كيف نجعل من عيدنا عيدا..؟
البشير قصري
أيها العيد قد رجوناك عيدا ♥♥♥ يغمر النفس بالرضى والجمالِ
نجتني بعده من العسر يسرا ♥♥♥ ومن البؤس بالنعيم المــوالي
سنة الله في الوجود كما شاء ♥♥♥ تعالى مبدل الأحـــــــــــوالِ
يأتي عيد الفطر هذه السنة والمسلمين تخيم عليهم أجواء من الحزن والألم، والضيق والشدة جراء ما يتعرض له أهالي غزة العزة من إبادة وتجويع وتهجير لم يسبق له مثيل، من حيث جنونُ المستكبرين وتكالبهم، وخنوع المطبعين ومشاركتهم ومباركتهم لحرب قذرة وإجرام فظيع، وعجزُ الشعوب عن القيام بفعل في مستوى التحدي، الشيء الذي يجعل جمهورا عريضا من المسلمين في حيرة واضطراب، وتردد واستغراب، يتساءل عن الحال التي تحيي به شعيرة العيد:
- هل نلبس أحزاننا وأقراحنا وننسى واجبنا وآمالنا؟
- أم ننغمس في أفراحنا ولهونا واحتفالنا في غفلة عن قضايانا وآلامنا؟
وللخروج من تلكم الحيرة وذلكم التردد ينبغي أن نفهم أولا حقيقة العيد، ومعنى أن يكون العيد عيدا، لأية مقاصد، وبأية وسائل، ما هو السلوك الرشيد والموقف الحميد في هذا اليوم السعيد والزمن الشديد؟
فالعيد حقيقة هو المعنى أو المعاني الشرعية والإنسانية التي يلزمنا بثها وإحياؤها في العيد، وليس اليوم نفسه. لذلك لا يليق أن نجعله يوم حداد وإذراف للدموع، وامتناع عن الطعام والشراب، وإنما ينبغي أن نظهر في ذلك اليوم خاصة، وفي سائر الأيام عامة بمظهر الأمة الواعية الراشدة، نقيم أعيادنا ونستشعر قضايانا، نقتصد في ضحكنا ولهونا وسرفنا، ونجود وننفق بسخاء من أموالنا وصالح أقوالنا وأفعالنا، نقف إلى جانب البؤساء والمعدمين، والمضطهدين والمظلومين بما تيسر.
لنكن إذا راشدين، والرشد السداد وإصابة الحكمة قولا وعملا، والسير في الاتجاه الصحيح، ولا سبيل إلى ذلك إلا بتوظيف الوسائل الناجعة لتحقيق المقاصد النافعة، وأمهات مقاصد العيد ثلاثة:
أولا: مقاصد أخلاقية وتربوية، وتتمثل في منح الإنسان الفرد فرصة للتخلية والتحلية، للتصفية والتربية، تخلية من داء الكبر والقسوة والأنانية، وتحلٍّ بالتواضع والتراحم وإنكار الذات، فهي مناسبة مواتية لتزكية النفس بالامتثال والاجتناب، والمال بالزكاة والصدقة.
ثانيا: مقاصد إنسانية واجتماعية، ولها وجوه كثيرة، منها:
- التقاء الإنسانية على معاني الفرحة والسرور، والغبطة والحبور.
- تقوية الروابط الفكرية والروحية.
- تمتين أواصر الأخوة والمحبة وتجديد روابط التعارف والتعاون.
- التذكير بحق الضعفاء لكي تعم الفرحة كل بيت، والنعمة كل أسرة.
وبهذا يحصل أنس القلوب وبهجة النفوس وراحة الأجسام.
ثالثا: مقاصد سياسية حضارية، واذكر منها:
- جمع الأمة في إرادة واحدة على حقيقة عملية ماثلة، لا على تقليد عبثي.
- إشعار الأمة على أنها تمتلك قوة ذاتية تمنحها قدرة على تغيير الأيام والأحوال، كما منحتها قدرة على تغيير الثياب.
- بث أمل الخروج من الزمن الموبوء المرفوض إلى زمن طبيعي يتحد المسلم مع أخيه المسلم في إضفاء نوع من الجمال على الحياة والعالم، وذلك بتعميم حالة الاكتفاء لدى الجميع ماديا، وشعور الارتياح معنويا، كأن الشارع الحكيم يقول لنا إذا تسلحتم بقوة الإيمان، وكانت منكم الاستجابة لنداء الرحمن، فبإمكانكم أن تضفوا على الحياة نوعا من الجدة، وتخففوا عن الناس -كل الناس- جميع صنوف المعانات.
- تعليم الأمة كيف تتسع روح الجوار وتمتد، حتى يرجع البلد العظيم كأنه دار واحدة يتحقق فيها الإخاء بمعناه الحقيقي، شعور واحد في النفوس، وكلمة واحدة على الألسنة، إنها الذات الواحدة مصداقا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (مَثَلُ المُؤْمِنِينَ في تَوادِّهِمْ، وتَراحُمِهِمْ، وتَعاطُفِهِمْ مَثَلُ الجَسَدِ إذا اشْتَكَى منه عُضْوٌ تَداعَى له سائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى.)، رواه البخاري ومسلم.