كيف تفكر الأمعاء؟
الدماغ الثاني للانسان
د. محمد السقا عيد
يعتبر الكثير من الناس أن البطن هي مكان الأمعاء وبعض الأعضاء المسؤولة عن العمليات الحيوية والمعدة والقولون وعملية الهضم، ولا يعرفون أن البطن هي العقل الثاني للإنسان لتواجد كمية كبيرة جداً من الأعصاب فيه، لذلك الإحساس بالخوف أو الألم العاطفي يجعلك تشعر بألم في بطنك. وتضمن أعضاء البطن المجوفة كلاً من المعدة والأمعاء الدقيقة والقولون بالإضافة إلى الزائدة المتصلة به، وأيضاً الكبد والمرارة والبنكرياس.
تحتوي الأمعاء على ملايين الخلايا العصبية، ولهذا السبب أصبح يطلق عليها «الدماغ الثاني». ويؤدي جهازنا الهضمي وظائف كثيرة تتعدى حدود الطعام الذي نأكله، كما يمكن أن تؤثر أعداد الميكروبات التي تعيش فيه على صحتنا. ويبحث العلماء فيما إذا كان تحسين صحة القناة الهضمية يسهم في تحسين الجهاز المناعي ومعالجة الاضطرابات التي تؤثر في الصحة النفسية.
جهاز عصبي مستقل
يمكن للأمعاء أن تعمل في أجسامنا من تلقاء نفسها، وبشكل مختلف عن أي عضو آخر في الجسم. وتقول الدكتورة ميغان روسي، أخصائية التغذية وصاحبة كتاب «صحة الأمعاء»: تتمتع الأمعاء باستقلالية في اتخاذ قراراتها الخاصة ولا تحتاج إلى المخ كي يخبرها بما يجب أن تفعله. ويُطلق على هذا «العقل المستقل» للأمعاء اسم الجهاز العصبي المعوي، وهو جزء في الجهاز العصبي المركزي مسؤول فقط عن السلوك المعوي. يشبه شبكة من الخلايا العصبية التي تبطن المعدة والجهاز الهضمي، ويتواصل عادة مع الجهاز العصبي المركزي عبر العصب السمبثاوي والعصب شبه السمبثاوي.
تعيش في الأمعاء تريليونات من البكتيريا التي تساعدنا في هضم الطعام، كما توجد فيها سبعون في المائة من خلايا المناعة. وتؤكد روسي أن هذه الحقيقة تجعل من صحة القناة الهضمية أمراً بالغ الأهمية لتعزيز المناعة ضد الأمراض، إذ تشير البحوث الحديثة إلى أن مشاكل الجهاز الهضمي تزيد من احتمال الإصابة بأمراض شائعة مثل الأنفلونزا.
خطوط الاتصال بين الدماغ والأمعاء
قد يبدو أن الجهاز العصبي المعوي يعمل باستقلال عن الدماغ، لكن الحقيقة أن هناك خطوط اتصال مفتوحة دائماً بين هذين المركزين العصبيين. فعلى سبيل المثال، يساهم الجهاز العصبي المعوي في تنظيم الهرمونات التي تخبر الدماغ متى تحتاج إلى الطعام وكم يجب أن تأكل. وترسل الخلايا العصبية في هذا الجهاز إشارات إلى الدماغ لتُعلمه بالشبع أو لتسبّب شعوراً بالغثيان إذا أكلت فوق طاقتك. ومن الأمثلة الأخرى الشعور بانكماش المعدة أثناء التوتر، فقد يعود سببه إلى أن الجهاز العصبي المعوي يسحب الدم بعيداً عن المعدة حين يمر الدماغ بحالة ضغط أو إجهاد، مما يسبب الغثيان أحياناً. ويقول الخبراء إن هذا الاتصال بين الدماغ والأمعاء قد يكون أيضاً وراء ما نسميه “الإحساس الداخلي” الذي نشعر به تجاه فكرة أو قرار معيّن.
صحيح أن الجهاز العصبي المعوي يولّد هذا الإحساس الداخلي، لكنه لا يفكر أو يوجه قراراتنا، فهو ليس دماغاً كاملاً، ومع ذلك يقف العلماء مبهورين أمام تعقيد هذا الجهاز الرائع.
الدماغ الثاني في أعماق أحشائنا
في أعماق أحشائك، يقبع جهاز عصبي كامل يحتوي على خلايا عصبية أكثر من تلك الموجودة في الحبل الشوكي، بل وأكثر من الخلايا في بقية الجهاز العصبي الطرفي، إذ تضم الأمعاء الدقيقة وحدها أكثر من مئة مليون خلية عصبية. وقد كان يُعتقد سابقاً أنه مجرد تجمع بسيط من العقد العصبية، لكن اليوم يُعرف الجهاز العصبي المعوي بأنه دماغ ثانٍ مستقل بذاته.
ومن الناحية التركيبية والكيميائية، يعد الجهاز العصبي المعوي دماغاً حقيقياً، فبين تلافيف الأمعاء التي يبلغ طولها عدة أمتار تقبع شبكة معقدة من الخلايا العصبية تتحكم في أنشطتها نواقل عصبية ومعدّلات كيميائية أكثر بكثير مما يوجد في أي مكان آخر من الجهاز العصبي الطرفي. وقد سمح ذلك لعلماء الأعصاب بدراسة تطور الخلايا العصبية والسلوك المنعكس في المختبر، مما أدى إلى ظهور فرع علمي جديد هو طب أعصاب الجهاز الهضمي.
الأمعاء الدقيقة ووظائفها الحيوية
تُعد الأمعاء الدقيقة جزءاً أساسياً في إكمال وظائف الجسم، إذ تعتبر السبيل الوحيد لمجرى الفضلات، وهي أنبوبة ملتفة تبدأ من مخرج المعدة وتنتهي عند بداية الأمعاء الغليظة بطول يقارب ستة أمتار. تحتوي على انثناءات دقيقة تزيد من سطحها الداخلي، وبالتالي تزيد من امتصاص المواد الغذائية التي تُنقل إلى الدم ثم إلى خلايا الجسم.
أكثر من دماغ

أكد فريق من العلماء بقيادة البروفيسور ميشيل غيرشون من جامعة كولومبيا الأمريكية أن للإنسان أكثر من دماغ، وأن المخ الحقيقي الذي يتحكم في طريقة تفكيرنا وعدد من قراراتنا وله أثر في أمراضنا النفسية لا يوجد في الرأس، بل في الأمعاء تحديداً.
وأشار الفريق إلى أن المخ في الرأس هو المخ الثاني، أما الأول فهو في تعرّجات الأمعاء التي تحتوي على خمسمائة مليون خلية عصبية، تساوي في عددها وترابطها دماغ القط أو الكلب.
ويُطلق العلماء على هذا النظام اسم الجهاز العصبي المعوي، بينما يُطلق على الدماغ في الرأس الجهاز العصبي المركزي.
وترى دراسات عديدة أن كلا المخين يؤثران على بعضهما بشكل مستمر، بل إن طريقة عملهما متشابهة جداً، إذ يستخدمان الشبكات العصبية نفسها والناقلات العصبية ذاتها. أما البروفيسور ميشيل نويله من جامعة نيس الفرنسية، فيشير إلى أن المخ الأول هو الجهاز المعوي المركزي، حيث نشأت الخلايا العصبية أولاً مع تطور الكائنات الحية وكان تناول الطعام هو الأساس في حياتها.
المخ الثالث
يذهب العلماء أبعد من ذلك ويتحدثون عن مخ ثالث، هو مئات المليارات من البكتيريا التي تعيش في مستعمرات داخل أمعائنا. وبعكس ما يظن كثيرون، هناك نحو ألف نوع من البكتيريا الصالحة التي تؤثر في حياتنا وصحتنا. ويشير الباحثون إلى أن هذه البكتيريا لا تساعد فقط في الهضم، بل تؤثر في سلوكنا وقراراتنا ومزاجنا، حتى في مدى العصبية أو التحفظ في السلوك.
ويُعد هذا المجتمع الميكروبي أكبر تجمع للكائنات الحية على وجه الأرض، وعددها يبلغ مئة ضعف عدد خلايا الجسم البشري.
تشير الاكتشافات الحديثة إلى أن هذه الكائنات الحية الدقيقة تلعب دوراً أساسياً في الاتصال بين القناة الهضمية والدماغ، وهو ما يسمى اليوم بـ محور الميكروبات والأمعاء والدماغ.
تنتج الأمعاء بمساعدة هذه الميكروبات طيفاً واسعاً من المواد الكيميائية التي تؤثر في المزاج والإدراك والتواصل العصبي، فحوالي تسعين في المائة من مادة السيروتونين في الجسم تُفرز داخل الأمعاء. كما تشير الأبحاث إلى أن تكاثر بعض البكتيريا المفيدة يؤدي إلى إفراز الدماغ المزيد من هرمون السعادة «الأوكسيتوسين»، مما يؤثر في مشاعرنا وسلوكنا الاجتماعي وحساسيتنا للألم.
تطور الأمعاء والدماغ
من وجهة نظر تطورية، يؤكد الأستاذ مايكل غيرشون أن الجهاز العصبي المعوي هو «الدماغ الثاني»، بينما يرى فوكودو أن القناة الهضمية هي في الواقع «الدماغ الأول»، إذ كانت أول عضو يتطور عندما ظهرت الكائنات متعددة الخلايا على الأرض قبل مئات ملايين السنين، ثم تطور بعدها الدماغ حول القناة الهضمية. ويُستدل على ذلك بحيوان الهيدرا الذي يعمل بلا دماغ وإنما يحتوي على أنبوب هضمي محاط بشبكة عصبية.
بين العلم والحكمة الشعبية
هناك من يحب ببطنه لا بعقله أو قلبه، ويقول المثل الألماني: «أنت تكون ما تأكل»، ويضيفون: «إذا لم تتمكن من اتخاذ قرار، اسأل بطنك”.
وهذه الأمثال لم تكن بعيدة عن الحقيقة، فالعلم الحديث يؤكد أن هناك دماغاً ثانياً في أجسادنا يفكر ويساعد الدماغ في اتخاذ القرارات، بل يؤثر في المزاج وطريقة التفكير وربما في بعض الأمراض العصبية والنفسية.
خاتمة
يقول البروفيسور فوكودو شين، أحد كبار الخبراء في متلازمة القولون العصبي، إن العلوم الطبية تعاملت طويلاً مع الدماغ بوصفه العضو الأسمى، ونظرت إلى الأمعاء على أنها عضو هامشي، لكننا اليوم نعلم أن هناك اتصالاً وثيقاً وثنائي الاتجاه بين الدماغ والجهاز الهضمي، وأن أي اضطراب في هذا الاتصال – من الإجهاد العاطفي إلى اختلال توازن البكتيريا – يمكن أن يقود إلى أمراض جسدية ونفسية متنوعة.
لذلك ينبغي علينا إعادة التفكير في العلاقة بين العقل والجسد، وفهم أن التفكير والمشاعر ليست حكراً على الدماغ، بل يشارك فيها الجسد كله، وخاصة أمعاؤنا التي تُعد بحق دماغنا الثاني.