منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الإنسان سلوك وأفكار

الإنسان سلوك وأفكار / د. حسن محمد أحمد محمد

0

الإنسان سلوك وأفكار

د. حسن محمد أحمد محمد

كاتب وباحث أكاديمي (السودان)

لقد أولى الإنسان جل اهتماماته للجسد واعتنى بالصورة والقوام الجسدي، أو لنقل أنه ركّز اهتمامه، بشدة، على كتلة اللحم التي يحملها هيكله العظمي، فهو يعتني، بشكل واضح، بنظافته الشخصية وبأزيائه ويهتم بتصفيف شعره وتهذيب لحيته العناية بشاربه وأظافره، بالإضافة إلى االصحة والعلاج العضوي، والتغذية والرياضة، ..، وفي هذا دلالة واضحة على أن الجسد قد شغل مركز دائرة الإختصاص وأنه قد استحوذ على النصيب الأبرز والأكبر من العناية والرعاية والاهتمام أكثر من الجوانب، المخفية، الأخرى.

ولا يقف ذلك الهوس الجسدي الزائد بالجسم، عند حد الأفراد، إناثًا وذكورا، بل ينطبق ذات الوضع، الهوسي، على النسيج الاجتماعي ككل، بدءًا من الأسرة وانتهاءً بالمجتمع الدولي بكامله، الذي بدأ تركيزه على الجسد، منذ وقت مبكر، بتدوين وتسجيل البيانات الشخصية لكل فرد في المجتمع، ومع ظهور التصوير الضوئي 1826م، بدأت فكرة تحديد ملامح الشخصية التي تحمل صورة الوجه بالإضافة إلى البيانات الشخصية المتعلقة بالفرد، وبناءًا عليه تمكنت السلطات من اصدار الأوراق الثبوتية التي تبين هوية كل فرد: الجنسية، البطاقة الشخصية الجوازات، وبصمات الأصابع ..، وجميعها ترتكز على البنية أو الصورة الجسدية للإنسان.

وقد أسهم التطور التكنولوجي والطفرة التقنية، التي عمت كوكب الأرض وما جاوره؛ أسهمت في ظهور أنواع جديدة ومتطور للتعرف على الهوية والكشف عن الشخصية: كبصمة العين، والبصمة الوراثية (D.N.A)، وبرامج التعرف على الوجوه، والأوراق الثبوبتة الإلكترونية، ..، ونجد ذات التركيز الجسدي في مختلف مجالات الحياة الإنسانية: الطبية، الهندسية، السياسية، الاقتصادية، الدينية، الرياضية، العملية، الأزياء، ..

ومن الواضح أن الإنسانية قد حققت أكثر مما كان يطمح إليه الإنسان وأنها قد اقتربت من حدود العقل البشري بما أنجزته من القفزات الواسعة في مضمار التقانة والتقنية العلمية ..، إلا أنها، برغم ذلك، لم تبرح دائرة الكتلة الجسدية ولم تحد عنها قيد أنملة؛ وبذلك تكون قد تمحورت حول المظهر وأهملت وتجاهلت الجوهر، وهو صاحب الفضل الأول في تحقيق وإنجاز تلكم القفزات الإنسانية المبهرة، والجوهرة الأساسية في تكوين وبناء الإنسان. والمقصود بالجانب المهمل من الإنسان تلك الجوانب غير المنظورة أو التي لا ترى بالعين الحسية ولكنها، مع ذلك، تحس وتلمس من خلال التفكير والأنشطة العقلية وتشاهد في النشاط السلوكي وتتجلى في الأنفاس الروحية التي يتنفسها الإنسان ويتنسنها كل كائن حي، والتي تمثل الطاقة الحيوية المحركة لذلك الهيكل وما ينوء بحمله من كتلة اللحم  والشحم. يقول الشاعر الأعور الشني:

ألم تر مفتاحَ الفؤاد لسانه * إذا هو أبدى ما يقول من الفمِ

وكائن ترى من صامت لك معجب * زيادته أو نقصه في التكلمِ

لسان الفتى نصف ونصف فؤاده * فلم يسبق إلاّ صورة اللحم والدّمِ

كذلك؛ تقول الحكمة العربية القديمة “المرء بأصغريه لسانه وقلبه”، قال أحد الفلاسفة، ولعله أفلاطون، لرجل، في مجلسه: “تكلم حتى نعرفك”، وقال كفيف لرجل: “تكلم حتى أراك”، فاللسان هو الآلة والوسيلة التعبيرية لما يحمله كل إنسان في دواخله الثلاثة، النفس والروح والعقل، والتي لا يمكننا الاستدلال عليها إلا من خلال السلوك (الأفعال) الصادر عن الشخصية، وبالتالي يمكن تقويمها، أي تعديل السلوك المعوج في تلك الشخصية، أو تقويمها، بمعنى آخر، أي الحكم على سلوك الشخصية بأنه سلوك مقبول أو مرفوض، وتتدخل في ذلك التقويم العديد من العوامل أو ما يمكن أن يسمى بالمعايير: كالقيم الأخلاقية والسلوك الاجتماعي، الأخلاق الدينية، الأهداف التربوية للمنظومة السياسية، القوانين الوضعية ..، وغير ذلك من الأسس والمعايير التقويمية التي تشكل مجموعة أفكار الفرد وسلوكياته المرتبطة بها، والتي محصلتها بناء الأنا لدى كل فرد كمكون، رئيس، للشخصية ومعبر عن مهوم النظرة التبادلية بين الفرد المجتمع، وكلذلك بين الفرد وبين نفسه ويرى العقاد أن في داخل كل شخص شخصيات ثلاثة:

  • الأولى: الإنسان كما خلقه الله (إنسان مجرد).
  • الثانية: الإنسان كما يراه الآخرون (وجهة نظر المجتمع).
  • الثالثة: الإنسان كما يرى نفسه (التقويم الذاتي).

وتتصارع جميع تلكم الشخصيات، داخل الفرد، من أجل تحقيقها ذاتيتها واثبات وجودها:

الشخصية الأولى:

وهي شخصية مجردة ومزودة بكل آليات البقاء والعيش في هذه الحياة الدنيوية إلى أن تفارقها بالموت الذي هو غاية كل حي.

الشخصية الثانية:

هي تلك الشخصية الظاهرة والتي يمكن أن نسميها بالشخصية الاجتماعية التي يتقمصها ويعيش في سراديبها، الإنسان، بحكم التربية والتنشئة أو التطبيع الاجتماعي، وفي الغالب هي التي تفوز وتحقق وجودها على حساب الشخصيتين الأخريين.

الشخصية الثالثة:

وهي التي يمكن أن نطلق عليها الشخصية الخفية، وهي أشبه بالشخصية الاجتماعية، أو يمكن القول بأنها انطباعية، وهي الشخصية، المنمقة والزاهية، التي يهتم كل فرد بأن يطبعها هو في أذهان الآخرين ويرسخها في مفاهيمهم عنه.

الشخصية الرابع:

وهي شخصية نضيفها إلى تلكم الشخصيات، السابقة، وهي الشخصية التي يتمناها الفرد ويريد أن يكونها، فهي تتجسد في طموحاته وأحلامه وآماله الواسعة .. وهي التي تداعب خيالات الفرد ويعيش معها في صحوه وأحلامه، ولكنها، في الغالب، تموت في مهدها لأنها لا تجد الرعاية والعناية كالشخصية االاجتماعية التي تتقوى بسلطة المجتمع بينما تظل الرابعة قابعة في الأعماق بسبب القهر والخوف من السؤال والرهبة من التفكير في الوجود الحق، ولا تلبث تلك الشخصية الإبداعية الخلاقة أن تصبح جثة هامدة وتموت، إلا في القليل النادر من العظماء الذين دونوا وسجلوا بصماتهم الخالدة في شتى مجالات الفكر والإبداع الإنساني، فكانوا في حياتهم ملء السمع والبصر، ولكنهم، برغم موتهم، ظلوا أحياء خالدين في ذاكرة الإنسانية تتداولهم الألسن والأقلام ..، أولئك هم الذين لم ترهبهم السلطة بقوتها وجبروتها ولم تتمكن من أن تقمع أفكارهم النيرة، سواء أن اتفقنا أو اختلفنا معهم.

ونخلص، مما سبق، إلى أن الإنسان، أنت وأنا وغيرنا، ليست عبارة عن مجموعة خلايا نبت منها النسيج الجسدي الذي سيعود، بعد النمو والزيادة، إلى الإنكماش والاطمحلال:

اَ۬للَّهُ اُ۬لذِے خَلَقَكُم مِّن ضُعْفٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعْدِ ضُعْفٖ قُوَّةٗ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعْدِ قُوَّةٖ ضُعْفاٗ وَشَيْبَةٗۖ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُۖ وَهُوَ اَ۬لْعَلِيمُ اُ۬لْقَدِيرُۖ الروم: ٥٤.

وكذلك، فالإنسان ليست صورة أو مجرد شكل ولا بصمات، سواء أكانت جينية وراثية أو بصمات الأصابع والعيون والأصوات .. وغيرها، ولكن الإنسان هو مجموعة الأنشطة السلوكية، الإرادية، المستمدة من الأفكار الداخلية، والأفكار، التي يحملها ويتبناها الشخص، هي أشبه شئ بالمرآة المصقولة بشكل ممتاز، والعاكسة لما يجري بداخل الشخص إلى خارجه، وينعكس ذلك التفاعل الداخلي في شكل أفعال مختلفة ونشاطات متنوعة يقوم بها المرء، بصورة إرادية أو لا إرادية، فتعبر عن مكنون شخصيته الحقيقية، والتي يمكن التعبير عنها بمعادلة على النحو التالي:

(الإنسان= الأفكار+ السلوك) أو (الأفكار+ السلوك = الإنسان)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.