منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

السعادة… غاية أم وسيلة؟

السعادة... غاية أم وسيلة؟/ الدكتور محمد السقا عيد

0

السعادة… غاية أم وسيلة؟

بقلم:  الدكتور محمد السقا عيد

لكلمة السعادة وقع في نفسٍ سامعها، فالسعادة ليست شيئًا ملموسًا، وإنما هي احساس أو شعور يُلامسَ أعماقنا، السعادة ليست في المظاهر والشكليات، وإنما هي كامنة في نفس كل إنسان، يشعر بها بقلبهِ ووجدانهِ، وهذه السعادة نسبية وليست مُطلقة، ويختلف مفهومها من شخص لآخر، فهناك من يرى السعادة في جمع الأموال وغيره يراها في الصحة، وثالث يراها في العاطفة، وفي رأينا المُتواضع أن السعادة تكمْن في غنّى النفس وسموّها عن كل الرذائل. يختلف البشر جميعًا في تحديد مفهوم واحد جامع للسعادة، لكنهم يتفقون جميعًا على أن يحققوها ويعيشوها. فالسعادة هي مطلب وأمنية كل إنسان في هذا الوجود، وأعظم سعادة هي السعادة الروحية النابعّة من أعماق النفس، وفي كل ابتسامة على شفتي طفل بريء يبتسم من أعماقهِ ابتسامة صافية للحياة التي ليس لها هدف غير الحياة نفسها.

مفهوم السعادة وحقيقتها

كلمة السعادة من بين الكلمات التي اختلف الناس حولها؛ فمنهم من يراها قرينة اللذة أو الراحة أو المال أو المنصب أو الشهرة أو الصحة ، بينما يرونها آخرون في الزوجة أو الأولاد أو العمل أو الدراسة، وربما يراها آخرون في القرب من الحبيب أو في التخلص من مزعج أو في تبتل روحي أو مساعدة مسكين وفقير.. إلخ، وبذلك يفني كثير من الناس حياتهم في دروب شتى بحثًا عن السعادة.

ليست السعادة في المال فقد عاشت كرستينا أوناسيس ابنة الملياردير اليوناني أوناسيس حياة وصفتها بالشقاء ، وهي التي ورثت عن أبيها المليارات من الدولارات، وحين سُئلت: (هل أنتِ أغنى امرأة في العالم؟)، قالت: (نعم، أنا أغنى امرأة في العالم، ولكني أشقى امرأة في العالم أيضًا)، فبعد وفاة أبيها، تزوجت أمها من رجل آخر وعاشت حياة مأساوية انتهت بطلاقها، ومات أخوها في حادث طائرة، وتزوجت هي أربع مرات من أربع دول مختلفة وثقافات متباينة؛ أخذت تبحث عن السعادة رغم كل ما تملك، انتهت حياتها بأن وُجدت ميتة في شقة بالأرجنتين، وحيدة شريدة، وهي لم تبلغ بعد السابعة والثلاثين من عمرها، فهل أغنى عنها مالها شيئًا؟

 ولست أرى السعادة جمع مال    ولكن التقي هو السعيد

وليست السعادة في الجاه والسلطان فقد تربي المعتمد بن عباد في قصور الأندلس الإسلامية في ظل الترف والنعمة، وورث الجاه والمجد أبًا عن جد، حسب أن الجاه والصيت سيمنحانه السعادة، فعاش سنين يتمرغ فيهما، ولكن تدور الأيام عليه من بعد هذا العيش الرغيد والسلطان العتيد، ليُطرد من سلطانه، ويُنفى في صحراء الأندلس، ليعيش بعد ذلك في منزل متواضع لم يألفه، يخدم نفسه بنفسه، بعد أن كان قصره يعج بمئات الخدم، ظل في هذه الحالة حتى مات وحيدًا شريدًا غريبًا، حتى لما صلى عليه الناس لم يعرفوه، فأخذوا يدعون إلى الصلاة قائلين: (الصلاة على الغريب، الصلاة على الغريب). الوافي بالوفيات، الصفدي، (1/373) .
السعادة غاية أم وسيلة؟

أجمع العديد من الفلاسفة وعلماء الاجتماع علي أن السعادة هي أسلوب حياة وحالة مشاعر يجب أن يحافظ عليها الشخص حتى يصل إلى هدفه ومبتغاه، ولا يجب أن يجعلها هي الهدف في حد ذاته، وقد وجد العلماء أن الأشخاص الذين يقدرون السعادة بشكل كبير على أنها غاية وهدف يسعون إليه، يميلون إلى الرضا بشكل أقل عن حياتهم… السعادة داخل الشخص نفسه فلا يجب أن يبحث عن شيء وهو أساساً بداخله ما عليه سوى أن يعرف كيف يستغله ليصل إلى ما يريد. لا ينبغي ربط السعادة بشيء أبدا لأنه بزوال هذا الشيء ستزول السعادة، فالسعادة ليست غاية وإنما وسيلة للحياة. موقع الطبي.

كل منا يبحث عن السعادة في حياته، فرغم اختلاف البشر في مذاهبهم وأعراقهم، إلا أنهم يتفقون في هذه الغاية، وهي طلب السعادة، فهل السعادة لغزا؟ وما هي سبل تحقيقها يا ترى؟

السعادة عموماً هي الإحساس بالمتعة والانبساط، وهي تطمئن القلب وتشرح الصدر وتريح البال، وهي الرضا بكل شيء. السعادة تنبع من القلب، وهي شعور ناتج عن عمل يحبه الإنسان، أو يكون ناتجاً عن شيء قام به آخرون لشخص ما، فيجعله يحكم على حياته بأنها حياة جميلة ومستقرة خالية من الآلام والضغوط.

 تبدو السعادة وكأنها شيء مبالغ فيه، وأحياناً نندهش من وجود أشخاص سعداء بيننا، وقد ينتابنا شعور بأنهم يمتلكون عصا سحرية، تحقق أحلامهم وتجعلهم سعداء، لكن الحقيقة ليست كما نتصور، فسعادتهم يمكن أن تنتج من أبسط الأشياء. ومن أهم قواعد السعادة التي تضعك في خانة السعداء:

عش ببساطة مهما علا شأنك، عش اللحظة، أي عش اليوم بيومه، فلا تضيع وقتك في البكاء والتحسر على الماضي، الماضي مضى، والمستقبل لم يأتِ بعد، أما الحاضر، فهذا الذي يجب أن نعيشه ونستمتع به. كن متفائلاً، وتوقع خيراً مهما كثر البلاء، وأحسن الظن بربك، فلا تستسلم ولا تمِل للتشاؤم. أعط كثيراً ولو حرمت كثيراً، فتقديم يد العون للآخرين، يعود علينا بالنفع، ويمنحنا إحساساً بالرضا عن النفس والارتياح، وحقيقة أنك شخص نافع، يدخل السرور إلى القلب. السعادة لا تُشترى بالمال، قد يضمن لك المال التجول بحرية والسفر حول العالم وشراء الملابس الغالية، ما يمنحك السعادة التي تبحث عنها، لكنه لا يشتري السعادة.

استمتع بكل صغيرة وكبيرة في حياتك، ولا تتركها تنفلت من بين يديك، بل استمتع بكل شيء متاح، مهما كان صغيراً أو عابراً. جريدة البيان -السعادة في حياتنا -سلطان حميد الجسمي.

هرمونات السعادة

على الرغم من أنّ هذا المصطلح بات شائعًا في الآونة الأخيرة، إلّا أنّه لو بحثت حول هرمون السعادة، ستجد أنّ الأبحاث قد تناولته أحيانًا على أنّه هرمون السيروتونين وفي أحيان أخرى على أنّه الإندروفين، لكن في الواقع هناك مجموعة من الهرمونات والنواقل العصبية الكيميائية المسؤولة عن شعورنا بالسعادة، أهمها: السيروتونين، والإندروفين، والدوبامين، والأوكسيتوسين. وهذه الهرمونات هي نواقل عصبية تستخدمها خلايا الدماغ للتواصل فيما بينها، كما أنها تساعد في سلامة وصحة العقل حيث أن بقاءه ضمن المستوى الطبيعي يجعل الإنسان سعيداً، وهادئاً، وأكثر تركيزاً، وأقل قلقاً وأكثر استقراراً عاطفياً.

الخلاصة

 ليست السعادة في أن يتوفر للإنسان كل ما يريد! وإلا لكان أسعد الناس الأغنياء والرؤساء، غير أن الدراسات العلمية والمشاهدة الواقعية تنفي ذلك، وربما كان ذلك من تمام عدل الله في هذا الكون، ألا ترى سعادة كثير من الفقراء والمغمورين! بل ألا ترى سعادة كثير من الأغنياء بكثير من الأمور المعنوية التي ربما يمتلكها الفقراء أكثر منهم!

السعادة بين الوهم والحقيقة، د.ناصر العمر

 الوافي بالوفيات، الصفدي، (1/373) .

 موقع الطبي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.