علمت نفس ما أحضرت
بقلم: د. محمد السقا عيد
جاءت الآيات قبل هذه الخاتمة لتصوّر أهوال يوم القيامة في اثني عشر مشهداً متتابعاً، تنفطر لها القلوب، حيث ينهار النظام الكوني الذي اعتاده الإنسان. وهذا التصوير يترك أثراً نفسياً بالغاً، إذ يوقظ القلوب من الغفلة، ويزرع الشعور بالرهبة والخوف من يوم عظيم تتغير فيه كل المقاييس. أما هذه الآية فهي جواب الشرط لجميع المشاهد العظيمة التي سبقتها في سورة التكوير. والمعنى أن كل نفس، دون استثناء، تعلم يوم القيامة ما قدّمته في الدنيا من خير أو شر، وتراه حاضراً أمامها رؤية اليقين، كما ورد في التفاسير الميسرة والجلالين والسعدي. وقد أُسند الإحضار إلى النفس لأنها هي المباشِرة للأعمال، ولأن الجزاء يكون مطابقاً لما قدّمته، فيتحقق العدل الإلهي الكامل في ذلك اليوم.
المسؤولية الفردية في ضوء الآية
تقرر هذه الآية الكريمة مبدأ المسؤولية الفردية المطلقة، وهو من أعظم المبادئ التي يقوم عليها العدل الإلهي، إذ لا يُسأل الإنسان يوم القيامة إلا عن عمله، ولا يحمل أحد وزر غيره، ولا تنفعه قرابة ولا جاه ولا شفاعة إلا بإذن الله. فكل نفس تقف وحدها أمام سجل أعمالها، وقد زالت عنها كل أعذار الدنيا وتبريراتها، فلا مجال للإنكار ولا للتأويل، لأن الأعمال تُعرض كما هي، ويعلم الإنسان حقيقتها علماً يقينياً لا شك فيه.
ومن الناحية النفسية والتربوية، يغرس هذا المبدأ في الإنسان شعوراً عميقاً بالمسؤولية، ويحرره من الاتكالية وإلقاء اللوم على الظروف أو الآخرين، فيدرك أن صلاحه أو فساده مرهون بخياراته وسلوكه. كما يدفعه ذلك إلى محاسبة نفسه في الدنيا قبل أن يُحاسَب في الآخرة، فيراجع أقواله وأفعاله ونواياه، ويزنها بميزان الشرع، لأن استحضار هذا الموقف العظيم يكوّن رقابة ذاتية دائمة، تجعله أكثر التزاماً بالطاعة، وأبعد عن المعصية، مدركاً أن كل عمل مهما صغر محفوظ ومحسوب.
كما تدعو الآية إلى الاستعداد ليوم القيامة بالعمل الصالح والتوبة الصادقة، لأن الإنسان في ذلك اليوم لا يملك تغيير شيء مما أحضر، فإما أن يفرح بعمله أو يندم عليه، ولذلك كان من الحكمة أن يحاسب الإنسان نفسه في الدنيا قبل أن يُحاسَب في الآخرة.
إسقاط المعنى على واقع الإنسان المعاصر
وفي واقع الإنسان المعاصر، حيث تسارعت وتيرة الحياة، وتكاثرت المغريات، وتنوعت وسائل الغفلة والانشغال بالدنيا، تبرز أهمية هذه الآية كتوجيه عملي يعيد للإنسان وعيه بذاته ومصيره. فكثير من الناس اليوم يبررون أخطاءهم بضغوط الواقع أو فساد المجتمع أو ضعف القدوة، غير أن هذه الآية تقطع الطريق على تلك الأعذار، وتؤكد أن كل إنسان مسؤول عن اختياراته، وأنه سيقف فرداً بين يدي الله ليُسأل عما قدّم.
كما تدعو الآية الإنسان المعاصر إلى إعادة ترتيب أولوياته، فلا ينشغل بالمظاهر والمكاسب الزائلة على حساب القيم والعمل الصالح، لأن ما يزرعه اليوم سيحصده غداً. وهي تذكير دائم بأن النجاح الحقيقي لا يقاس بما يملكه الإنسان في الدنيا، بل بما يُحضره معه للآخرة من إيمان صادق وعمل صالح، وأن النجاة لا تكون إلا بمراقبة النفس، والرجوع إلى الله، والاستعداد ليوم تُعرض فيه الأعمال ولا يبقى إلا وجه الله الكريم.
وبذلك يتضح أن قوله تعالى﴿علمت نفس ما أحضرت﴾ ليس مجرد خبر عن الآخرة، بل قاعدة إصلاح شاملة تبني الضمير، وتقوم السلوك، وتعيد للإنسان وعيه بمسؤوليته في الدنيا ومآله في الآخرة.