فهم الغرب للسنن وفهم المسلمين لها (6) سنن الله في إهلاك الأمم
د. رمضان خميس من قطر
فهم الغرب للسنن وفهم المسلمين لها (6)
سنن الله في إهلاك الأمم
د. رمضان خميس من قطر
الناظر في واقع المسلمين فكرا وثقافة، وعملا وتطبيقا يرى مدى انحراف كثير منهم عن عطاءات القرآن الكريم، وبعدهم عن هداياته، وليس في ذلك تجني على الواقع، ولا جلد الذات ولا تشاؤم ولا نفور فالمتابع للواقع يجد أن الأمة التي أمرت بالسير والنظر لا تنظر ولا تسير، وإن سارت فللمتعة والرفاهة وإن نظرت فللإمتاع والإشباع إلا من رحم الله، على العكس من ذلك لدى الغرب الذي لم يؤمر بالسير كما أمر المسلمون ولكن الواقع المعيش الذي يحسونه، بل يدفعهم دفعا إلى ذرع الأرض واكتشاف خيراتها والإفادة منها بل الهيمنة عليها وتوجيهها ولقد عالج صاحب المنار هذه القضية في تفسيره إذ يقول: (إن سنة الله في الأمم التي ترث الأرض من بعد أهلها الأصلاء هي سنة تعالى في أهلها، فإذا كان هؤلاء قد علوا عليها؛ بسبب ظلمهم وفسادهم وجهلهم وعمى قلوبهم، فكذلك يكون شأن الوارثين لها من بعدهم إذا صاروا مثلهم في ذلك، وذلك قوله تعالى: (أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم وتطبع على قلوبهم فهم لا يستمعون) وكنا نرى الذين ورثوا ممالك المسلمين متعظين بمعنى هذه الآية من بعض الوجوه، فهم على كثرة ذنوبهم بالظلم وإفساد العقائد والأخلاق وسلب الأموال يتحرون أن يكون ظلمهم دون ظلم حكام أهل البلاد الذين أضاعوها، وعقولهم تبحث دائما في الأسباب التي يخشي أن تكون سببا لسلبها منهم؛ لأجل اتقائها، وآذانهم مرهفة مصيخة لاستماع كل خبر يتعلق بأمرها وأمر أهلها وشئون الطامعين فيها حذرا منهم أن يسلبوهم إياها.
وقد قلنا في تفسير هذه الآية: قد كان ينبغي للمسلمين، وهذا كتابهم من عند الله عز وجل أن يتقوه تعالى باتقاء كل ما قصة عليهم من ذنوب الأمم التي هلك بها من كان قبلهم، وزال ملكهم، ودانت بسببها الدولة لأعدائهم إلى آخر ما تراه.
فالغرب المتسلط يدرك أن سبب زوال ممالك بعض الإسلام هو: الظلم الواقع على أهلها من أهلها، فهم يحذرون أن يسلب ما في أيديهم إن هم وقعوا في نفس الظلم ويتحاشون ذلك ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، ويتجنبون الجهل والفساد الذي أضاع الممالك من أيديهم، فهم يقفون عمليا عند السنن ويفيدون منها بما يخدم أغراضهم ويحقق أهدافهم، ويحفظ عليهم ما استلبوه من المسلمين الغافلين.
الفرق بين علم الغرب للسنن وعلم المسلمين
ويفرق صاحب المنار بين وعي الغرب لعلم السنن ووعي المسلمين بأن علم المسلمين بالسنن غير كامل لأنهم ما أفادوا منه وإنما اعتمدوا على حكام ليس لهم علم بكتاب ولا سنة ويندر منهم من له إلمام بالتفسير والحديث ونحوهما مما يعين على تفهم علم السنن أما الغرب فمن واقع التجربة والرصد يتهيئون لما يتوقعون فيفيدون من علم السنن ما ينتفعون به.
(فإن قيل: إننا نرى غير المسلمين يعلمون في هذا العصر ما لا يعلم المسلمون من هذه السنن الاجتماعية التي أرشد إليها القرآن، ويستفيدون منها عبرا وتقوى للمضار، يظهر أثرها باستعدادهم للمصائب قبل وقوعها، حتى لا تأخذهم بغتة، وحتى يتلافوا شرورها بعد وقوعها بقدر الطاقة، وترى أكثر المسلمين جاهلين وغافلين عن ذلك، وقد فتن بعضهم بهؤلاء الإفرنج وحسبوا أنهم لا يكونون مثلهم في استمتاعهم واستعدادهم لدفع الشدائد، والاستفادة من الأحداث والوقائع، إلا إذا تركوا الإسلام ونبذوا هداية القران!! كما فتنوا هم بالمسلمين باحتقارهم لدينهم تبعا لاحتقارهم لهم، وطعنا فيه بما يظنون من تأثيره في إذلالهم وإضعافهم، فما قولك في ظلم الفريقين له، وفي انتهاء الحرب العامة الأخيرة باستيلاء غير المؤمنين على أقطار عظيمة من بلاد المسلمين؟ وكون أشد أهل هذه الأقطار استسلاما للذل وخضوعا للقهر، هم الذين يدعون الهم أصح إيمانا وأحسن إسلاما؟ حتى كان ذلك فتنة لبعض زعماء شعب سلم من الهلاك بعد أن كاد يحاط به، فظنوا أن التقيد بالإسلام سبب الهلكة والإلقاء بالأيدي إلى التهلكة، وأن في الانسلال منه المنجاة وارتقاء المملكة؟!
قلنا: إنا كشفنا أمثال هذه الشبهات في تفسير كثير من الآيات، وفي غير التفسير من المنار، وبينا مرارا أن المسلمين قد تركوا هداية القرآن في حكوماتهم ومصالحهم العامة، وفوضوا أمورهم إلى حكامهم الذين يندر أن يوجد منهم من له إلمام بتفسيره أو علم السنة، حتى من سلموا لهم بمنصب خلافة النبوة، كما تركوا هداية الكتاب والسنة في أعمال الأفراد، فأكثرهم لا يعرف من دينه إلا ما يسمعه ويراه ممن يعيش معهم من قومه، وفيه الحق والباطل والسنة والبدعة، وأقلهم يتلقى عن بعض الشيوخ بعض كتب الكلام الجدلية ألفت الرد على فلسفة نسخت وبدع باد أهلها، وكتب الفقه التقليدية الخالية من جل هداية القرآن والسنة في مثل موضوع الآيات التي نحن بصدد تفسيرها).
ويعقب على القول بأن الغرب يعلم السنن ويفيد منها بقوله: (وأما الإفرنج، فهم وإن كانوا على علم واسع بسنن الله في أحوال البشر وسائر أمور الكون، قد نالوا به ملكا عظيما في الأرض، فأكثرهم يجهل مصدر هذه السنن وحكم الله تعالى فيها، ولا يعتبرون حق الاعتبار بما تعقب الشرور والمعاصي من الفساد في الأرض، فهم كأقوام أولئك الرسل الذين لم تفدهم النعم شكر الرب المنعم، ولم تفدهم النقم تقوى الرب المنتقم، فقد استعملوا نعمه بالعلوم والفنون وتسخير قوى العالم لاستعباد الضعفاء، والسرف في فجور الأغنياء، والتقاتل على السلطان والثراء؛ ولذلك الفساد سلط الله بعضهم على بعض، وصدق عليهم قوله عز وجل: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون)…
فعلم بما ذكر وبغيره أن العلم بسنن الاجتماع والعمران لا يغني عن هداية الدين التي توقف أهواء البشر ومطامعهم أن تجمح ما لا غاية له من الشر، ولولا أن عند بعض أمم أوربة بقية قليلة منها تتفاوت في أفرادهم قوة وضعفا لحشرتهم المطامع والأحفاد صفا صفا، فذكوا معالم أرضهم التي بلغت منتهى العمران دكا دكا، فجعلوها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا بل لجعلوها بعد دك صروحها وهادا عميقة، ومهاوي سحيقة، بقذائف المدافع الضخمة التي تشق الأرض شقا، وتسحق ما فيها سحقا، على أنهم قد شرعوا، فإما أن يجهزوا وإما أن ينزعوا).
الآثار المترتبة على جهل المسلمين بالسنن
يعالج صاحب المنار الحديث عن جهل المسلمين بعلم السنن ويشخص الأسباب ويلمس الواقع الذي يدفعهم لذلك، مبينا أثر هذا الجهل بقوانين الله تعالى والإعراض عنها فيقول:
(ترى شعوب المسلمين يجهلون هذه السنن الإلهية، وما ضاع ملكهم وعزهم إلا بجهلها الذي كان سببا لعدم الاهتداء بها في العمل، وما كان سبب هذا الجهل إلا الإعراض عن القرآن، ودعوى الاستغناء عن هدايته بما كتبه لهم المتكلمون من كتب العقائد المبنية على القواعد الكلامية المبتدعة، وما كتبه الفقهاء من أحكام العبادات والمعاملات المدنية والعقوبات والحرب وما يتعلق بها، وهذه السورة الجليلة الكبيرة القدر والفوائد (الأعراف) خالية من هذه الأحكام كلها، ومن نظريات المتكلمين في العقائد وتقريرهم لها، وكذلك غيرها من السور المكية. فهل أنزل الله تعالى هذه السور كلها للتعبد بتجويد ألفاظها بدون فهم، أو لاتخاذها رقي وتمائم، وكسبا لقراء المآتم؟
وأعجب من هذا كله أن الجهل بلغ بهم بعد ذلك أن ظهر فيهم فريق خصم لهذا الفريق المقلد المحافظ على كتب القرون الوسطى دون هدي السلف، خصم يقول: إن دين الإسلام هو السبب في جهل المسلمين وضعفهم، ولا حياة لنا إلا باقتباس علم الاجتماع وسنن العمران من الأمم غير الإسلامية التي سادتنا بهذه العلوم، وما يؤيدها من الفنون والصناعات، وهؤلاء أجهل بالإسلام من أولئك، فكتاب الإسلام هو المرشد الأول لسنن الاجتماع والعمران، ولكن المسلمين قصروا في طور حياتهم العلمية عن تفصيل ذلك بالتدوين لعدم شعورهم بالحاجة إليه، وكان حقهم في هذا العصر أن يكونوا أوسع الناس به علما لأن كتاب الله مؤيد للحاجة بل الضرورة التي تدعو إليه).
وفي هذا تلخيص دقيق، ووصف عميق لواقع المسلمين، بين جمود واقف على كتب المتكلمين والمبتدعة، أو وقوف عند ما كتبه الفقهاء لزمانهم وعصرهم، وبين إنكار يتجاوز الطرف الأول ويلصق تهمة التأخر بالإسلام، وينسب إليه سبب التراجع وعدم النهوض، وكلا الفريقين يجهل أن أصل السنن وعلم الاجتماع موجود في كتاب الله تعالى.
إن صاحب المنار يحذر من البعد عن سنن الله تعالى وعدم وعيها فيقول – وهو يتناول سورة الأنعام: (إن ربك سريع العقاب وإله لغفور رحيم) أي إنه – تعالى – سريع العقاب لمن كفر به أو بنعمه وخالف شرعه وتنكب سنته، وسرعة العقاب تصدق في الدنيا والآخرة، فإن العقاب العام عبارة عما يترتب على ارتكاب الذنوب من سوء التأثير، وهو في الدنيا ما حُرِّمت لأجله من الضرر في النفس أو العقل أو العرض أو المال أو غير ذلك من الشئون الاجتماعية، فإن الذنوب ما حرمت إلا لضررها، وهو واقع مطرد في الدنيا في ذنوب الأمم وأكثري في ذنوب الأفراد، ولكنه يطرد في الآخرة بتدنيسها النفس وتدسيتها كما وضحناه مرارا، وقد يستبطئ الناس العقاب قبل وقوعه؛ لأن ما في الغيب مجهول لديهم فيستبعدونه وهو عند الله معلوم مشهود فليس ببعيد (إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا ).
ويمكن أن نلخص بعض الآثار المترتبة على إهمال المسلمين لعلم السنن في نقاط على النحو التالي:
– ضياع ملكهم وعدم أخذ العبرة من التاريخ الذي يعيد نفسه بصورة أو بأخرى على اختلاف بين المؤرخين، فلم يقف كثير من المسلمين على أسباب سقوط دولهم وأسباب نهضتها مما جعلهم يحذون حذو السابقين حذو القذة بالقذة مهما عرفوا مصيرهم ومآلهم.
– ضياع عزهم من جراء تسلط عدوهم عليهم وامتلاك خيراتهم والتحكم في سلطانهم فقد خرج الغرب من بلاد المسلمين وهو يضمن أن المسلمين أنفسهم سيعيدون الكرة ويقعن في الشرك الذي نصبوه لهم، وقد كان فلا يفيد اللاحق من السابق، ولا يعتبر بما حل به، ونظرة عجلى- فضلا المتأنية- في أسباب سقوط الدول بداية من الدولة الأموية حتى الآن ترينا بجلاء ووضوح هذا الأمر.
– اضطراب نظرتهم إلى المفاهيم لفقدانهم المرجعية الصحيحة مع وجودها وبعدهم عن مصدر الهداية على الرغم من وضوحه وثباته.
*من كتاب سنن الله في إهلاك الأمم دراسة في تفسير المنار*