منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ترانيم القدس وبابل والشام (قصيدة)

أبو علي الصُّبَيْح

0

ترانيم القدس وبابل والشام (قصيدة)

أبو علي الصُّبَيْح

سَرَيْتُ وجُرحُ الليلِ في وجنتَيَّهِ
يُقاسِمُني وَهْجاً، ويُغرقُ بالبَرقِ

ومَدَّ شُعاعُ الصبْحِ كفًّا خجولةً
تُلَمْلِمُ من صمتِ اللياليَّ ما شقْقْ

وألقيتُ في أذنِ الفضاءِ قصيدةً
تكادُ إذا هزّتْ خلاياهُ تنطِقْ

وعرّجتُ نحو القدسِ والريحُ حولَها
تُباركُ ذاك المجدَ، والمجدُ يُعتقْ

فقدسُ المراقي، قدسُ بابِ العنايةِ
إذا ضلّ ظمآنٌ عليها تَدفُّقْ

وما زلزلتْ ريحٌ جنابَ ترابِها
إلّا وعلَّمَنا الثباتَ ويدفَقْ

ترابٌ إذا لاقاهُ حرٌّ تبدّلتْ
خرائطُ دهرٍ كانَ بالأمسِ يُمزَقْ

وفي قُبّةِ الإسراءِ نورٌ مسافرٌ
تشيّعهُ الأملاكُ والسرُّ مطبَقْ

وما هتفَ التاريخُ إلّا روى لها
بأنّ على أبوابِها الفجرُ يُطرَقْ

وتبقى على جَفْنِ المَهابةِ سيدةً
إذا جارتِ الأيامُ فهي المُصدَّقْ

**

ومِلْتُ إلى بابلٍ… فاشتعلَ الفضا
وأوقدَ تاريخُ الحضاراتِ حَدَقْ

تُسائلني عشتارُ: هل عاد فارسٌ
يُعيدُ إلى الرافدينِ وجوهًا تُشنَّقْ؟

فقلتُ: أنا ابنُ النخوةِ العُربِ كلِّهم
ومن لفحِ أبوابِ الملاحمِ أرمَقْ

هنا الطينُ يحكي، والمرايا قديمةٌ
وفي طينِها سرُّ العصورِ مُعلَّقْ

سقَتْها السنونُ الغُبْرُ حربًا وسِلْمَةً
فصارتْ إذا نادى المُنى تُستنْفَقْ

وهذي أروكُ العظمى تعودُ كأنّها
تُصَفِّقُ فوق الراحتينِ وتَخْفِقْ

وتُخرجُ من جوفِ الفراتِ شموخَهُ
إذا مسّه ليلٌ من القهرِ يُرهَقْ

فيا بابلُ الأمجادُ قومي فإنّنا
نُعيدُ على نبعِ المفاخرِ ما ينقِقْ

وما هتفَ التاريخُ إلّا شهِدتِهِ
يُطاولُ بالأمجادِ بابًا مُزخرَقْ

ويا وطني المسحوحُ في طينِ نخوةٍ
نعيدُ على أبوابِكِ الدهرَ يُنطَقْ

**

وثمّ انثنيتُ إلى الشامِ التي
إذا ابتسمتْ يمّمتْ للكونِ أشرقْ

دمشقُ التي علّمتْ رملَ الزمانِ
بأنّ على جفنِ المروءةِ مُغْدِقْ

إذا ارتفعَ القاسيونُ ظلّت جباهُنا
تُبايعهُ فخرًا، وتُنشدُهُ رِفْقْ

وفي بردى نبعٌ يثورُ ببهجةٍ
إذا ضحكتْ في مائهِ الريحُ تَرقُقْ

دمشقُ… وهل فوقَ الدنا من شبيهها؟
إذا غابَ نجمٌ فهيَ في الأفقِ أصدَقْ

تُحدّثُ تاريخًا وتُنشِدُ نخوةً
وتمنحُ بالأحلامِ ما ليس يُسرَقْ

وفي حضنِها ياسمُ الشامِ ناضرٌ
كأنّ على أعطافهِ الفجرُ يرفَقْ

وتجمعُ من سحرِ العصورِ حدائقًا
إذا ضاقَ صدرُ الناسِ فهي تُشفّقْ

**

ثلاثُ مدائنَ لا يُذلّ جوارُها
إذا حنَّ دهرٌ نحوَ ظلمٍ وأزهَقْ

قدسٌ وبابلُ والشآمُ، ثلاثُها
تُعيدُ على كتفِ المقاديرِ خَلْقْ

ويا وطني الممدودُ فوق عروقِنا
نراكَ وإن غِبْنا، ويَفْنَى مَنِ افترَقْ

ويا أمّةً ما زلتِ تُنبتُ نخوةً
كأنّ على ساقِ البطولةِ أُغدِقْ

تُخرِجينَ من جرحِ الليالي صبْحَهُ
وتنسجينَ من الصبرِ ما ليسَ يُسْبَقْ

وتبقينَ في صدرِ الزمانِ منارةً
إذا ضجّ ليلٌ من عناكِ تَحَرّقْ

**

وإني إذا سارتْ بيَ الريحُ نحوكم
تساقطَ فوق الروحِ قمحٌ وأعبَقْ

فأُقسمُ ما ضلّتْ خطايَ بموطنٍ
ولا خانتِ الأهواءُ قلبًا يُعَلَّقْ

فيا من بنوا المجدَ القديمَ فإنّني
أردّدُ ما قد فاضَ منكم وأُسبِقْ

وأكتبُ فوق الليلِ مجدًا صقيلَها
إذا نامَتِ الأكوانُ لا يتفرّقْ

بلادي… وإن ضاقتْ بنا كلُّ وجهةٍ
فأنتِ التي في راحتيها نُشَرّقْ

أُرتّلُ في كفّ القصيدةِ نخوةً
تُعيدُ على هاماتِنا نورًا يُدفَقْ

وتبقينَ، مهما ضاعَ رَكبٌ ورُدِّدَتْ
خطى الحزنِ، أنتِ الصبحُ في العينِ يُطبَقْ

وما مرّ يومٌ دونَ أن أستنيرَهُ
بوجهِ بلادي حينَ يَخْفُتُ مَن خَلَقْ

وهذي خيوطُ الشمسِ فوق جبينِها
تُفتّقُ في صدري حنينًا يُعبِقْ

وما زال في القدسِ اغتباطٌ مُقدَّسٌ
وفي الشامِ عطرٌ للمروءةِ يُرفَقْ

وفي بابلٍ سحرٌ قديمٌ معلَّقٌ
يُحَرّكُ هذا العصرَ حتى يُصفَّقْ

**

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.