غزة الجراح (قصيدة)
أبو علي الصُّبَيْح
الشمسُ شمسي وهذا الليلُ راحلتي
سأمتطيها وأغزو الكونَ بالقلمِ
سلالمُ النورِ من صبري سأوقِدُها
إلى النجومِ صعودا ً دونما بَرَمِ
وفي القدس فلي دارٌ مؤثَّلةٌ
و قومُها الصيدُ مامونٌ كمعتصِمِ
لو أنَّ في هامةِ الجوزاءِ أمنيَتي
لما دنا الريبُ في خطوي إلى حُلُمي
انا القدس ُ أراني كلما اقترَبتْ
عندي النهاياتُ لاتُفضي إلى عَدمِ
المانعُ الغَيثَ من قطرٍ إذا اعتسَفَتْ
منهُ الرياحُ على ارضٍ كمُنتَقِِمِ
المُرْسلُ العَدْلَ إنْ عَزَّتْ منابِعُهُ
والمُهلِكُ الظُّلمَ من بطْشٍ بلا نَدَمِ
الحَرفُ عندي وذي تترى طلائعُهُ
والسومريونَ اجدادي منَ القِدَمِ
مَنْ ذا على ساحتي يدنو مفاخرةً
فعندَ وصفي يَحارُ العَقْلُ بالكَلِمِ
كانت ولمّا تزلْ القدس أُغنِيَتي
والحكمُ فيها على الاعرابِ والعجمِ
==========
غزة الــجـراح تـأجّـلتْ أمطارُها = ونمت على نزف الدما أشجارُها
واعشوشبت فيـهـا بـراكـين الردى = وزهـت عــلى آلآمها أزهارُها
مدني غيابات يُؤجَّلُ مــــوتها = عنــد الـــــغروب ويستباح مسارُها
أرضي مصــادرةٌ شظايا رمـلِهـا = وتـمـوت عطشـى للنهار ثمارُها
نثرَتْ بأنـفاس الحـنيـنِ حنينها = وعــلى مدارِ الأفــقِ غاب مدارُها
وخيولُ ريحِ الصمت تركض للمدى = تعبى ويعرجُ للغيابِ غُبارُها
وتُثيرُ فيــهــــا الــذكريات رحيلها = وأصابعُ الأحزان تَـمْطُرُ نارُها
وتشيلُ أكتافي زحــــوفَ مآتمي = عـبــئاً ويرحلُ بالحروف نهارُها
ورواحلي حَمَلتْ بكــــفِّ ضـياعِها = يُتْمـي وتُنْكِرُ بوحَها أسرارُها
وعباءتي لَــمَّ الــــرحيلُ خيوطَها = ورمى سُراها وانحنت أعطارُها
ودمي يُغادِرُ عن عروقي مُبْــعــدا = وتدوسني قدمُ الـدجى وأُوارُها
مِــــــنْ أينَ والمطرُ المقيتُ مسافرٌ = عنّا ومَلَّتْ من سماي جرارُها
لَبِسَــتْ مـداراتـــي يــداي تـفحَّمَت = وزهَـت بأنواعِ الشقا أغوارُها
وجــراحُ مــوتٍ أينعت مجهولةً = ومشى إلى المجهولِ فيه قطارُها
هــذي بــلادي خـبـَّـأت بفــم الدجى = أسرارَها وتعاظمت أخطارُها
وتَمايَزَتْ والموتُ خاصمَ جـــثةً = مُــذ راحَ يَخْرِقُ للدروبِ دُوارُها
وتـناثـرتْ حُـفَـرٌ بـقــايا أنَّـــةٍ = صَــــرخَتْ وتشكو صمتَنا أشبارُها
قـــد ترْحَـلُ الدنيا ولكـن في دمي = بــاقٍ نزيفي ما حَوتْهُ بـِحــارُها
ويــظـــلُّ شـعــري ثورةً محفوفةً = بـوعيدِها وغـدُ النشورِ مَطارُها
مـُدني بها جـفَّ النهارُ وأثمرَتْ = عَـطشاً وماتت بالسراب ثـِمارُها
صارت يبابــاً مثـلَ روحِ قصائدي = وغدت جروحَ سنابلي أوتارُها
وتيـبَّــسـت رئتــي تــزوَّجها اللظى = مـذ أنجـبت فـيها المآتمَ دارُها
ومُذِ استفاقَ على جنوحِ غـزاتِنا = واستأصلَ الحلمَ الشفيف سعارُها
كلّ الذين تزوَّجوا لــــــم يُنْجِبوا = الآيَ ضــمَّت قــامـتي أحجـارُها
مُـذْ جـئتُ والمنفي يُراودُ عالمي = ومآذني فــيـها الْتَــوَتْ أسْحارُها
وبـكى الأذانُ فــغيَّــبوا أنـفاسَهُ = ونَـعــى محاريبَ الركــوعِ نِفارُها
وبكتْ فوانيسي فــفــزَّتْ دمـعـتـي = وجَـرَتْ تـَخُـدُّ بـمقـلـتـي آثارُها
وشكـتْ زمانَ الفـوضوية غابتي = ورمى سلاسلـه بـهـا منـشـارهـا
يجـتثُّ لا يـعـيا شـبـابَ ربــوعِـنـا = فـتـشـيـلُ تابـــوتي إليَّ قـفارها
طــاروا على كفِّ العذابِ حمائماً = خُضْراً وينقُـل روحهم منـقارُها
هــشَّتْ لـهـم أبوابُ جَـنـّةَ مَنْ دحَا = بُـرْجَ الوجودِ بهم يشبُّ أُوارُها
وتساقطوا ورقَ الخريفِ وما انْحَـنَتْ = قاماتُهـم وتكـوَّرت أقـدارُها
كـلا ومـا زالـتْ هـنـا أسماؤهم = فـي مـرفأ الأنـفاسِ يمـطــرُ ثارُها
وطني زحوفُ الموتِ فيه تشابكــتْ = أشـكالُـــهُ وبـه عـلا إنــذارُها
وتـعـدَّدتْ ألــوانُه فار الجوى = غـيضـاً ولاحَتْ في البُروقِ مِهارُها
ومـــآتـمٌ حـاراتُـه مــــدّ الـمـدى = صـنـعَـت بـه لـونَ الدمار كبارُها
والأرضُ ما زالـتْ بـها يَـلِدُ الردى = وتعدُّ للفلقِ القريــبِ عِسارُها
فالـفجـرُ آتٍ والأقصى الملتــقى = والأرض أرضي والشَّـرارُ شَـرارُهــا
وتعـودُ مـن عدمٍ خيولٌ غادرتْ = وتعدّ ميلادَ الضحى (أخـبـارُهـــا)