الأمل
أشرف شعبان أبو أحمد
الأمل شمس الحياة ونسمتها، وزهرة الدنيا وبسمتها، ولولاه ما كان العمل، وما زرعت شجرة، ولا أينعت ثمرة ولا تفتحت في الروض وردة، ولا حملت أم ولا وضعت، ولا ربت ولا سهرت، وما حبا طفل، وما نما صبي، ولا شب غلام، ولولاه ما كانت حياة فالأمل قوة دافعة تبعث النشاط في الروح والبدن، وتشرح الصدر للعمل، وتخلق دواعي الكفاح من أجل الواجب، تدفع الكسول إلى الجد، والمجد إلى المداومة على جده، والزيادة فيه، تدفع المخفق إلى تكرار المحاولة حتى ينجح وتحفز الناجح إلى مضاعفة الجهد ليزداد نجاحه، فالذي يدفع الزارع والصانع والتاجر إلى الكدح والعرق وتحمل المخاطر أملهم في الحصاد والربح، والذي يبعث الطالب إلى الجد والمثابرة أمله في النجاح، والذي يحفز الجندي إلى الاستبسال أمله في النصر، والذي يهون على الشعب المستعبد تكاليف الجهاد أمله في التحرر، والذي يحبب إلى المريض الدواء المر أمله في العافية، والذي يدعو المؤمن أن يخالف هواه ويطيع ربه أمله في رضوانه وجنته الأمل إذن هو إكسير الحياة ودافع نشاطها ومخفف ويلاتها وباعث البهجة والسرور فيها وهو شئ حلو المذاق جميل المحيا في ذاته سواء تحقق أو لم يتحقق (1) وحياة الفرد من غير شعاع الأمل أضيق من حلقة الخاتم بل من سم الخياط وقديما قال الشاعر: ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل! وحياة المجتمع بدون الأمل حياة جامدة ميتة لا روح فيها ولا حراك (2) يقول الرسول عليه الصلاة والسلام ( إنما الأمل رحمة من الله لأمتي ولولا الأمل ما أرضعت أم ولدها ولا غرس غارس شجرا ) رواه الخطيب عن أنس (3) ولكن هل لمن مل الحياة، وسئم العيش، وضاق ذرعا بالأيام، لشدة ما أصابه فيها، من فقر أضجعه أو مرض أثخنه أو عاهة انتقصت من جوارحه وأعجزته أو خزي أذله أو هم أحزنه أو حبس قيده أو مستعمر استعبده، ولو بصيص من الأمل؟ وكيف!!!
نعم
لو علم إن لله في خلقه سنن، منها سنة التداول للأيام بين الأفراد والأمم، وهي السنة التى قررتها الآية رقم 140من سورة آل عمران قال تعالى ( وتلك الأيام نداولها بين الناس ) فالأيام دول وسجال، والدهر يومان يوم لك ويوم عليك، والأحوال تتبدل والدنيا تتحول والعالم يتغير ما بين طرفة عين وانتباهتها يغير الله من حال إلى حال ومن المحال دوام الحال، فكم من فرد تغير حاله إلى النقيض تماما، من غنى إلى فقر ومن فقر إلى غنى، ومن عز إلى ذل ومن ذل إلى عز، ومن يسر إلى عسر ومن عسر إلى يسر، ومن صحة إلى مرض ومن سقم إلى عافية وما ينطبق على الأفراد ينطبق على الأمم فمن ينظر في أحوال الأمم والشعوب يجد شعلة الحضارة انتقلت من أمة إلى أمة، ومن يد إلى يد أخرى فقد كانت قيادة العالم قديما في يد الشرق على أيدي الحضارات الفرعونية والآشورية والبابلية والكلدانية والفينيقية والفارسية والهندية والصينية، ثم انتقلت إلى الغرب على يد الحضارة اليونانية والرومانية، ثم انتقلت هذه القيادة مرة أخرى إلى الشرق على يد الحضارة العربية الإسلامية، ثم غفا الشرق وغفل عن رسالته، فأخذ الغرب الزمام وكانت له القيادة مرة أخرى وسوف تعود إن شاء الله مرة أخرى إلى الشرق الإسلامي قال تعالى ( عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض ) سورة الأعراف آية 129وقال عز وجل ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ) سورة الأنبياء آية 105 ومن سنن الله في خلقه أيضا سنة تغير أحوالهم تبعا لتغير ما بأنفسهم، فالذين يتغيرون من الخير إلى الشر ومن الاستقامة إلى الانحراف ومن الصلاح إلى الفساد ومن البصيرة إلى العمى، يغير الله ما بهم من حال النعمة إلى النقمة، ومن القوة إلى الضعف ومن العزة إلى الذل ومن الرخاء إلى الشدة قال تعالى ( ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها علي قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) سورة الأنفال آية 53 والذين تتغير أنفسهم أو يتغير ما بأنفسهم من الشر إلى الخير ومن الضلالة إلى الهدى ومن الانحراف إلى الاستقامة ومن الفساد إلى الصلاح ومن الكسل إلى العمل ومن الرذيلة إلى الفضيلة، فهم أهل أن يغير الله حالهم أو يغير ما بهم من الضعف إلى القوة، ومن الذلة إلى العزة، ومن الهزيمة إلى النصر، ومن الخوف إلى الأمن، ومن الاستضعاف إلى التمكين، وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة رقم 11 من سورة الرعد قال تعالى ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) (4)
لو علم أنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزل شدة يجعل الله بعده فرجا(5) ودائما وأبدا يأتي الفرج والرخاء عند ذروة الشدة والابتلاء، فعندما تكون الشدائد أقوى ما تكون اشتدادا وامتدادا واسودادا، تكون أقرب ما تكون انقشاعا وانفراجا وانبلاجا(6) فحينما تحل المحن والشدائد بساحة المؤمنين، وحينما تمسهم البأساء في الأموال، والضراء في الأبدان، والزلزلة في النفوس، هناك يكون النصر أقرب ما يكون من المؤمنين قال تعالى ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ) سورة البقرة آية 214 يقول الرسول والمؤمنون من قومه متى نصر الله؟ استبطاء لمجيء النصر، وهنا يطمئنهم الله بهذه الجملة الفاصلة التى ختم بها الآية الكريمة ( ألا إن نصر الله قريب ) ولكنه لا يعجل بعجلة أحدنا وكل شئ عنده بمقدار وبأجل مسمى وقال تعالى ( حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجى من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين ) سورة يوسف آية 110 ويستدل من هذه الصيغة ( استيأس الرسل ) على طول ارتقابهم للنصر، فلم يجئ في الوقت الذي كانوا يرغبونه ( وظنوا أنهم قد كذبوا ) الضمير في قوله تعالى ( ظنوا ) يعود إلى الأقوام الذين أرسل إليهم الرسل، فهم ظنوا أن الله أخلف رسله ما وعدهم ولم يصدقهم الوعد، وهنا تكون المفاجأة بعد الاستيئاس من جانب الرسل وظن السوء من جانب أقوامهم المشركين ( جاءهم نصرنا فنجى من نشاء ) فهو يأتي أحوج ما يكون الناس إليه وأرغب ما يكون في وصوله(7) وقال عز وجل في سورة الشورى آية 28 ( وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا ) أي من بعد إياس الناس من نزول المطر ينزله عليهم، في وقت حاجتهم وفقرهم إليه، وهو المتصرف لخلقه بما ينفعهم في دنياهم وأخراهم، فبعد اليأس والقنوط يأتي الأمل والرحمة(8) ومن ثم استقر في عقول المسلمين وقلوبهم أن الأزمة كلما اشتدت وتفاقمت آذنت بالانفراج وأن أحلك سويعات الليل سوادا هى السويعات التي تسبق الفجر وفي هذا قال الشاعر: ولرب نازلة يضيق بها الفتى ذرعا وعند الله منها المخرج ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظنها لا تفرج(9)
لو علم أن مع العسر يسرا كما أخبر الله تعالى بذلك في سورة الشرح آية 5و6 قال تعالى ( فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا ) كما قال تعالى في سورة الطلاق آية 7 ( سيجعل الله بعد عسر يسرا ) وروى أبو داود وابن ماجه قوله عليه الصلاة والسلام ( واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا ) (10) كما قال ( لو جاء العسر فدخل هذا الحجر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه ) وعن الحسن أنه قال خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوما مسرورا فرحا وهو يضحك وهو يقول ( لن يغلب عسر يسرين لن يغلب عسر يسرين فان مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا )(11) ولينظر كل منا إلى حياته وسيجد مصداق هذه الآية ملء عينيه وهى لا تحتاج إلى دليل لإثبات صدقها، فقد يصاب الفرد بما يعسر عليه جانب أو أكثر من جوانب حياته، ولكنها تتيسر له في جوانب أخرى، فعلى سبيل المثال تعسرت الدعوة على الرسول صلى الله عليه وسلم في بدء الأمر بمكة وطرد منها، ومن ثم تيسرت له في المدنية إقامة دولة ملأت سمع التاريخ وبصره، سجن أحمد بن حنبل وجلد فصار إمام السنة، حبس ابن تيمية فأخرج من حبسه علما جما وجل فتاويه كتبها وهو محبوس، ووضع السرخسي في قعر بئر معطلة فألف عشرين مجلدا في الفقه، وأقعد ابن الأثير فصنف جامع الأصول والنهاية من أشهر وأنفع كتب الحديث، ونفي ابن الجوزي من بغداد فجود القراءات السبع وكثير من علماء عصرنا ممن ذاع صيتهم لما تيسر لهم من تفوق بل ونبوغ في مجال العلوم الشرعية أو الدعوة أو الوعي أو التربية أو الفكر أو الأدب، تعسر عليه الحصول على شهادة علمية أمثال الشيخ ابن باز ومالك بن نبي والعقاد والطنطاوي وأبي زهرة والمودودي والندوي وجمع كثير غيرهم، وكثير من أذكياء العالم وبحور الشريعة أصابهم العمى كابن عباس وقتادة وابن أم مكتوم والأعمش ويزيد بن هارون، وكثير من العلماء كانوا موالي كعطاء وسعيد بن جبير وقتادة والبخاري والترمذي وأبي حنيفة، وكثير ممن أثروا في التاريخ وأثروا في حياة البشرية بالعلوم والاختراعات والكشوف من أذكياء ومخترعين وعباقرة كان بهم عاهات فهذا أعمى وذاك أصم وآخر أعرج وثان مقعد(12)
لو علم أن الأمل أملان، أمل في الله وأمل فيما سواه وخير الأمل ما كان في الله سبحانه وتعالى وشر الأمل ما كان في سواه، فمن يأمل في غير الله مهما كان المأمول فيه مال أو منصب أو صديق أو هيئة أو دولة فقد يخيب أمله ويفشل مراده، وقد ضرب لنا القرآن الكريم مثلا في هذا قال تعالى في سورة يوسف آية 42 ( وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين ) فقد أنسى الشيطان، سيدنا يوسف ذكر الله عز وجل، وذلك عندما قال سيدنا يوسف لساقي الملك حين علم أن الساقي سينجو من السجن ويعود إلى حالته الأولى مع الملك قال له ( اذكرني عند ربك ) نسى سيدنا يوسف في ذلك الوقت أن يشكو إلى الله ويستغيث به وجنح إلى الاعتصام بمخلوق فعوقب باللبث0 روى أن جبريل عليه السلام جاء ليوسف فعاتبه عن الله تعالى في ذلك وطول سجنه، وقال له: يا يوسف من خلصك من القتل من أيدي أخوتك !؟ قال يوسف: الله تعالى قال جبريل: فمن أخرجك من الجب ؟ قال يوسف: الله تعالى، قال جبريل: فمن عصمك من الفاحشة ؟ قال يوسف: الله تعالى، قال جبريل: فمن صرف عنك كيد النساء ؟ قال يوسف: الله تعالى، قال جبريل: فكيف وثقت بمخلوق وتركت ربك فلم تسأله !؟ قال يوسف: يا رب كلمة زلت مني !! أسألك يا اله إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام أن ترحمني، فقال له جبريل فإن عقوبتك أن تلبث في السجن بضع سنين(13) بينما من يأمل في الله تجده إذا حارب كان واثقا بالنصر لأنه مع الله فالله معه ولأنه لله فالله له ( أنهم لهم المنصورون وأن جندنا لهم الغالبون ) سورة الصافات آية 172- 173 وإذا مرض لم ينقطع أمله في العافية ( الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطمعني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين ) سورة الشعراء الآيات 78 – 80 وإذا اقترف ذنبا لم ييأس من المغفرة ومهما يكن ذنبه عظيما فإن عفو الله أعظم قال تعالى في سورة الزمر آية 53 ( قل يا عبادي الذين أسرفوا علي أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا أنه هو الغفور الرحيم ) وهو إذا أعسر لم يزل يؤمل في اليسر قال تعالى في سورة الانشراح آية 5 و6 ( فإن مع العسر يسرا إن مع اليسر يسرا ) وهو إذا انتابته كارثة من كوارث الزمن كان علي رجاء من الله أن يأجره في مصيبته ويخلفه خيرا منها ( الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ) سورة البقرة آية 156 و157 وهو إذا عادى أو كره كان قريبا إلى الصلة والسلام راجيا في الصفاء والوئام مؤمنا بأن الله يحول القلوب ( عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم ) سورة الممتحنة آية 7 وهو إذا رأى الباطل يقوم في غفلة الحق أيقن أن الباطل إلى زوال وأن الحق إلى ظهور وانتصار ( بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ) سورة الأنبياء آية 18 ( فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) سورة الرعد آية 17 وهو إذا أدركته الشيخوخة واشتعل رأسه شيبا لم ينفك يرجو حياة أخرى فيها شباب بلا هرم وحياة بلا موت وسعادة بلا شقاء قال تعالى في سورة مريم آية 61 و 62 ( جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب أنه كان وعده مأتيا لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا )
لو علم أن الأمل سنة الأنبياء والمرسلين وهم صفوة خلق الله وقدوتهم، فسيدنا يعقوب بعد أن طالت غيبة ولده يوسف عنه، وبعدت مسافة الزمن بينه وبينه وكان جديرا أن يفقد الأمل في لقائه، ثم فجع بحجز شقيقة من بعده في حادثه صواع الملك، لكنه مع هذا لم يتسرب إلى فؤاده اليأس بل قال ( فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا أنه هو العليم الحكيم ) سورة يوسف آية 83 وحين أبدى أسفه على ابنه يوسف قال له أبناؤه ( تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين قال إنما أشكو ثبي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون ) سورة يوسف الآيات 85و86 ثم ألقى إلى أبنائه بحقيقة ما في نفسه من أمل حلو تعززه الثقة بالله أن يجمع شمله بأبنائه فقال ( يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ) سورة يوسف آية 87 وسيدنا موسى حين يسري بقومه لينجو بهم من فرعون وجنوده فيعملون بسراه ويحشدون الحشود ليدركوه قال تعالى في سورة الشعراء الآيات 60-62 ( فأتبعوهم مشرقين فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون ) وأي إدراك أكثر من هذا ؟ البحر من أمامهم والعدو من ورائهم !! بيد أن موسى لم يفزع ولم ييأس بل قال ( كلا إن معي ربي سيهدين ) سورة الشعراء الآيات 63-67 ولم يضع أمله سدى قال تعالى في سورة الشعراء الآيات 63-67 ( فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم وأزلفنا ثم الآخرين وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين إن في ذلك لآيه ) ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم كان أوسع الناس أملا في الغد ورجاء في النصر فقد ظل الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاثة عشر عاما يدعو قومه إلى الإسلام، فيلقون دعوته بالاستهزاء، وقرأنه باللغو فيه، وحججه بالأكاذيب، وآياته بالتعنت والعناد، وأصحابه بالأذى والعذاب، فما انطفأ في صدره الأمل، اشتد أذى المشركين لأصحابه، فأمرهم بالهجرة إلى الحبشة، وقال لهم في ثقة ويقين ( تفرقوا في الأرض وأن الله سيجمعكم ) وجاءه أحد أصحابه خباب بن الأرت وكانت مولاته تكوي ظهره بالحديد المحمى فضاق بهذا العذاب المتكرر ذرعا، وقال للرسول في ألم ألا تدعونا لنا؟ وغضب النبي صلى الله عليه وسلم لهذه العجلة من صاحبه وألقى عليه درسا في الصبر على بأساء اليوم والأمل في نصر الغد فقال ( إن الرجل قبلكم كان يمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب وينشر بالمنشار فرقتين ما يصرفه ذلك عن دينه والذي نفسي بيده ليظهرن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون ) وفي الهجرة من مكة وقد خرج منها خروج المطارد المضطهد الذي يغير الطريق ويأوي إلى الغار ويسير بالليل ويختفي بالنهار، لا يملك من متاع الدنيا ما يعد به سراقة ابن مالك الذي يطارده، رغبه في جائزة قريش، غير الأمل فيقول له ( كيف بك إذا ألبسك الله سواري كسري؟ ) فيرد الرجل: كسري بن هرمز ؟! فيقول عليه الصلاة والسلام ( نعم كسري بن هرمز ) وفي المدينة وفي أثناء اللحظات التي يساهم فيها مع أصحابه في حفر الخندق، ليصدون بحفره الغزاة ويعوقون الطامعين العتاة، يحدث النبي أصحابه عن الغد المأمول والمستقبل المرجو حين يفتح الله عليهم بلاد كسري بفارس، وبلاد قيصر بالشام، وبلاد اليمن بالجزيرة، حديث الواثق المطمئن الذي أثار أرباب النفاق فقالوا في ضيق وحنق: أن محمدا يعدنا كنوز كسري وقيصر، وأحدنا لا يأمن أن يذهب إلى الخلاء وحده ! أو كما قال القرآن الكريم ( وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ) سورة الأحزاب آية 12(14)
لو علم أن الله ورسوله قد وعدا بنصرة المؤمنين وانتشار الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها وبأن يعم الأرض الرخاء قال تعالى ( وكان حقا علينا نصر المؤمنين ) سورة الروم آية 47 وقال عز وجل ( ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين ) سورة يونس آية 103 وقال تعالى ( إن الله يدافع عن الذين آمنوا ) سورة الحج آية 38 وقال تعالى ( الله ولى الذين آمنوا ) سورة البقرة آية 257 وقال تعالى ( وأن الله مع المؤمنين ) سورة الأنفال آية 19 روى تميم الدارى قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( ليبلغن هذا لأمر “يعنى أمر الإسلام” ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل عزا يعز الله به الإسلام وذلا يذل الله به الكفر ) رواه أحمد والطبراني، ومعنى بلوغه ما بلغ الليل والنهار، انتشاره في الأرض، وبهذا يتحقق وعد الله تعالى في كتابه ( هو الذي أرسل رسوله بالهدي ودين الحق ليظهره على الدين كله ) سورة التوبة آية 33 ومعنى ظهوره علي الدين كله غلبته علي جميع الأديان، وأكد هذه البشارة ما رواه المقداد بن الأسود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله كلمة الإسلام بعز عزيز أو بذل ذليل ) رواه أحمد والطبراني، وعن ثوبان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكاه ما زوى لي منها وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض ) الحديث رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه، ومعنى ( زوى لي الأرض ) أي قبضها وضمها وجمعها له عليه الصلاة والسلام حتى يراها جملة واحدة، ويبشر هذا الحديث باتساع دولة الإسلام حتى تشمل المشارق والمغارب أي الأرض كلها وروى ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( تقاتلكم اليهود فتسلطون عليهم ثم يقول الحجر يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله ) متفق عليه ومثله ما رواه أبو هريرة مرفوعا ( لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر أو الشجر يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله ) رواه مسلم، إشارة إلى انتصار المسلمين على اليهود وفي حديث أبى موسى ( ليأتين على الناس زمان يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب ثم لا يجد أحدا يأخذها منه ) متفق عليه، ومثله حديث حارثه بن وهب ( تصدقوا فإنه يأتي عليكم زمان يمشي الرجل بصدقته فلا يجد من يقبلها يقول الرجل لو جئت بها بالأمس لقبلتها فأما اليوم فلا حاجة لي بها ) متفق عليه، دليل على ظهور الرخاء ورغد العيش وزوال الفقر من المجتمع بحيث لا يوجد فيه فقير يستحق الصدقة أو يقبلها(15) ولكن يجب علينا ألا نخلد إلى الدعة والكسل وننتظر نصر الله ينزل علينا دون جهد نبذله، وجهاد نمارسه، وعمل دؤوب نقوم به في جوانب حياتنا كلها، إن الرسالات لا تنتصر وحدها إنما تنتصر بأهلها والحق لا يعلو وحده إنما يعلو برجاله، وقد أرشدنا القرآن إلى أن نصر الله لا يكون إلا للمؤمنين ولا يتم إلا بالمؤمنين، قال تعالى في سورة الأنفال آية 62 يخاطب رسوله الكريم ( هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين ) والصحابة رضي الله عنهم كانوا موقنين كل الإيقان بأنهم منصورون وأن جندهم هم الغالبون وأن هذا وعد الله ولن يخلف الله وعده ولكن هذا الإيمان أو اليقين لم يقعدهم عن العمل والجهاد والبذل الدائم حتى يتحقق وعد الله فإنما يتحقق وعد الله بهم، لا بغيرهم فهم أدوات القدر في تحقيق الوعد الإلهي، فلنمض إذن على بركة الله عاملين مصممين في صدق لا يعرف الزيف وثبات لا يعرف التردد وعزم لا يعرف الكلل ويقين لا يعرف الشك وأمل لا يعرف القنوط وجهاد لا يعرف القعود قال تعالى في سورة العنكبوت آية 69 ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا )
لو علم أن الخير باق في هذه الأمة ولن ينعدم أثره أبدا إلى يوم الدين، وإنها لن ولم تخلو من قائم لله بالحجة ومن ناصر للحق مستمسك به حتى تقوم الساعة، روى أحمد والشيخان إن الرسول صلي الله عليه وسلم قال ( لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس ) ويؤكد هذا ما رواه أبو مالك الأشعري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن الله أجاركم من ثلاث خلال ألا يدعو عليكم نبيكم فتهلكوا جميعا وألا يظهر أهل الباطل على أهل الحق وألا تجتمعوا على ضلالة ) رواه أبو داود(16) فمن يتعرض للخيانة والغدر، أو يسلب حقه، أو يفقد غالي أو عزيز، أو يضيق رزقه هنا أو هناك، أو يجد فشلا في هذا أو ذاك من والأعمال، فسيجد ضالته عند غيرهم وفي غيرها من بقاع المعمورة، فلا دنيانا ولا عالمنا هذه الأرض وهؤلاء الأشخاص فقط فكلاهما أكبر وأكثر من ذلك بكثير، وللدنيا أحوال وطبائع، لم ولن تتغير، منذ قديم الأزل وحتى قيام الساعة، سواء لنا أو لغيرنا، وعلينا أن نعيشها كما هي فهي منغصة اللذات كثيرة التبعات جاهمة المحيا كثيرة التلون مزجت بالكدر وخلطت بالنكد والإنسان منها في كبد، ولن يجد والدا أو زوجة أو صديقا أو نبيلا ولا مسكنا ولا وظيفة إلا وفيه ما يكدر، ولا يصفو فيها صاحب ولا يكمل فيها أمر، لأن الصفو والكمال والتمام ليس من شأنها ولا من صفاتها(17) وأن سرور الفرد فيها مقرون بمساءة غيره وكذلك حزنه مقرون بسرور غيره، قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ما قرعت عصا على عصا إلا فرح لها قوم وحزن آخرون ) وقال المتنبي: بذا قضت الأيام ما بين أهلها مصائب قوم عند قوم فوائد(18)
لو علم أن اليأس وهو ضد الأمل، لا يعوض ما فات، ولا يرد غائب، ولا يفك أسير أو معتقل، ولا يحرر بلد ولا يجلي مستعمر، ولا يزيح هم أو غم، ولا يشفي مريض ولا ينصف مظلوم ولا يغني فقير ولكنه يقتل الهمم ويخدر العزائم ويدمر الطموحات ويحطم في النفس بواعث العمل ويوهي في الجسد دواعي القوة، أنه سم بطئ لروح الإنسان، وإعصار مدمر لنشاطه، إذا تغلب على إنسان اسودت الدنيا في وجهه وأظلمت في عينه وأغلقت أمامه الأبواب وتقطعت دونه الأسباب وضاقت عليه الأرض بما رحبت وأصبح لا يدري وإن كان داريا أقدامه خير له أم وراؤه، ورحم الله من قال: واليأس يحدث في أعضاء صاحبه ضعفا ويورث أهل العزم توهينا وقال ابن مسعود الهلاك في اثنتين القنوط والعجب(19) والمؤمن لا يعرف القنوط إلى قلبه سبيلا ولا يغلبه اليأس، فقد علمه القرآن أن القنوط من لوازم الضلال، واليأس من توابع الكفر قال تعالى في سورة الحجر آية 56 ( ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون ) وقال عز وجل ( أنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ) سورة يوسف آية 87 وقد قال قائل: لا يأس مع الحياة ، ولا حياة مع اليأس(20) ولكن ولم اليأس؟ فقد مرت بالأمة الإسلامية، مثلها كأي أمة، فترات عصيبة في حياتها ولكنها خرجت منها أشد صلابة وأكثر قوة، فقد زحف إليها الغرب الصليبي غازيا وهو يحمل في صدره حقدا أسود على الإسلام وأهله وطمعا في خيرات بلاده، وانتصر الصليبيون في بدء الأمر وأقاموا لهم ممالك وإمارات في ديار الإسلام، ودخلوا بيت المقدس بعد مذبحة قتل فيها عشرات الألوف وجرت الدماء للركب، وبقي الصليبيون في الشام نحو مائتي عام، وبقى بيت المقدس في أيديهم تسعين سنة كاملة، ثم هيأ الله للإسلام رجالا صمموا على أن يقاوموا العدوان وأن يستردوا الأرض المغتصبة ويستعيدوا الحق السليب فكان عماد الدين زنكي، وابنه البطل نور الدين محمود الشهيد، وتلميذه القائد المظفر صلاح الدين الأيوبي، الذي كتب الله له النصر على الصليبين في معركة حطين الشهيرة وفتح بيت المقدس وأعيد إلى أمة الإسلام0 كما تعرض الإسلام للغزو من الشرق على أيدي التتار الوثنيين الذين هجموا على بلاد الإسلام كالريح العقيم ما تذر من شئ أتت عليه إلا جعلته كالرميم، وقد ظهروا والمسلمون ضعفاء متفرقون ليس لهم قيادة قوية تجمع صفوفهم ولا نهضة إيمانية توقظ شعوبهم، والتتار كانوا في ذلك الزمن قوة عسكرية عاتية لها قيادة مهيبة مطاعة، فسقطت البلاد في أيديهم بلدا بلدا، والنصر يغري بالنصر والظفر يدفع إلى الظفر حتى كان المثل السائر في ذلك الزمان إذا قيل لك إن التتار قد انهزموا فلا تصدق ! إنها أسطورة القوة التى لا تقهر تتكرر ما بين عصر وآخر، وأخيرا زحفوا على عاصمة الخلافة العباسية بغداد دار السلام وأرقى بلاد الإسلام فسقطت تحت ضرباتهم، وسالت الدماء انهارا، وأسود نهر دجلة من كثرة ما ألقى فيه من كتب الحضارة، ولم تكد تمضي سنوات حتى تحققت معجزة الإسلام مرتين، انتصر الإسلام على التتار عسكريا في معركة عين جالوت بقيادة القائد المملوكي الصالح سيف الدين قطز، وانتصر الإسلام مرة أخرى معنويا فإذا هؤلاء الجبابرة الذين غزوا الإسلام يغزوهم الإسلام وإذا سيف الغازي المصلت يسقط أمام تأثير العقيدة الإسلامية العزلاء وإذا الغالبون يدخلون في دين المغلوبين !! وبعد غزو نابليون لمصر وبعد الانهيار والتمزق المتتالي للإمبراطورية العثمانية تنبأ الكثير من السياسيين والمستشرقين باختفاء الإسلام تماما وفي غضون حياتهم! وقد خيب الله ظنهم فها هي أعداد المسلمين في تزايد مستمر، وها هي المساجد تنشر في العالم كله وبل ويرفع الآذان للصلاة في عقر ديارهم وتقام فيها سائر شعائر وعبادات الإسلام، ولا يتوقع اليوم أحد أن يختفي الإسلام ولكن أن يمتد بل وينفجر! وقد وضع جنرالات الناتو في حسبانهم أن أكثر المواجهات العسكرية احتمالا في المستقبل لن تكون بين الشرق والغرب، ولكن بين الشمال والجنوب، فالإسلام هو عدوهم المتنامي المرتقب(21) والتشاؤم لا يختلف عن اليأس في إنه يقعد بكل همه ويثبط من كل عزيمة ويودي بكل أمل وعمل، والمتشائم لا ينظر إلى الدنيا إلا بمنظار أسود بغيض فلا يرى سوي القبح والسلبيات(22) فهو يعيش في خضم أليم من ذكريات الماضي وهواجس المستقبل، يستعيد الذكريات الفائتة لمصائب الدهر ويجتر آلامها شهورا وأعواما، يعض على الأيدي ويقلب الأكف، أسفا على ما فات وحسرة على ما مضى، ويبكي على أمس الذاهب0 والمستقبل عنده لا يحمل بين طياته إلا الكوارث والمصائب، بل ويعتصره الحزن ويكويه الألم كما لو كان يعيشها ويدركها في لحظته هذه، ويبكي لأنه سوف يجوع غدا وسوف يمرض بعد سنة وسوف ينتهي العالم بعد مائة عام، كما يفعل كثير من القائمين على التخطيط في هذا العالم حيث يتوقعون الفقر والجوع والعطش والعري والمرض لمعظم سكان الأرض فهذا كله من مقررات مدارس الشيطان قال تعالى ( الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا ) سورة البقرة آية 268 فلا أحد منهم يدري هل يحال بينه وبين الغد أو يلقاه فإذا هو سرور وحبور، وإن إعطاء الذهن مساحة أوسع للتفكير في المستقبل وفتح كتاب الغيب ثم الاكتواء بالمزعجات المتوقعة مذموم عقلا لأنه مصارعة للظل وممقوت شرعا لأنه طول أمل(23) فقد ورد ( أربعة من الشقاء جمود العين وقسوة القلب وطول الأمل والحرص علي الدنيا ) رواه البزار عن أنس، وقال سيدنا علي رضي الله عنه في خطبة له: إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق وأما طول الأمل فينسي الآخرة(24) وفي الأثر إذا أصبحت فلا تنتظر المساء وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح والمعنى أن تعيش في حدود يومك فحسب، فلا تتذكر الماضي ولا تقلق من المستقبل، يقول أحد السلف يا ابن آدم إنما أنت ثلاثة أيام أمسك وقد ولى وغدك ولم يأت ويومك فاتق الله فيه قال الشاعر: ما مضي فات والمؤمل غيب ولك الساعة التى أنت فيها(25)
ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتفاءل ولا يتشاءم، ليكون التفاؤل بذلك مسلكا للبشرية كلها في مناحي حياتها اقتداء بطريقته واهتداء بسنته، ولا يقصد بالتفاؤل إغماض العيون عن الحقائق وما يترتب على مقدمات الأمور من نتائج، وإنما يقصد بالتفاؤل أن نعتاد النظر إلى الأشياء بعين الأمل لا بعين التخاذل وأن يكون منظارنا للحياة بنور الرجاء لا بظلام اليأس وأن نرقب حلول الرحمة بدلا من إحلال القنوط(26)
لو علم أن الملك كله بيد الله، خالقه ومدبر أمره، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، بيده الخير وهو علي كل شئ قدير، إن شاء أغنى الفقير وأفقر الغنى، وقوى الضعيف وأضعف القوى، وشفى المريض، ويسر على المعسر، وأعز الذليل وأذل العزيز، وقد يغيث الملهوف، وينفس عن المكروب، وقد ينصر المظلوم وقد يستدرج الظالم ويملي له سنين حتى يتوهم أن الله قد نسيه ! وقد يأخذه في لمح البصر أو هو أقرب، يفعل ذلك بأسباب معتادة معروفة وقد يفعله بأسباب غير مألوفة، لا حجر على مشيئته، ولا ينازعه أحد في سلطانه(27) والله سبحانه وتعالى عليم خبير بصير بعباده يعلم أمرهم ويقدر لكل منهم ما فيه صلاحه، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي يقول الحق تبارك وتعالى ( إن من عبادي من صلاحه في الغنى فلو أفقرته لفسد حاله ومن عبادي من صلاحه في الفقر فلو أغنيته لفسد حاله ومن عبادي من صلاحه في العافية فلو أمرضته لفسد حاله ومن عبادي من صلاحه في المرض فلو عافيته لفسد حاله ) سنن النسائي(28) وفي حديث صحيح عن الرسول صلى الله عليه وسلم ( لا يقضي الله قضاء للعبد إلا كان خيرا له ) (29) وأن أمر قضاه الله لابد أن ينفذ لا محال(30) وليس للعبد أن يتحكم في قضاء الله وقدره فيرضى بما شاء ويرفض ما شاء، فإن البشر ما كان لهم الخيرة، بل الخيرة لله تعالى لأنه عالم الغيب المطلع على السرائر العالم بالعواقب المحيط بها، والسكينة النفسية لا تتم بمعاكسة الأقدار ومضادة القضاء بل بالتسليم والإذعان والقبول لأن مدبر الأمر حكيم لا يتهم في قضاءه وقدره، سواء وافق هوى العبد أم لم، قال تعالى في سورة البقرة آية 216 ( وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) (31) ففكر فيما منحك الله إياه لا فيما سلبه منك وأنظر لمن هو دونك في الدنيا ولمن هو فوقك في الدين ففي الحديث ( انظروا إلى من هو أسفل منكم “أي في متاع الدنيا” ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فإنه أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم ) رواه البخاري(32) فهل هي مسألة سهلة أن تجد وطن يحتضنك ومنزل يأويك بينما غيرك يفترش الأرض ويلتحف بالسماء لاجئا لا بيت له ولا وطن؟ أحقير أن تنام ملء عينيك وقد أطار الألم نوم الكثير؟ وأن تملأ معدتك من الطعام الشهي والماء البارد وهناك من عكر عليه الطعام ونغص عليه الشراب بأمراض وأسقام ؟ أهين أن تمشي على قدميك وقد بترت أقدام ؟ وأن تعتمد على ساقيك وقد قطعت سوق ؟ تفكر في سمعك وقد عوفيت من الصمم وتأمل في نظرك وقد سلمت من العمى، وانظر إلى جلدك وقد نجوت من البرص والجذام، والمح عقلك وقد أنعم عليك بحضوره ولم تفجع بالجنون والذهول، فكم من مريض على سريره منذ أعوام يتقلب ذات اليمين وذات الشمال يئن من الألم ويصيح من السقم، كم من محبوس مر به سنوات ما رأى الشمس بعينه، وما عرف غير زنزانته، كم من رجل وامرأة فقدا فلذات أكبادهما في ميعة الشباب وريعان العمر، كم من مكروب ومدين ومصاب ومنكوب، إنك في نعم لا يحصى عددها، ولكنك لا تدري، انظر حولك فهل ترى إلا مبتلى وهل تشاهد إلا منكوبا، آن لك أن تتعز بهؤلاء وتوازن مصابك بهم ليظهر لك أنك معافى بالنسبة لهم وأنه لم يأتك إلا وخزات سهلة(33)
لو علم أن الدنيا دار ابتلاء وامتحان(34) فقد خلق الله تعالى الموت والحياة، والسموات والأرض، وزين الأرض بما عليها، لابتلاء واختبار خلقه قال تعالى ( الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) سورة الملك آية 2 وقال ( وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) سورة هود آية 7 وقال ( إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا ) سورة الكهف آية 7 ويبتلى الله سبحانه وتعالى العباد بالنعم كما يبتليهم بالمصائب، قال ابن عباس: بالشدة والرخاء والصحة والسقم والغنى والفقر والحلال والحرام وكلها بلاء، قال تعالى في سورة الأنبياء آية 35 ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة ) وقال في سورة الفجر آية 15-16 ( فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمة فيقل ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن )(35) والكل مبتلى قال تعالى في سورة العنكبوت الآيات 1 – 3 ( آلم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) (36) وقال في سورة آل عمران آية140 ( إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ) تشير الآية الكريمة إلى إننا لسنا أول العباد ولا أخرهم نصاب بالضراء فكثير من قبلنا أصابهم البلاء (37) و( أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على قدر دينه فإن كان في دينه صلابة اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة )(38) ومن هذا الحديث الشريف نفهم أن أصحاب البلاء هم أهل الإيمان وكلما زاد الإيمان زاد البلاء (39) و( إن الله إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضى فله الرضا ومن سخط فله السخط )(40) وعن أبي هريرة رضي الله عنه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( من يرد الله به خيرا يصب منه ) رواه البخاري(41) ولله في ابتلاء عباده حكم منها ليعلم الله المجاهدين والصابرين قال تعالى ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ) سورة آل عمران آية 142 وقد يكون هذا البلاء تكفيرا لذنوب وخطايا أقترفها الإنسان يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه ) رواه البخاري(42) ومن مراسيل يحيي بن كثير قال: فقد رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمان فسأل عنه فأخبر أنه عليل فأتاه يعوده فقال ( شفى الله سقمك وعظم أجرك وغفر ذنبك ورزقك العافية في دينك وجسمك إلى منتهى أجلك أن لك من وجعك خلالا ثلاثا أما الأولى فتذكرة من ربك يذكرك بها وأما الثانية فتمحيص لما سلف من ذنوبك وأما الثالثة فادع بما شئت فإن المبتلى مجاب الدعوة ) وفي صحيح مسلم عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها إلا أخلف الله له خيرا منها ) فلا يسلبك الله شيئا إلا عوضك خيرا منه إذا صبرت واحتسبت ( من أخذت حبيبتيه “عينيه” فصبر عوضته منهما الجنة )(43) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم فيقول: ماذا قال عبدي: فيقولون: حمدك واسترجع فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد ) رواه الترمذي، وروى الحاكم والبيهقي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ( قال الله تعالى إذا ابتليت عبدي المؤمن فلم يشكني إلى عواده أطلقته من إساري ثم أبدلته لحما خيرا من لحمه ودما خيرا من دمه ثم يستأنف العمل ) وقال صلى الله عليه وسلم ( ما من مسلم يصاب في جسده إلا أمر الله الحفظة اكتبوا لعبدي في كل يوم وليلة من الخير ما كان يعمل ما دام محبوسا في وثاقي ) رواه الحاكم، وإذا ابتلى الله عبده بحمى فصبر فهي حظه من النار جزاء وفاقا، قال صلى الله عليه وسلم ( يقول الله تعالى: هى ناري أسلطها على عبدي المؤمن في الدنيا لتكون حظه من النار يوم القيامة ) رواه أحمد والحاكم، (44) فإنك إذا جعت في هذه الدار الدنيا أو افتقرت أو حزنت أو مرضت أو بخست حقا أو ذقت ظلما فذكر نفسك بالنعيم الذي ينتظرك في الدار الآخرة، فمن أصيب في الدنيا كوفئ في الآخرة، ومن تعب هنا ارتاح هناك، وأعقل الناس هم الذين يعملون للآخرة لأنها خير وأبقى، وإن أحمق وأبله هذه الخليقة هم الذين يرون أن هذه الدنيا هي قرارهم ودارهم ومنتهى أمانيهم، هؤلاء المتعلقون بالدنيا العاشقون لها الراكنون إليها، أشد ما علي قلوبهم فوت حظوظهم منها وتنغيص راحتهم فيها، فلذلك تعظم عليهم المصائب وتكبر عندهم النكبات، فتجدهم أجزع الناس عند المصائب، وأندمهم عند الحوادث، ولو أنهم خلعوا حجاب الران عن قلوبهم، وغطاء الجهل عن عيونهم لحدثوا أنفسهم بدار الخلد ونعيمها ودورها وقصورها، ولسمعوا وأنصتوا لخطاب الوحي في وصفها ، أنها والله الدار التى تستحق الاهتمام والكد والجهد، هل تأملنا طويلا وصف أهل الجنة بأنهم لا يمرضون ولا يحزنون ولا يموتون، ولا يفنى شبابهم ولا تبلى ثيابهم، في غرف يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، يسير الراكب في شجرة من أشجارها مائة عام لا يقطعها، طول الخيمة فيها ستون ميلا، أنهارها مطردة، قصورها منيفة، قطوفها دانية، عيونها جارية، سررها مرفوعة، أكوابها موضوعة، نمارقها مصفوفة، زرابيها مبثوثة، تم سرورها، عظم حبورها فاح عرفها، عظم وصفها، منتهى الأماني فيها، فأين عقولنا لا تفكر ؟ ومالنا لا نتدبر ؟
لو علم أن البلاء لابد له من وقت حتى يزول وتزول آثاره، وواجب على المبتلى الصبر وانتظار الفرج ومداومة الدعاء، وما أسرع من الأيام مهما طالت فهي التى تصد الجروح وتداوي الآلام وتنسي المصائب وتبدل الأحوال إذا عشناها كما يجب، وكل آت قريب وأن ( أفضل العبادة انتظار الفرج ) كما في الحديث عند الترمذي(45) وانتظار الفرج أو الأمل، هو الذي يطلق عليه الصبر، ولكون ما أصعبه وأشده على بعض النفوس، فما من قربى إلا وأجرها بتقدير وحساب إلا الصبر، فإن أجره بغير حساب قال تعالى في سورة الزمر آية10 ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) وقال في سورة القصص آية 54 ( أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ) قال سليمان بن القاسم كل عمل يعرف ثوابه إلا الصبر، والصبر خير لأهله قال تعالى ( ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ) سورة النحل آية 126 وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ما أعطي أحد عطاء خير وأوسع من الصبر ) وفي المسند قول الرسول صلى الله عليه وسلم ( والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له وليس ذلك إلا للمؤمن ) (46) قال عمر بن الخطاب وجدنا خير عيشنا بالصبر، وقال أيضا أفضل عيش أدركناه بالصبر، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه ألا أن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد فإذا قطع الرأس بار الجسم ثم رفع صوته فقال: إنه لا إيمان لمن لا صبر له، وقال الصبر مطية لا تكبو، وقال الحسن: الصبر كنز من كنوز الخير لا يعطيه الله إلا لعبد كريم عنده، وقال عمر بن عبد العزيز ما أنعم الله على عبد نعمة فانتزعها منه فعاضه مكانها الصبر إلا كان ما عوضه خيرا مما انتزعه(47) روى عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله ( الصبر ستر من الكروب وعون على الخطوب ) وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أفضل العدة الصبر على الشدة، وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( بالصبر يتوقع الفرج ومن يدمن قرع باب يلج ) وقال بعض الحكماء بالصبر على مواقع الكره تدرك الحظوظ، واعلم أن النصر مع الصبر والفرج مع الكرب واليسر مع العسر، قال بعض الحكماء : بمفتاح عزيمة الصبر تعالج مغاليق الأمور(48) كما أن الصبر من بين الأمور التى تؤدي إلى الفلاح قال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ) سورة آل عمران آية 200 وهو والنصر شقيقان فالنصر مع الصبر ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ( واعلم أن النصر مع الصبر ) كما أنه والتقوى وقاية من كيد العدو ومكره قال تعالى في سورة آل عمران آية 120 ( وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا ) وقد أثنى الله عز وجل على عبده أيوب بأحسن الثناء على صبره فقال ( إنا وجدناه صابرا نعم العبد أنه أواب ) سورة ص آية 44 فأطلق عليه نعم العبد بكونه وجده صابرا، وهذا يدل على أن من لم يصبر إذا ابتلى فإنه بئس العبد، كما أنه سبحانه حكم بالخسران حكما عاما على كل من لم يؤمن ولم يكن من أهل الحق والصبر وهذا يدل على أنه لا رابح سواهم فقال تعالى ( والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) سورة العصر كلها، وقسم خلقه قسمين أصحاب ميمنة وأصحاب مشأمة وخص أهل الميمنة أهل التواصي بالصبر والمرحمة قال تعالى ( ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة أولئك أصحاب الميمنة ) سورة البلد آية 17-18كما علق نيل الإمامة في الدين بالصبر وباليقين قال الله تعالى ( وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ) سورة السجدة آية 24 والصابرين هم أحباب الله وأهل معيته قال تعالى ( والله يحب الصابرين ) سورة آل عمران آية 146وقال تعالى في سورة البقرة آية 153 ( إن الله مع الصابرين ) وقد جمع الله عز وجل للصابرين ثلاثة أمور لم يجمعهم لغيرهم وهي الصلاة منه عليهم ورحمته لهم وهدايته إياهم قال تعالى ( وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ) سورة البقرة آية 155-157 كما أنه سبحانه جعل الصبر علي المصائب من عزم الأمور فقال ( ولمن صبر وغفر أن ذلك لمن عزم الأمور ) سورة الشورى آية 43 كما أنه سبحانه رتب المغفرة والأجر الكبير على الصبر والعمل الصالح فقال ( إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير ) سورة هود آية 11وقال تعالى ( وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون ) سورة القصص آية 80 وفي بعض المسانيد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ( قال الله عز وجل إذا وجهت إلى عبد من عبيدي مصيبة في بدنه أو ماله أو ولده ثم استقبل ذلك بصبر جميل استحييت منه يوم القيامة أن أنصب له ميزانا أو أنشر له ديوانا ) وخص بالانتفاع بآياته أهل الصبر وأهل الشكر تمييزا لهم بهذا الحظ الموفور فقال ( إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ) سورة إبراهيم آية 5 وأخبر تعالى أن دفع السيئة بالتي هي أحسن تجعل المسيء ولي حميم فقال ( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة أدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) سورة فصلت آية 34 ومن ينول هذه الخصلة هو ( وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ) فصلت 35 وأمر رسوله بالصبر فقال ( واصبر لحكم ربك فإنك باعيننا ) سورة الطور آية 48 وقال ( واصبر وما صبرك إلا بالله ) سورة النحل آية 127 كما جعل الصبر عونا وعدة وأمر بالاستعانة به فقال تعالى ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) سورة البقرة آية 45 فمن لا صبر له لا عون له(49) وإن لم اصبر أنا وأنت فماذا نصنع ؟ هل عندك حل لنا غير الصبر؟ هل تعلم لنا زادا غيره؟ واصبر وما صبرك إلا بالله، اصبر صبر واثق بالفرج، عالم بحسن المصير، طالب للأجر، راغب في تكفير السيئات(50) روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( يقول الله تعالى من لم يرض بقضائي ويصبر علي بلائي فليختر ربا سواي ) وقال علي بن أبي طالب للأشعث بن قيس إنك إن صبرت جرى عليك القلم وأنت مأجور وإن جزعت جرى عليك القلم وأنت مأزور(51) وقد قيل في قوله تعالى ( فاصبر صبرا جميلا ) سورة المعارج آية 5 إنه الصبر الذي لا شكوى فيه ولا بث روى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( ما صبر من بث ) وحكى كعب الأحبار أنه مكتوب في التوراة : من أصابته مصيبة فشكى إلى الناس فإنما يشكو ربه(52)
لو علم أنه واجب علينا أن نفر إلى الله، نستعيذ به ونلوذ إليه، ونعتصم به، ننقطع إليه، ونتبتل إليه تبتيلا، ونحسن الظن والثقة فيه، ندعوه في الشدة والرخاء، وفي السراء والضراء، ونفزع إليه في الملمات ونتوسل إليه في الكربات، وننطرح علي عتبات بابه سائلين باكين ضارعين خاشعين منيبين، ونكثر من ذكره، نبالغ في سؤاله، نلح عليه، ونهتف باسمه المقدس ونردده توحيدا ومدحا واستغفارا، نمد أيدينا، ونرفع أكفنا، نطلب مدده، ونسأله نصره وفرجه ورحمته، ننتظر لطفه، نترقب فتحه، فهو قريب إذا دعي، سميع إذا نودي، مجيب إذا سئل ( أمن يجيب المضطر إذا دعاه ) سورة النمل آية 62 حينها يأتي مدده ويصل عونه ويسرع فرجه ويحل فتحه، فينجي الغريق ويرد الغائب ويعافي المبتلى وينصر المظلوم ويهدي الضال ويشفي المريض ويفرج عن المكروب، فأن الدعاء عبادة أخرى وطاعة عظمى ثانية فوق حصول المطلوب (53) يقول الرسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما أصاب عبدا هم ولا حزن فقال اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماضي في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي إلا أذهب الله همه وحزنه وأبدله مكانه فرحا ) رواه أحمد(54)
بعد هذا كله يتبن لنا أن أبواب الأمل مازالت وستزال مفتوحة على مصراعيها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، الأمل في غد يشرق بغنى وشبع وظمأ وصحة وسعادة لمن عانى الفقر والجوع والعطش والمرض والبؤس، غد يشرق بإيثار للنفوس على بعضها البعض وبأخوة وحب في الله، غد يقام فيه دين الله في الأرض ويملؤها قسطا وعدلا، غد ينتصر فيه المظلوم من ظالمه، ويعود فيه الحق لصاحبه، غد يبشر بفرج لكل ذي هم، غد يصل فيه الغائب ويهدى فيه الضال ويفك فيه العاني، غد يشرق بسواعد قوية تحطم قيود التخلف وتزيح كابوس المستعمر من على كواهلنا، غد يشرق بصلاح الدين الأيوبي يعيد القدس لأحضان الأمة الإسلامية، غد يشرق بأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلى بن أبي طالب وعمر بن عبد العزيز يعيدون للإسلام وللمسلمين صدارتهم للأمم.
المراجع
1-الأيمان والحياة يوسف القرضاوي ص164 و165
2-الوقت في حياة المسلم يوسف القرضاوي ص41
3-من وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم طه عبد الله العفيفي ج1 ص 174
4-المبشرات بانتصار الإسلام يوسف القرضاوي من ص83 إلى ص88 & في الطريق إلى الله التوكل يوسف القرضاوي ص 106 & من وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم طه عبد الله العفيفي ج1 ص 203
5-الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن احمد الأنصاري القرطبي ج20 ص 107
6-مواجهة الفقر في الكتاب والسنة محمد عبد الستار اليمني ص72 & لا تحزن عائض بن عبد الله القرني ص326 و ص390
7-المبشرات بانتصار الإسلام يوسف القرضاوي من ص 18 إلى ص19
8-تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج4 ص 115& الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي ج 20 ص107
9-المبشرات بانتصار الإسلام يوسف القرضاوي ص 20
10-كيف تنال السعادة الحقيقية سعيد عبد العظيم ص107
11-تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج4 ص 525
12-لا تحزن عائض بن عبد الله القرني ص 28 وص 48و ص156 وص 244 و245
13-الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي ج9 ص 195 و196
14-الأيمان والحياة يوسف القرضاوي ص 168 – 174
15-المبشرات بانتصار الإسلام يوسف القرضاوي ص 18وص27و28 ومن ص 31 إلى ص35
16-المبشرات بانتصار الإسلام يوسف القرضاوي من ص 97 إلى ص 103 وص 37
17-لا تحزن عائض بن عبد الله القرني ص 37 و38
18-أدب الدنيا والدين أبو الحسن الماوردي ص 294 و 295
19-الأيمان والحياة يوسف القرضاوي ص165 و 166
20-في الطريق إلى الله التوكل يوسف القرضاوي ص 105 – 106
21- المبشرات بانتصار الإسلام يوسف القرضاوي من ص50 إلى ص52 وص 61و64
22-الإنسان والقانون الأعلى عبد الوهاب البساطي من ص 88 إلى ص 90
23-لا تحزن عائض بن عبد الله القرني ص 17
24-من وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم طه عبد الله العفيفي ج1 ص 173 و174
25-لا تحزن عائض بن عبد الله القرني ص 80 و81
26-الإنسان والقانون الأعلى عبد الوهاب البساطي من ص 88 إلى ص 90
27-في الطريق إلى الله التوكل يوسف القرضاوي ص 106
28-مواجهة الفقر في الكتاب والسنة محمد عبد الستار اليمني ص 66
29-لا تحزن عائض بن عبد الله القرني ص 87
30-الأيمان والحياة يوسف القرضاوي ص 131
31-لا تحزن عائض بن عبد الله القرني ص356
32-كيف تنال السعادة الحقيقية سعيد عبد العظيم ص 48 وص 107
33-لا تحزن عائض بن عبد الله القرني ص 12 وص 38 و 39
34-كيف تنال السعادة الحقيقية سعيد عبد العظيم ص 41
35-عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين ابن قيم الجوزية ص 152 و 153و161 و162
36-كيف تنال السعادة الحقيقية سعيد عبد العظيم ص 41
37-مواجهة الفقر في الكتاب والسنة محمد عبد الستار اليمني ص70
38-لا تحزن عائض بن عبد الله القرني ص 167 و168
39-مواجهة الفقر في الكتاب والسنة محمد عبد الستار اليمني ص 68
40-لا تحزن عائض بن عبد الله القرني ص 167
41-خزائن الرزاق في جلب الأرزاق ياسر جعفر شلبي ص 114
42-مواجهة الفقر في الكتاب والسنة محمد عبد الستار اليمني من ص 69 – 70
43-عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين ابن قيم الجوزية ص 81و82 وص 94
44-روضة الناظر ونزهة الخاطر في الجزاء من جنس العمل سيد حسين العفاني ج2 من ص 420 – 422
45-لا تحزن عائض بن عبد الله القرني ص 32 وص 48 – 49 وص 87 وص 124
46-عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين ابن قيم الجوزية ص6 وص 87 وص 95 – 96
47-لا تحزن عائض بن عبد الله القرني ص 130 و111
48-أدب الدنيا والدين أبو الحسن الماوردي ص 286 وص 289 – 290
49-عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين ابن قيم الجوزية من ص 6 – 8 ومن ص74 – 79 وص 87
50-لا تحزن عائض بن عبد الله القرني ص 43 – 44
51-أدب الدنيا والدين أبو الحسن الماوردي ص 288
52-أدب الدنيا والدين أبو الحسن الماوردي ص 297
53-لا تحزن عائض بن عبد الله القرني ص 29 – 30 وص 35 – 36 و ص 206
54-مواجهة الفقر في الكتاب والسنة محمد عبد الستار اليمني ص 73