التاريخ ظالما ومظلوما
التاريخ ظالما ومظلوما/ أشرف شعبان أبو أحمد
التاريخ ظالما ومظلوما
أشرف شعبان أبو أحمد
كلما عاصرنا ظالما أو مر على حياتنا طاغية تجرعنا ظلمه وطغيانه، نتوعده بذكرى سيئة له في التاريخ مستقرها ومستودعها قاع قيعان مزبلة التاريخ، ويزداد طموحنا إلى أكثر من ذلك حين نطالب التاريخ بما جبنت منه نفوسنا، وعجزت عنه سواعدنا، نطالبه بأن تتحول كلماته إلى رصاص تخترق صدور المستبدين، وسطوره إلى أعواد مشانق تعلق عليها رقابهم، ودفتيه إلى سجون تغلق عليهم فيقبعوا في دهاليزها وسراديبها إلى غير رجعة، نطالبه بأن يكون سلاحا يجاهد المتسلطين وسوطا يجلد به المفسدين وعصا تؤدب العصاة، نريده أن يتحول إلى قوة رادعة تأخذ على أيدي المتكبرين وتأخذ بيد الضعفاء، فإذ بنا نطالبه بما هو ليس له، فضلا عن تحمله لكل قبائح وفضائح البشرية منذ تأسيسه، فأضحى التاريخ مظلوما.
ولكن هل سيضار هؤلاء الطغاة بما نتوعدهم به من كتابة تاريخ يسئ لهم ولسيرتهم، وهل سيضارون من لعنات وسخطات من قرأ ويقرأ وسيقرأ سيرتهم، هل سيغير هذا من سطوتهم، ويقلل من تسلطهم، وينتقص من جبروتهم، أم سيظلون قائمين على ما هم عليه، وعلى ما سبقهم إليه غيرهم، وهل ثأر التاريخ منهم إلا ببعض الأسطر في كتب موضوعة على أرفف المكتبات أو في بعض صفحات الجرائد والمجلات أو في مدونات الانترنت، وهل هذه السطور جرحت أبدانهم وخلعت أظافرهم وسلخت جلودهم وبالغت في قتلهم، هل هذه الصفحات أذاقتهم الجوع والعطش والخوف ومن قبلهم الذل والمهانة، هل هذه المدونات أقلقت نومهم وذهبت براحتهم وأصابتهم بشتى الأمراض والأوبئة، وهل طغاة اليوم لم يقرأوا تاريخ طغاة الأمس وأول الأمس وما آل إليه حالهم، بل الأكثر من ذلك وفي ظل التقدم في وسائل التواصل الاجتماعي وخاصة المدونات يرى كل طغاة العالم سيرتهم تكتب أمامهم، لحظة بلحظة، فضلا عن أن أجهزة الرقابة والأجهزة الأمنية الخاصة بحمايتهم، تحصي ما يكتب عنهم، وتنقله إليهم، وهل من يعدون أنفسهم ليكونوا طغاة الغد وبعد الغد، لم يقرأوا ويسمعوا ويعوا ما عليه طغاة اليوم، بل يقرأونه ويحفظونه عن ظهر قلب، ويتدارسونه ليسيروا على منواله ويمضوا على خطاه، فليكتب عنهم التاريخ ما يريد، وليحتفظ بسيرتهم في ذاكرته على أي هيئة يريدها، فلن يغير ذلك من الأمر شيئا، فكم من حاكم مسلم يعيش بيننا نطقت أفعاله وصرخت، وإن لم يقلها صراحة، بما قاله فرعون منذ آلاف السنين، ورددها من بعده عشرات بل مئات من الحكام، كما جاء في سورة النازعات آية 24 ( أنا ربكم الأعلى ) فلا طاعة لغيري عليكم، أدير أموركم وأصرفها كيفما يحلو لي، وأنا صاحب الفضل والمنة عليكم، أغني وأفقر من أريد، وأضحك وأبكي من أشاء. وكم من حاكم مسلم قال ما قاله النمرود كما ورد في سورة البقرة آية 258 ( أنا أحيي وأميت ) أنا أقتل هذا أو أسجنه وأعذبه وأعتق هذا وأعفو عنه، فبإحدى يدي القانون وبالأخرى تنفيذه، وكم منهم سكن في مساكن الذين ظلموا، وتبين لهم ما فعل الله بالظالمين أمثالهم، وضربت لهم الأمثال تلو الأمثال، وكم منهم رأى رؤى العين تلك القصور الخاوية، التي تهدمت جدرانها على سقوفها، وأوحشت من ساكنيها، وعطلت من نازليها، بما ظلم وبغى أهلها في الأرض، وكم من مسلم له من الثروات والكنوز ما تنوء بحمله العصبة أولي القوة، وكم من ثري يتخذ من سهول الأرض قصورا وفيلا ومنتجعات ومساكن شاهقة العلو والارتفاع، فهل اعتبر هؤلاء مما أصاب قارون؟، وهل اتعظ أي من حكامنا مما آل إليه فرعون وهل اعتبروا بما صار بالنمرود، وهل وضعوا نصب أعينهم ما حدث لبعض طغاة العصر، هل اهتز لهم جفن أو ارتعش لهم بدن، هل منهم من كف عن ما هو عليه، هل منهم من أوقف الاستخفاف بأبناء شعبه والتنكيل بهم وتشريدهم وإفقارهم، هل منهم من رد المظالم لأصحابها، بل الواقع يشير إلى أنه لا أحد منهم يخشى مما يكتب عنه، ومما حدث لغيره، ولا يشغل باله بذلك ولا يعمل له أي حساب، بل تجدهم يغتنمون كل دقيقة في حياتهم ليفرحوا ويمرحوا بما لذ وطاب، لا يمنعهم نوم ولا طلب راحة للجسد عن ذلك، يخشون أن تمر الدنيا من بين أيديهم وقد فاتهم ما لا يتمتعون به، ولا مكان ولا وقت عندهم للاعتبار والاتعاظ وخشية مصير كمصير من سبقوهم. وليس هم فقط على هذه الحالة، بل كثير من الناس من يتخذ من التاريخ مادة للتسلية والسمر والاستمتاع بسماع القصص وحكاوى قبل النوم، ومنهم من يتخذ من أماكن الحضارات القديمة، منتجعا للرحلات السياحية، وأماكن للترفيه والتنزه، والتمتع بالأجازات والعطلات وتمضية الوقت وكسر روتين الحياة الاعتيادية، ومنهم من يشاهدون الآثار القديمة للمرح والسرور والتقاط الصور التذكارية كما لو كان أهلها قدوة يحتذي بهم، فيمرون عليها مرور الغافلين الساهين اللاهين. والأهم من ذلك كله هل استفاد المظلوم من كتابة تاريخ سوءات ظالمه، هل جاء بما فات من عمره وهو خلف القضبان، وهل عوضه عن سنوات حبسه، هل رد له صحته وعافيته، وما سلب منه، هل أعاد له كرامته، هل شفى غليل صدره، وأذهب غيظ قلبه.
وإذا كان كثير من المفكرين ومن السياسيين والعلماء بل ومن رجال الفن وأبطال الرياضة يضعون آمالهم على التاريخ لعله يذكرهم بحسن صنيعهم، فقد غفلوا جميعا عن ظلم التاريخ لهم ولقرنائهم بل ولكافة قرائه، حين فتح أبوابه على مصراعيها لكل من هب ودب، يؤرخ فيه من هو مؤهل لذلك ومن هو غير مؤهل، من له دراية وعلم بالأمور والأحداث وملم بأسبابها ونتائجها ومن ليس له دراية ولا علم، ينقب فيه من لديه مقومات البحث والفحص والتمحيص ومن ليس لديه، وحين ساوى في كتاباته بين الصالح والطالح بين الجيد والرديء بين الطيب والخبيث، حيث أعطي لهؤلاء ولهؤلاء نفس المساحة ونفس المكانة، وجمع بين الشيء ونقيضه في آن واحد، فلا يعرف الحق من الباطل، والصحيح من الخطأ، ولم يتخذ من الوسائل للفظ كل ما هو منافي للحقيقة ومخالف للواقع، فتزيف فيه كثير من الحقائق، وتقلب رأسا على عقب، ويمجد فيه من لا يستحق تاريخه التمجيد، وينسب له ما يرفعه إلى عنان السماء، بل هناك من يستأجر من يكتب له تاريخا وهميا معسولا ينسبه إليه وما هو منه بشيء، كما تطمس منه الصفحات المشرفة للبعض، وينسب لهم من السوء ما يشوه به مسيرتهم الناصعة، ولم يتخذ من الأساليب ما يجعل لمحتوياته من العبر والمواعظ أثرا جما في حياة وشخصية قارئه، ولا من الطرق لكي يصل إلى مسامع من لا يقرأ، فالغالبية العظمى من الناس لا يقرأون، أم لجهلهم بالكتابة والقراءة، أو لانصراف من يعرف الكتابة عن القراءة، لأسباب شخصية واقتصادية ومجتمعية، والكثير منهم طابعهم النسيان والتسامح والتماس الأعذار، ويلجأ هؤلاء إلى المشاهدة عبر شاشات التلفاز، حيث تجد إن فيلما واحدا عن حقبة تاريخية معينة يلصق بأذهان المشاهدين، ويمحو عندهم أي أفكار سابقة عن هذه الحقبة، ورغم هذا فلن ولم يستغنى عن القراءة بتمعن للإطلاع والبحث في الوثائق والمراجع، والكتابة عن كل ما هو جديد باستفاضة، فسن القلم أقوى من سنان الرماح، وطعنة الرمح يشفى جرحها أما طعنة القلم فلا يبرأ ألمها، ولا تنتهي بموت صاحبها فما أقساه من ظلم. وإذا كان البعض يريد أن يتخذ من التاريخ مكانا لتخليد ذكرى بطولاته وتضحياته، فهناك من الوسائل الأخرى التي تخلد بها أسمائهم وأفعالهم، فغالبية الميادين ومحطات المترو والمطارات بل والمدارس والمعاهد التعليمية والمستشفيات والمطاعم تسمى بأسماء مثل هؤلاء، ولكن للأسف فإن الكثرة تحفظ أسماء هذه الشوارع والميادين وتعرف كيف تصل إليها مترجلين أو باستعمال وسائل المواصلات، ولكن لا أحد منهم يعرف شخصية من سمي به الحي أو المنطقة أو الميدان ولا يعرف ماذا قدم للمجتمع ليخلد اسمه هكذا.
والتاريخ لا يكتب مرة واحدة، بل يمسح وتعاد كتابته مرات ومرات عديدة، وتتعدد أيادي كتابته، منها أيدي تكتبه بحياد وتجرد تام وأخرى تكتبه بتحيز، منها أيدي شاكرة حامدة مسبحة ليلا ونهارا بأفعال العصاة ومنها أيدي قادحة قاذفة قارعة لهم، ومنها أيدي كثر بين ذلك وذلك، تثير الشك والحيرة في عقول من لم يعاصر هؤلاء ولا هؤلاء، ومن الأمثلة على هذه الحيرة نجد اختلاف قراء وكتاب التاريخ في تصنيف بعض الطغاة، فمنهم من ينظر إليهم على هذه الحالة، ومنهم من يراهم على العكس منها، يرونهم مخلصين ومنقذين، ولولاهم لساءت بلدانهم، بل وأيضا من بين الطغاة من أودي بحياة الكثير من البشر، ومع ذلك مازال البعض يحتفل بذكراه ويعدد مآثره بين الحين والآخر، ويتمنى لو أتاحت له الفرصة للاحتذاء به وتقليده والسير على خطاه. ومنذ استخدام القنوات الفضائية لنقل الأحداث العالمية والمحلية أولا بأول فيراها الجميع واقعة ماثلة أمام أعينهم، انبرى الكثير للكتابة عنها والتعليق عليها كلا من وجهة نظره وخلفياته الأيديولوجية والفكرية، لذا علينا ألا نعتبر كل ما يكتب هو القول الفصل، والحكم القاطع، بل نعتبره مرجعا من المراجع. ومن أسباب إعادة كتابة التاريخ ظهور معلومات جديدة ومستجدات لم تكن في الحسبان، أو لتطور في مذاهبه وفلسفاته، وظهور أدوات فكرية جديدة تستخدم في فهمه، أو لظهور مؤرخ يدلي بدلوه في موضوع من الموضوعات، أو أن يعثر على وثيقة أو مخطوط أو على قطعة حجر ممكن أن تقلب تاريخ عصر ما كنا نعرفه رأسا على عقب، كما لرفع بعض الدول السرية عن أوراقها الرسمية بعد ثلاثين أو خمسين عاما، أو لظهور مذكرات من بيدهم الأمر والنهي، من كبار المسئولين الذين اعتلوا مناصب هامة بين الأمم، أو بما يتراءى ويروق للقائمين على التاريخ نفسه، أو لتغير أهواء الحكام ومن بيدهم السلطة، وكون كتابة التاريخ بيد من في يده الأمر أو بيد السلطة فيه شك كبير، وقد عاصرنا من جاء إلى السلطة، ومحا آثار ما كان سابقه يعتبرها انجازات، بل ونسب ما تبقى من انجازات سلفه إلى نفسه، وكتابة التاريخ عملية متجددة لا يصدر قرار ببدئها ولا بإيقافها، ففي حالات يقظة الأمة يزداد اهتمام أبنائها بتاريخها كما يزداد اهتمامهم بحاضرها ومستقبلها وبالتالي تشتد حركة التأليف عبر التاريخ ويزداد الناس إقبالا على قراءته، وفي حالات خمولها تنام عن ماضيها ومستقبلها معا، وتستسلم لمن يكتب لها وعليها، ولما يكتب ولما وجدته مكتوبا عنها من قبل. فهل هناك من الإجراءات ما يمكن اتخاذها لحماية التاريخ من تزيفه وتطويعه لما تهوى الأنفس، وهل يمكن قصر كتابته على الأيدي المتخصصة والتي لا تخشى في الله لومة لائم، وهل سيحظر على غيرهم الدلو بآرائهم، وهل ننتظر إلى ما بعد موت الطغاة وأعوانهم والتابعين لهم لكتابته دون خوف أو تملق، وهل سنضعهم في مكان يليق بهم وبأفعاله ألا وهو مزبلة التاريخ، كما يحب للبعض أن يختصهم بها، وهي ليست كأي مكب للنفايات، بل هو مكان تفوح منه الروائح الذكية التي كان يضعها الطغاة، ممتزجة برائحة مآسيهم وفظاعتهم ومفاسدهم، ويزينها الكلمات المزخرفة والمبرقشة التي كان يكتبها أعوانهم من المطبلين والمنافقين والمستفيدين، وهل يسمح لمن ذاق الأمرين منهم بكتابته، هل يكتب بأيدي من قاسوا وعانوا من الظلم، لتخط سطوره بعلامات السياط التي فوق أجسادهم، وليملى مداد أقلامهم بدمائهم التي سالت، ولتشتعل كلماته بنيران صدورهم، ولتكن هوامشه وسادتهم التي حرموا منها طوال فترة حبسهم، وتغطي صفحاته عورات أجسادهم، وتدفئ دفتيه برد أبدانهم، أسئلة كثيرة تدور في خلد من يقرأ التاريخ لعدة مؤرخين وبمناهج مختلفة في كتاباته.
وأخيرا فالتاريخ هو ذاكرة الأمة بل ذاكرة العالم أجمع، وهو خير معلم للبشرية عبر الزمان، فهو ميدان للدراسة والاختيار، ومختبر للفحص والتحليل، لكل الظواهر والأحداث والسير والآراء، التي تمكنا من التخطيط للمستقبل، واستخلاص القيم والعبر والتفسيرات لتصويب الفعل البشري، وقراءة التاريخ وتدبره هي القادرة على خلق مجتمع واعي قادر على صنع الحاضر والمستقبل، فالتاريخ عبرة وعظة لما فيه من حكم وعبر وتجارب وسير، منه نعرف الصواب فنتبناه ونعرف الخطأ فنتفاداه، وبدون تعلمه نصبح عرضه للأوهام، ومن يجهل التاريخ فهو جاهل فعلا، ولو كان عالما في شتى علوم الحياة،. والتاريخ البشري لا يتحرك عبثا وعلى غير هدف، وإنما تحكمه سنن ونواميس، كتلك التي تحكم الكون والعالم والحياة والأشياء سواء بسواء، والوقائع التاريخية لا تخلق بالصدفة، وإنما من خلال شروط خاصة تمنحها هذه الصفة أو تلك، وتوجهها صوب هذا المصير أو ذاك، ولذا فإن التاريخ لا يعيد نفسه، بل الأحداث تتشابه، فكلما تتشابه المقدمات بما كانت عليه سابقا، تأتي النتائج قريبة أو مشابهة بما آتت، والتاريخ إنما هو جزء من مشيئة الله في عباده، وهو بيان للسنن الإلهية التي حركت مسار التاريخ أو تحرك التاريخ في مسارها، يرفع بها أقواما ويخفض بها آخرين، والتي بدون الأخذ بها، سوف يخرج المسلمون من التاريخ، وسوف يتحولون من صناعة التاريخ إلى محلا لحركة التاريخ وتجاربه، مفعول بهم وليس فاعلين به كما كانوا سابقا.