غزة التي نعرف ونريد
للدكتور وائل الزرد من فلسطين
كنتُ مشاركًا مساء يوم الجمعة في ملتقى دعوي، أقامه الأخوة في مسجد الفرقان بإشراف من الأخ الحبيب: حبيب الوحيدي “أبو عزيز”، وهو اسمٌ على مسمى، فهو حبيبٌ وعزيزٌ كذلك، وقد سعدتُ كثيرًا بإقامة هذا الملتقى على شاطئ بحر غزة، لا في داخل المسجد، وقد تسنَّى للناس المارة أن يشاهدوا بعضًا من فقرات الملتقى، مما يساهم هذا الفعل في إسماع الدعوة إلى أكبر كمٍّ ممكن من الناس.
وكان أن اختار الإخوة -ربي يوفقهم جميعًا- أن تكون كلمة الملتقى عليَّ، ظنًّا منهم بأني المناسب في مثل هذه الملتقيات على شاطئ البحر، وأسأل الله العظيم أن يجلني خيرًا مما يظنون، وأن يغفر لي ما لا يعلمون، وشكر الله لهم حُسنَ ظنهم، وكريم اختيارهم.
لمَّا وقفتُ أمام الحاضرين، وهم متنوعون، بين رجل كبير وشاب وطفل صغير، بين رجل وامرأة، بين جالس وواقف، بين مشارك وماشٍ مارٍّ، حمدتُ الله وصليتُ على نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- ثم قلت: “هذه غزةُ التي نعرف…”
غزةُ التي نعرف: هي غزة المساجد ومراكز تحفيظ القرآن الكريم، غزة التي تُفتح فيها المساجد أبوابها للقادمين، وتستقبل المصلين من الرجال والنساء، فيها شبابٌ كل مَن فيهم أبِيٌّ، يُحيون بيوتَ الله بالأيام الإيمانية، والأمسيات الثقافية، والأسابيع الدعوية، فيؤمر الناس بالمعروف -بالمعروف- ويُنهى الناس عن المنكر -بلا منكر- وفق خطة دعوية وسطية معتدلة، يسير عليها كل اللجان الدعوية في المساجد.
غزةُ التي نعرف: هي غزة التي ينتقل فيها الأبناء والبنات من مرحلة في تجويد وتلاوة القرآن الكريم إلى مرحلة أخرى، في تناسق جميل ورائع، على أيدي شيوخ أثبات كرام، يعطون الأبناء أفضل أوقاتهم وخلاصة تجاربهم، مع متابعة كريمة من دار القرآن الكريم والسنة، وقد كان من نتاج ما قدموا مشروع كبير، أسماه الإخوة ب: صفوة الحفاظ، حيث يجلس حفظة القرآن الكريم ليقرأوا القرآن الكريم كاملًا على جلسة واحدة، في مشهد رائع بديع، يستمطر الرحمة من السماء.
غزةُ التي نعرف: هي التي لفظت الفاسدين المفسدين، المتاجرين بالدماء والأرواح، المروجين للخمر والمخدرات، هي غزة التي لا مكان فيها لما يفسد العقل والدين، هي غزة التي يُلاحق فيها كل من أراد بالشباب شرًّا، هي غزة التي تلفظ الخبث والزنا والخَنا والخيانة والدياثة، هي غزة التي
غزةُ التي نعرف: هي التي يكون فيها الشباب فرسانًا في النهار في ميادين الدعوة والعمل والتربية والبناء، وفرسانًا -رهبانًا- في الليل في ميادين العمل العسكري، تحت الأرض وفوق الأرض، يتحملون في سبيل ذلك المتاعب والمصاعب، عن طواعية ورضا نفس، يعملون ابتغاء مرضات الله، ونظرهم إلى ساعة الصفر، وعيونهم نحو انتظار الإشارة، يقولون: متى يحين اللقاء لنطهر ثرى فلسطين من دنس المحتلين؟
غزةُ التي نعرف: هي غزة التي يُبحث فيها عن الرزق ضربًا في الأرض، رغم الحصار والتضيق والاحتلال، يُستخرج فيها مصبوغًا بالدم والآه، ولا يجد الناس حرجًا في الجمع بين عِمارة الدنيا وعمارة الآخرة، فنحن قومٌ وسطيون معتدلون، أبناء هذه الآية {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} فتجد التجار ورجال الأعمال يكدون ويكدحون دون ملل أو كلل، يمزجون بين سعيهم في طلب الرزق وبين عملهم للآخرة، فيجلبون المال بتعب وكدٍّ من حلال، وينفقونه على كل الأنشطة الدعوية والعملية والجهادية، ابتغاء رضوان الله وتثبيًا من أنفسهم.
غزة التي نعرف: هي التي ينشغل أبناؤها بصناعة الجيل على الخير والآداب، فتراهم في الصباح في الجامعات طلابًا، وبعد العصر في الدنيا عمَّالًا وتجارًا، وبعد المغرب محفظين وحفَّاظًا، وبعد العشاء طلاب علم ينتقلون من مسجد لمسجد، يلحقون حلق الذكر ويجتمعون لها، وأما بعد العاشرة مساءً، فقد جاء وقت عطائهم وفدائهم وتضحيتهم، فلو بحثتَ عنهم تجدهم في مواطن العزة والشرف والكرامة، فأكرِم بهم من شباب.
هذه غزة التي نعرف، وهذه غزة التي نريد، وسلام