالة كتابه بالحديث عن “فرنسا”، “فرنسا” في التمثل الجمعي المغربي هي: “القارة الأوروبية” كلها و”الغرب” عامة، هي: “النصارى/الكفار”، “الاحتلال/الاستغلال” في تصور جيل الآباء والأجداد الذين تجرعوا مرارات وحشيتها، هي “الجنة الموعودة” و”بلاد الخلاص” في تصور الأجيال المعاصرة… نقرأ في الفصل الأول المعنون ب “البؤساء”: “أصبحت فرنسا دولة قوية، وامتد نفوذها في العديد من دول العالم، وما تزال إلى يومنا هذا تنهب خيرات مستعمراتها، وهكذا توسعت رقعة البؤس التي نشرتها القوة والغطرسة الفرنسية في دول كثيرة، وتدخلت فرنسا عسكريا لتمنع دولا من التحرر والانعتاق، وتورطت في أعمال قذرة كثيرة…” ص:23

         ويعمد الرحالة إلى رصد مفارقات هذا الغرب المنافق، يقول: “تماما مثل فرنسا صاحبة الاحتياطي الضخم من الذهب، وليس على أرضها منجم واحد، فإن بلجيكا تغرق ببلاد الألماس، ولم ترد في قائمة البلدان المنتجة لها، والتي تتصدرها روسيا.” )ص:(136

         قضية سماح ساركوزي للقذافي بنصب خيمته قي قلب باريز، “…لا توجد مصيبة أعظم من تسلط السفهاء على رقاب المسلمين يبذرون ثرواتهم، ويلعبون بمقدراتهم التي يستفيد منها الغرب المنافق الذي تختفي كل شعاراته البراقة أمام أنهار الأموال…” )ص:49_50(، وهذا ما جعل الرحالة يخرج بنتيجة مفادها أن “المال يستطيع أن يشتري كل شيء، وأن الشعارات التي يتبجح بها الغرب عموما، وفرنسا خصوصا تصير خافتة أمام بريق المال، وإلا كيف سمحوا للزعيم القذافي بأن ينصب خيمته في قلب باريز؟” ص:49

         موافقة السلطات الفرنسية على طلب ضيف عربي كبير حجز شاطئ بكامله لقضاء إجازته رفقة أكثر من 400 من المرافقين له، وهذا ما جعل جمعيات حقوقية تدخل على الخط، وتعترض على القرار، وهذا ما حدا بالرحالة إلى استنتاج عبر عنه قائلا: “فهمت أن المال يستطيع أن يشتري كل شيء، وأن الشعارات التي يتبج بها الغرب عموما وفرنسا خصوصا تصير خافتة أمام بريق المال…” ص:49

         ولا يقتصر الأمر على الأنانية المالية والشره المادي فحسب، بل إن الأمر يطال حتى جانب قيم حرية التفكير والتعبير باعتبارها من أسمى قيم حقوق الإنسان التي يَدَّعِي الغرْبُ تبنيها والدفاع عنها، ومن الحالات التي يستحضرها الرحالة، حالة التضييق على إمام وخطيب مفوه من أعلى سلطته في فرنسا، وهذا ما جعله يخرج بخلاصة مفادها “عجيب أمر هؤلاء الفرنسيين، حين يعجزون عن إسكات صوت حر أو إفحامه بالحجة والجدل العلمي، يسكتونه بطرق لا تمت لقيم جمهوريتهم بصلة، كما فعلوا سابقا مع الدكتور طارق رمضان…”ص:61

         وتتفرع عن هذه الثنائية المحورية، جملة من الثنائيات الفرعية الكفيلة بإضاءة طرفي هذه الثنائية:

         أ- التخلف/التقدم )ما لدينا/ ما لديهم

         لا غرابة أن يجسد “الآخر” كل صور وكل مشاهد التقدم، ولا غرابة أن يعتمد الرحالة آلية المقارنة بين ما لدينا وما لديهم منذ انطلاق رحلاته عبر ميناء طنجة، يقول: “استغرق دخول الركاب إلى السفينة، وهم يجرون حقائبهم ويحملونها أكثر من أربع ساعات… استغرق خروج المسافرين جميعهم والسيارات والحافلات أقل من ساعة، وكان عدد الشبابيك هو نفسه في طنجة. هناك خطأ في مكان ما!” ص:29

         1- احترام المواعيد

         حدث تأخر القطار القادم من نيس إلى مارسيليا، جعلت السارد يخرج بنتيجة مفادها أن “…لا مقارنة مع وجود الفارق طبعا، لأن الأصل في قطاراتنا أن تتأخر عن موعدها، والاستثناء أن تكون في الموعد…”ص:40

         2- البنيات التحتية: الملاعب الرياضية والقناطر

         في مدينة “شاطبة” الإسبانية يحضر عنصر المقارنة في هذه المدينة، “رأيت على الأقل ثلاثة ملاعب كبيرة لكرة القدم” )ص:(86، “وتوجد عندنا مدن يقارب عدد سكانها المليون نسمة وليس فيها ملعب محترم واحد.” ص:86.

         في الطريق من فرنسا إلى إيطاليا، يصف نفق فريجوس الفاصل بين الدولتين، ويحضر عنصر المقارنة باستمرار: “…وتمر حوالي 80 بالمائة من المواصلات اليوم عبر ذلك النفق المذهل. وقنطرة عندنا بطول 300 متر فقط نستغرق فيها مدة أطول، وننجزها بمواصفات اقل جودة.” ص:201

         3- البحث العلمي والشهادات الأكاديمية:

         ميزانية البحث العلمي عندنا لا تتجاوز 0.8 بالمائة من الناتج الداخلي الخام )…( وإسبانيا تنفق الكثير على البحث العلمي )المبالغ بمليارات الدولارات( ص:99

         “في ألمانيا إجازة في الفيزياء لها قيمة كبرى، وبعض التخصصات التي نراها عندنا عادية أو غير ذات قيمة، تكون عندهم أفضل قيمة أحيانا من دبلوم مهندس.”ص:161

         4- حرية الصحافة واحترام القانون:

         الصحافة عندنا وعندهم: …لكن قدرنا نحن أن نعرف أخبار بلادنا من الصحافة الدولية، وقدرنا أن تختنق الصحافة برياح الاستبداد التي أفسدت كل شيء …”  ص:105

         في إيطاليا تستنشق هواء الحرية، ولا تحس بالضغط الذي حين يزداد يولد الانفجار، والسبب أن هناك قانونا يحترمه الجميع، لا توجد تعليمات فوق القانون، ولا أشخاص متنفذون خارج القانون، ولا مقدم، ولا باشا، ولا وزارة أوقاف، هناك يوجد قانون، ومواطنون سواسية أمامه…” ص:202

         5- الخدمات الصحية:

         قيمة الاهتمام بصحة المواطن في الغرب بغض النظر عن اسمه وعن أصله، “أما في بلادنا فإن النساء يضعن حملهن أحيانا، وهن في الطريق إلى المستشفيات…”  ص:55 ، ففي إسبانيا مثلا، يسجل الرحالة أن “الخدمات الطبية في إسبانيا جيدة جدا …” )ص:104(

         6- الدخل الفردي:

         “أما امتلاك السيارة فدونه خرط القتاد، يمكن لعامل بالحد الأدنى للأجور في إسبانيا أن يشتري سيارة مقابل شهرين أو ثلاثة أشهر من أجرته، بينما يحتاج الأجير عندنا لامتلاك نفس السيارة وبنفس المواصفات لأجرة سنتين أو ثلات سنوات.”)ص:110(.

          الثنائية الثانية: الروح/المادة

         على قدر إعجاب الرحالة/السارد بالجانب المادي في الدول الواقعة وراء بحر الروم، والتي جعلته ينعتها ب “الجنة الأوروبية” في أكثر من مقام )ص:(29، فإن “الجانب الروحي” كان حاضرا بقوة بموازاة مع الجانب المادي، يتجسد هذا الجانب في حرص السارد الحثيث على البحث عن مؤسسة المسجد في كل الفضاءات التي كان يرتادها وفي كل المدن التي كان يزورها:

         عندما كان مسافرا على ظهر الباخرة إلى أوروبا، يصف الباخرة، ويستحضر مؤسسة المسجد قائلا: “ويوجد مسجد كبير تقام فيه الصلوات الخمس، وفيه رفوف بها مصاحف كثيرة، ومكان وضعت فيه الكثير من أحجار التيمم…” ص:31.

         عند زيارته برج أساس La tour d Assas  بمونيوبيي، يقول: “…ويوجد في طابقها الأرضي مسجد صغير، وحول المسجد محلا جزارة وحلاقة عربيان.” ص:46، والمدينة نفسها يضيف قائلا: “…يمكن أن تؤدي صلواتك في المساجد الكثيرة المنتشرة …” ص:48، ويصف أجواء صلاة عيد الفطر في المدينة في فقرة اختار لها عنوان “عيد لا كالأعياد”…ص:58، ويستحضر أجواء صلاة عيد الأضحى في باريز ص:59

         في إسبانيا، في معرض وصفه مدينة شاطبة، تحضر فريضة “الصلاة” “وقاعة كبيرة للصلاة” ص:87، و في مدينة ألسيرا الإسبانية، يلقي الرحالة محاضرات، ويصلي التراويح، ويخطب خطبة العيد ص:105

         وعند وصوله إلى بلجيكا يرافق صديقه إلى مسجد بحي أندرلخت في بروكسيل لصلاة الجمعة، وهناك يصف باستغراب طقوس وأجواء الصلاة عند الشيعة، كل ذلك في فقرة عنوانها: “شيعة أندرلخت” ص: 136_134

وفي إيطاليا تحضر الفريضة المقدسة الواصلة بين السماء والأرض، يقول: “من أعظم المساجد والمراكز التي زرتها في أوروبا، مسجد طيبة في مدينة طورينو Torino مسجد بمواصفات عالية جدا وبمساحة كبيرة ومرافق متعددة لا يوجد مثلها في مساجد المغرب التي تفتح أبوابها قبيل الصلاة، وتسرع لإغلاقها فورا بعد الصلاة.”ص:202

         الثنائية الثالثة: القيم/اللاقيم

         يقف الرحالة/السارد على مفارقات مثيرة للانتباه بين مجتمع غربي يحتضن ويجسد قيما إنسانية راقية: الضبط والإتقان، الرحمة والإنسانية، احترام الوقت، الصدق، المحاسبة والشفافية، النزاهة…ومجتمعنا المسلم الذي يفتقد كل هذه القيم

1- قيمة احترام المواطن حتى في حالة ارتكابه مخالفة قانونية: طريفة “سفرا سعيدا أيها اللص”ص:37_38

2- قيمة احترام الوقت: الوقت هو الوقت. “إن أهم شيء يمكن تعلمه في هذه البلاد هو ضبط الوقت وأهمية الوقت …” ص:38.

3- قيمة الصدق في التجارة:

         يستحضر السارد حدث شراء آلة تصوير في السوق الأسبوعي لاباياد paillade    La في مونبوليي وفي مقابل ذلك يستحضر ما وقع له مع تاجر خردة في سوق تنغير، ويخرج من خلال ذلك بخلاصة مفادها أن “التجارة أخلاق، والأخلاق قد نتعلمها أحيانا من غيرنا الذين تمسكوا بمكارم أخلاق تنكر معظمنا لها.” ص:42

         أحداث تجارية متنوعة تؤكد حاجة مجتمعنا إلى قيم الصدق والسماحة والوضوح والشفافية والقناعة ص: (43_42)

4- قيمة التواضع والشفافية والمحاسبة:

         وفد من بلدية كليشي سوبو  Clichy_sous_bois  زار ورزازات لمساندة المتضررين جراء فياضانات تودغى السفلى، تواضع المسؤولين في الغرب وشفافية وصدق ووضوح علاقاتهم مع الشعب: “العمدة أستاذ جامعي كبير في علم الاقتصاد … يملك شقة مساحتها 100 متر مربع، “…رجل سياسي وأكاديمي مرموق لا يملك غير شقة صغيرة يجلس وسط قوم في تنغير بربطات عنق أنيقة، وبعضهم لم يتجاوز مستوى الشهادة الابتدائية، ولكن ممتلكاته تساوي ممتلكات مائة من رؤساء بلديات باريز …” ص:43_44، هذا ما جعل الرحالة يخرج بنتيجة مفادها أن “السياسي عندهم يخدم وطنه، وعندنا يخدم نفسه وعشيرته المقربة أولا…” )ص:(44

5- قيمة محاربة الاختلاط في الشواطئ، في مدينة ترييستي Trieste الإيطالية، “خصصت شواطئ للنساء لا يدخلها الرجال، وأخرى للرجال لا يدخلها النساء، في تطبيق لواحد من تعاليم الإسلام السمحة …” ص:199_200

قيمة البذخ وترف المترفين من آل الخليج: ثمن سيارة يتجاوز 500000 أورو ، زعيم عربي يصطحب معه أكثر من 400 من المرافقين له، يحجز شاطئا بكامله … ص:49

6- قيمة الإرادة والنزاهة في العمل وربط المسؤولية بالمحاسبة، مكنتهم من إنجاز مشاريع عملاقة: “جسر سييو العملاق”ص:50، مشروع أقفال فانسيران ص:51_52

         غير أن حضور هذه القيم الإيجابية لا يعني إطلاقا غياب القيم السلبية التي أورد الرحالة صورا ومشاهد منها:

1- قيمة العنصرية المقيتة:

         يستحضر الرحالة مشهدين اثنين يؤكدان حضور العنصرية في المجتمعات الغربية رغم ما تدعيه من تقدم وتحضر:

         أ- مشهد الشجار بين سيدتين فرنسيتين: بيضاء وسوداء. )ص:40

         ب- مشهد رفض طلب العمل بسبب الاسم العربي أو بسبب العنوان. ص:41

2- قيمة عدم الضيافة: (ص:45)

3- قيمة عدم الحفاظ على النظافة: حين حديثه على برج أساس La tour d Assas المكون من 22 طابقا، يسجل بامتعاض “…والمؤلم في الأمر أن البرج كان نظيفا جدا، ومصاعده تعمل بشكل جيد حين كان يسكنه الفرنسيون، لكن الأحوال تبدلت كثيرا، وأصبح هذا البرج جزءا من العالم الثالث…” (ص:47)

4- قيمة مخالفة الفطرة: الطبيعي هو العري، وغير الطبيعي هو الاستتار … (ص:64)، اعتبار العري حقا طبيعيا من حقق الإنسان في غابة بولونيا في باريز…(ص:63_64)

5- قيمة الغش وخيانة الأمانة: “وكم من مشروع أنفقت عليه الملايير فضحته أول زخة مطرية، وكم من مشروع قص شريطه ووضع حجره الأساس، ثم نهبت ميزانته، ولم ينفذ أصلا، ولا أحد يحاسب أحدا، ثم إن كلفة تدشين بعض المشاريع عندنا تتجاوز كلفة إنجازها، في تبذير للثروات الوطنية بشكل غريب وقبيح. كلفة الفساد كبيرة جدا! ” (ص:53)

6- قيمة فساد الذمم: يقارن الرحالة بين أدوار الشرطة عندنا وعندهم، ويسجل مفارقات مخجلة بين ما لديهم: “وفي المرات النادرة، التي تجد فيها حاجزا للشرطة تجدهم يقومون بعمل واحد فقط، إما مراقبة نسبة الكحول في الدم، أو الورقة الرمادية، أو رخصة السياقة، أمر واحد فقط.”(ص:62)، وما لدينا: “عندما يوقفك بعض رجال الشرطة عندنا يراقبون كل شيء، وحين لا يجدون ما يتهمونك به، يقولون بأن العجلات غير مطابقة للمعايير، المهم أنت مدان في جميع الأحوال…” (ص:62)، وهذا ما جعل الرحالة يخلص إلى أن “هناك _على كل حال_ فرق بين دولة القانون ودولة الجبايات.” (ص:62).

         الثنائية الرابعة: التاريخ/الجغرافيا

         تحضر هذه الثنائية بقوة على امتداد الرحلة عبر دول ما وراء بحر الروم، وهذا راجع بالأساس إلى ثقافة الرحالة وعمق اطلاعه، ففي زيارته لبلاد “البؤساء” يستحضر تاريخنا المشترك، قائلا: “لكن هناك سؤالا آخر قبل هذا وأعمق من هذا: ماذا لم انتصر الغافقي في معركة بلاط الشهداء ؟ لنسمع كاتبا وفيلسوفا فرنسيا منصفا لم يطربه انتصار الملك شارل مارتل على المسلمين وجيشهم في بواتييه سنة 732م، ورأى أن ذلك أخر كثيرا استفادة بلده “البربري” من ثمرات الحضارة العربية المتفوقة آنذاك…” (ص:24_25)

         وفي طريقه إلى فرنسا عبر إسبانيا، يغمره شعور بالحزن، يقول: “أحسست بحزن شديد يجتاحني وأنا أتذكر الأندلس وحضارة المسلمين بها…” ص:26 ويستعيد لقطات ومشاهد من تاريخ المغرب في علاقته بالأندلس، “…وتتذكر الملك الصالح يوسف بن تاشفين وبطولاته هناك، وتتذكر طرقا بن زياد وموسى بن نصير وغيرهما …” ص:72_73 “…في كل شبر من شبه الجزيرة الإيبيرية هذه سطور من التاريخ والفن والحضارة أهدت الأنوار إلى أوروبا …” ص:76، وحين حديثه عن مدينة “مدريد”، يعلق قائلا: “…وتقول كتب التاريخ بأن محمدا الأول، الأمير القرطبي هو أول من أسس هذه المدينة …”ص:75، ويشير إلى مكانة الذاكرة التاريخية وأهميتها في تصور الدولة الفرنسية، نقرأ: “…وعندهم أمر مهم وجدير بالتأمل! ولهذا الأمر علاقة بالذاكرة التاريخية، إذ أنهم لا يطلقون أسماء رؤساء الجمهورية على أي شارع ولا أي معلمة إلا بعد وفاتهم، ربما تحسبا من أن يصدر من الرئيس إبان ولايته ما يسيء إلى قيم الجمهورية…” ص:34_35، وتظل ثنائية “التاريخ/الجغرافيا” تلازم السارد وهو يجوب آفاق أوروبا شرقا وغربا، فبعد وصوله إلى “جبل طارق” يستحضر تاريخ الصراع بين الدول الأوروبية، ويقارنه بتاريخنا المغربي، نقرأ: “الجغرافيا تقول بأنها جزء من التراب الإسباني، والتاريخ والواقع يقولان بأنها تتبع للإنجليز، تماما مثل سبتة ومليلية الملتصقتين بالمغرب جغرافيا، والتابعتين لإسبانيا سياسيا. ما فعلته بنا إسبانيا تعرضت له تماما من دولة أقوى منها (المملكة المتحدة).” ص:228

         أما ثقافة الرحالة الجغرافية فحقيقة لا تخطئها العين، وهذا ما يتضح بشكل جلي واضح  خاصة في حديثه في الفصل الرابع “بلاد الجرمان” عن ألمانيا، وفي الفصل الخامس “بلاد الجبال والبحيرات” عن إيطاليا، )ص:195(، وعن سويسرا، )ص:207(، وفي الفصل السادس “الممالك الصغيرة العظمى” عن “جبل طارق بن زياد” (ص:228)، وعن إمارة أندورا )ص:232(، فقد سعى إلى رصد خصوصيات ومواصفات هذه الدول الطبوغرافية والطبيعية والبشرية والمناخية والاقتصادية…

         الثنائية الخامسة: الوصف/السرد

         تتفق الدراسات السردية في القول بأن “السرد عرض لحدث أو لمتوالية من الأحداث حقيقية أو خيالية، عرض بواسطة اللغة، وبصفة خاصة اللغة المكتوبة.”[3]، وهذا ما يعطي مشروعية إدراج هذا النص الرحلي ضمن حظيرة السرديات، سواء من حيث بناؤه الفني القائم على متوالية من الأحداث المرتبطة بأزمنة وأمكنة محددة، أو من حيث حمولته الفنية القائمة على ثنائية السرد والوصف، أو من حيث بنيته كمحاكاة لفعل تام له بداية ووسط ونهاية[4].

         يبدو التقاطع كبيرا بين هذا النص الرحلي والسيرة الذاتية، لما تتميز به الرحلة من ميل واضح إلى الكتابة البيوغرافية المهتمة برصد معطيات حياة السارد، وعرض لبعض تجاربه الحياتية التي شكلت جزءا من سيرته الواقعية، وهذا ما نجده حاضرا بقوة وبشكل ملفت للانتباه في كل فصول الرحلة في كل محطاتها ومواقفها، وفي كل صورها ومشاهدها، وفي كل حركاتها وسكناتها، فنجد ضمير المتكلم )الذي يتلون أحيانا بضمير المخاطب( حاضرا بقوة معلنا في كل حين أن كاتب هذه الرحلة هو ساردها وهو بطلها في الوقت نفسه، ويشمل الأمر كل فصول الرحلة بلا استثناء:

  • الفصل الأول: “البؤساء” …”بين أول زيارة لي إلى بلاد “البؤساء”، وكتابة هذه الأسطر عقدان من الزمان تقريبا..” )ص:25(
  • الفصل الثاني: “جيراننا” …”تشق الحافلة أو السيارة طريقها، وأنت تقرأ أسماء المدن في اللوحات الكبيرة المنتصبة على طول الطريق السيار…” ص:72
  • الفصل الثالث: “بلاد الألماس والأزهار”…”اقترح علي ابن أختي أن يصحبني في جولة بالسيارة في مدينة Tourcoing شمال فرنسا ذات مساء…” ص:127
  • الفصل الرابع: “بلاد الجرمان” … ” …ذهبت أول مرة إلى هناك تلبية لدعوة كريمة من أخي وصديقي الدكتور علي حنون رحمه الله…”ص:159_160
  • الفصل الخامس: “بلاد الجبال والبحيرات”… “كنا أربعة من الشباب على متن سيارة أودي قديمة في رحلة طويلة، بتنا في قرية سويسرية جميلة مطلة على بحيرة كبيرة…” ص:196
  • الفصل السادس: “الممالك الصغيرة العظمى” … “قطعنا حوالي 25 كيلومترا من ميناء الجزيرة الخضراء، لنصل إلى البوابة الرئيسية لجبل طارق، سألنا شرطي الحدود باللغة الإنجليزية عن المدة التي سنمكثها هناك …”ص:229

         وهكذا يكاد يلتبس علينا الأمر في السيرة إثر محاولة تحديد شخصية السارد في علاقتها بالبطل، وفي علاقتهما معا بشخصية الكاتب[5]، فيكتشف القارئ من خلال تتبعه أحداث ووقائع ومشاهد الرحلة أن “البطل يتقمص أكثر من شخصية، وينجز أكثر من دور، فينعكس ذلك على المادة المسرودة نفسها، لتلبس أكثر من ثوب وتضع أكثر من قناع.”[6]، فنجده في برنامج السردي يرتدي عباءة السياسي الذي يحلل الأوضاع السياسية ويناقشها ويقارن بين ما لدينا وما لديهم، وتارة أخرى عمامة الواعظ الرباني الذي يضع يده على مكامن النقص والخلل دون تشف ودون تجريح ولا خدش حياء، ويضع تارة قناع الأديب الفنان والناقد الحاذق القادر على محاورة النصوص وتذوقها والتفاعل معها، وتارة قميص السوسيولوجي الذي يرصد أزمات المجتمعات التي زارها ويسلط عليها أضواء كاشفة انطلاقا من مرجعيته الثقافية والفكرية، وتارة جبة المؤرخ الخبير بالأزمنة والأمكنة وتفاصيل الأحداث، وأخرى الجغرافي المحنك الذي يعرف تفاصيل البلدان والأقطار التي زارها…

         أما بخصوص علاقة السرد بالوصف، فالأكيد أن هناك الكثير من التداخل بينهما “فيما يمكن أن نسميه بالصورة السردية، وهي الصورة التي تعرض الأشياء متحركة.”[7]، ويعد أدب الرحلة المجال الأوسع الذي يحتل فيه خطاب الوصف موقعا محوريا. ففن الرحلة يضع عنصر الوصف ضمن أولى اهتماماته، ويجعله أساسا له ومرتكزا ضروريا في بنائه، لأن الرحالة حينما يسرد الأحداث والوقائع مصحوبة بوصف دقيق وتفصيلي للأمكنة والشخوص والمواقع المرتادة، فإنه في الحقيقة يسعى إلى نقل تجربته الشخصية المعيشة إلى المتلقي، ويستهدف إشراكه في الإحساس بآثارها ووقعها ومعاناتها. وكأنه يريد أن يقرب إليه عالم الرحلة بحمولته الجغرافية الواقعية وبكل تفاصيله وجزئياته المرجعية، حتى يتمثل المتلقي الفضاء، ويتمثل كل ما عاشه السارد وعاينه واهتم به[8]، وهذا ما يمكن الوقوف عليه بجلاء من خلال المقاطع الآتية:

         _وصف دقيق وجميل لسفينة “بلادي” التي استقلها من ميناء سيت جنوب فرنسا في اتجاه ميناء طنجة، “كانت تلك الباخرة عبارة عن مدينة عائمة، يقول تصميمها بأن بها سبعة طوابق …” )ص:30(

         _وصف مدينة باريز “عاصمة الأنوار” )ص:(34

         _نفس سردي ممتع، يسرد السارد في فقرة “خرائط التيه” أحداثا يومية عاشها في إسبانيا والبرتغال. )ص:78_79(

         _وصف دقيق لساحة قصر الحمراء “نافورة جميلة وسط مساحة خضراء غناء، أما بهو السباع الموجود بقسم خاص جدا من هذا القصر …” )ص:81(

         _وصف التطور التقني المذهل المنظم للفنادق السياحية في البرتغال. )ص:115_116(

         _وصف جميل لبرج التلفزيون العالي في ألمانيا، وهو أعلى برج بها والرابع أوروبيا، ويبلغ ارتفاعه 368 مترا.(ص:189)

         _وصف دقيق لمدينة فانتيميليا Ventimiglia  الإيطالية. (ص:195)

خلاصات واستنتاجات:

         في ختام هذه الجولة الماتعة في أرجاء هذه الرحلة الممتعة، لا أدعي أني سأخرج بخلاصات واستنتاجات، بل سأكتفي بتدوين جملة من الملاحظات الشديدة الصلة بأرجاء هذه الرحلة وبصاحبها:

1- معرفتي المسبقة بالمؤلف لحسن شعيب، الرجل الودود، الخلوق، الهادئ، البشوش باستمرار، المبتسم أبدا، الوديع بلا انقطاع، القادر على نسج علاقات اجتماعية وصداقات بكل يسر وسهولة، كانت من أكبر أسباب إقبالي على قراءة هذه النص الرحلي، والحقيقة أنني لمست كل هذه الشمائل وكل هذه الصفات بكل صدق وبكل شفافية وأنا أقلب مرارا صفحات هذا الكتاب، وهذا ما جعلني أستحضر مقالة “بوفون” والتي مفادها أن “الأسلوب هو الرجل” وهذا يعني أنك ترى روح الإنسان ودمه في خصائص كتاباته، فالكاتب الذي لا تبدو في أسلوب كتاباته الملامح الدقيقة في حياته، _ليس بمعناها الشكلي_ بل بمعنى طريقة التفكير وطريقة النظر إلى الأشياء، فهذا الكاتب إنما هو كاتب مزيف. إن الأسلوب _بهذا المعنى_ هو الطريقة التي يشكل بها المبدع ذاته في عمله الأدبي تشكيلا فكريا وعاطفيا ونفسيا، وهذا ما يجعل لكل مبدع طابعه الخاص الذي يميزه، فتكون له بصمته الدالة عليه في أسلوبه، تعكس طريقة تفكيره وتعبيره وتصويره.

2- لا أدعي أن الثنائيات التي وظفتها لقراءة هذا الكتاب كافية لإنارة كل جوانبه وخباياه، بل أقر أن ثمة ثنائيات أخر كثيرة يمكن توظيفها لتحقيق هذا الهدف، منها: دار الإسلام/دار الدعوة، العدل/الإحسان، عين الإعجاب/عين الاحتقار، عين الرحمة/عين التشفي، الماضي/الحاضر، المحلي/العالمي، عين النحلة/عبن الذبابة… ولا غرابة في ذلك فقد وُفِّقَ الكاتب في الجمع بين بساطة وسلاسة الأسلوب وبين عمق الأفكار وقوتها، كما وُفِّقَ في الجمع بين جمال التصميم والتعبير وجلال القيم والمواقف والمبادئ …

3- ينتقل بك السارد من زهرة إلى أخرى، ومن شجرة إلى أخرى، ويجعلك تستمتع بهذه الحديقة الغناء التي تذكرنا بكتب التراث العربي التي جمعت بين كل أصناف العلوم والفنون: التاريخ، الجغرافيا، الشعر، الفقه، الأمثال والحكم…وقد أثبت الكاتب بذلك انخراطه في خانة “مدوني الرحلة” الذين “يتميزون بمؤهلات عقلية هائلة وبقدرات ثقافية فائقة، تساعدهم في وصف المسالك والعمران، وتمكنهم من تتبع طبائع الناس وعاداتهم وأنماط عيشهم. كما يتصفون بدقة الملاحظة وباعتماد التدقيق في رصد الظواهر الاجتماعية والأنشطة الثقافية، وذلك بالتركيز على أدق التفاصيل وأصغر الجزئيات، وتحري الصدق والتزام النقل الأمين للواقع في أغلب الأحيان.”[9] ، والواقع أن ثقافة الرجل المتنوعة والنابعة من تكوينه الأكاديمي الخصب كانت من أهم  أسباب نجاحه في تدوين رحلاته إلى أوروبا بكل هذا العمق، وبكل هذه البساطة والجاذبية، إضافة إلى عامل مهم آخر أشار إليه في أكثر من مقام، يتمثل أساسا في امتلاكه لأكثر من لغة، ومن الأقوال التي استشهد بها في هذا السياق، قولة لفرانك سميث: “لغة واحدة تحدد لك ممرا في الحياة، أما لغتان فتفتحان كل باب على طول الطريق.” ص:84، وحكمة تركية تنص على أن “الشخص الذي يتحدث لغة واحدة فقط هو شخص واحد، ولكن الشخص الذي يتحدث لغتين هو شخصان.” ص85، وقولة للزعيم الجنوب أفريقي نيلسون مانديلا: “إذا حدثت إنسانا بلغة يفهمها، فأنت تخاطب عقله، لكن إذا حدثته بلغة الأم، فإنك تخاطب قلبه.” ص:134.

4- من أجمل ما ميز هذا الكتاب قدرة صاحبه على الجمع بين المتعة والفائدة، فبينما أنت تشارك الرحالة استمتاعه بمختلف المشاهد والصور والمناظر التي يشاهدها، وبمختلف الأحداث والطرائف التي تجعلك تضحك بملء الفم، يفاجئك بجملة من الفوائد التي تخاطب عقلك، وتدفعك دفعا إلى تنبي مواقف إيجابية من الحياة، فمن الطرائف والمضحكات، تلك الحادثة الطريفة التي وقعت على باخرة “بلادي”: “إذا كنت على وضوء، فقم لنصلي معا. فما كان من صاحبه إلا أن سبه وسب دينه وملته، وقال له: “تسألني إن كنت متوضئا، ولا تسألني إن كنت جائعا…” ص:46، ومن الحكم والعبر التي استخلصها الرحالة من خلال جملة المواقف التي عاشها، ومن خلال المشاهد والصور التي كان طرفا فيها أو شاهدا عليها، نورد ما يلي:

         _يتحدث السارد عن تجربة رجل اسمه “خوستو كاييكو مارتينيز” الذي نذر حياته لبناء بيت للرب، يعلق الرحالة على هذا المشروع قائلا: “مشروع خوستو مهم، لكن بناء الإنسان لا يقل أهمية، وفي الأثر: “لقمة في بطن جائع خير من بناء ألف جامع.” ص:90

         _عند زيارته متحف الشمع “مدام توسو” الذي يضم عددا كبيرا من الشخصيات المؤثرة علميا وفكريا وسياسيا ورياضيا في العالم، يخرج بخلاصة مفادها “أنه على الإنسان ألا يكون عاديا، عليه أن يفعل في حياته شيئا، يستحق به أن يبقى له ذكر بعد موته…” ص:147

5- أخيرا لا أملك إلا أن أهمس في أذن مؤلف هذا الكتاب، قائلا: إن هذا النص الرحلي يستحق طباعة أفضل بكثير من هذه الطباعة، وإخراجا فنيا أجمل وأنسب وأليق، الآن وقد أنهيت تدبيج هذه الصفحات التي استغرقت مني أوقاتا طويلة، أتأمل كتاب “في مناكبها …” وقد تحول إلى ركام من الأوراق يصعب علي جمعها مجددا، بله الاحتفاظ بها ليقرأها أبنائي ويستفيدوا منها … إن كان من مؤاخذة أسجلها على المؤلف فتكمن في أنه لم يعر مسألة  التصفيف والإخراج الفني ما تستحقه من اهتمام، رغم أهميتها القصوى التي لا تخفى على أحد… لذلك أطلب منه أن ينتبه إلى هذا الأمر مستقبلا وأن يحرص على حسن اختيار المطبعة _وما أكثر المطابع الرائدة في هذا المجال_ قبل إصدار كتابه القادم : “الطريق إلى البلقان”…


[1] (من النص إلى العنوان)/محمد بو عزة/ضمن: (علامات في النقد)/ ج 35/مج:1/ 2004 م/ص:408.

[2] _ (الخطاب المقدماتي)/عبد الواحد بن ياسر/ ضمن: (علامات في النقد)/ ج 47/مج:12/2003 م/ص:626 .

[3]جيرار جينيت، )حدود السرد(، مجلة آفاق، ص:55 .

[4]محمد شداد الحراق، )كتب الرحلة بين الهوية الإثنوغرافية والحساسية الأدبية، قراءة في كتاب “الرياحية الودرية في الرحلة المراكشية” لمحمد المكي الناصري الدرعي ت بعد 1184هـ(،سليكي أخوين_طنجة، الطبعة: ماي 2023م، ص: 80.

[5]كتب الرحلة بين الهوية الإثنوغرافية والحساسية الأدبية، قراءة في كتاب “الرياحية الودرية في الرحلة المراكشية” لمحمد المكي الناصري الدرعي ت بعد 1184هـ(، ص: 84.

[6]المرجع نفسه(، ص:86.

[7]سيزا قاسم، )بناء الرواية(، مهرجان القراءة للجميع، مكتبة الأسرة، القاهرة، د ط، 2004.

[8]، )كتب الرحلة بين الهوية الإثنوغرافية والحساسية الأدبية، قراءة في كتاب “الرياحية الودرية في الرحلة المراكشية” لمحمد المكي الناصري الدرعي ت بعد 1184هـ(، ص: 92.

[9]كتب الرحلة بين الهوية الإثنوغرافية والحساسية الأدبية، قراءة في كتاب “الرياحية الودرية في الرحلة المراكشية” لمحمد المكي الناصري الدرعي ت بعد 1184هـ(، ص: 4.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.