حكم صلاة الجمعة على الشواطئ |سلسلة فقه الجمعة
جمع وتنسيق: عثمان غفاري
حكم صلاة الجمعة على الشواطئ|سلسلة فقه الجمعة
جمع وتنسيق: عثمان غفاري
صلاة الجمعة واجبة على كل ذكر بالغ عاقل حر مقيم مستطيع، ومن كان كذلك فليحرص على ألا يسافر، أو يخرج من البلد بعد الزوال (وقت الظهر)، ويكره له السفر قبل الزوال، إلا إن كان سيصليها في بلدة أو قرية يمر عليها.
وإن كان السفر أو الخروج للنزهة ونحوها، قبل الزوال، وكان ذلك يؤدي إلى ضياع الجمعة فمن أهل العلم من كره ذلك، ومنهم من أفتى بتحريمه، ولا حرج عليهم إن تيسر لهم صلاة الجمعة في رحلتهم، وحضروا صلاة الجمعة وأدوها، أما إذا ترتب على رحلتهم فوات صلاة الجمعة فلا تجوز الرحلة، يبقى السؤال المطروح وهل يصح لهم إقامتها في مكان التنزه أو الشاطئ أو مخيمات التصييف؟
هنا اختلف العلماء واختلافهم مرده إلى اختلافهم في شروط الجمعة، فيرى البعض في إقامتها مخالفة لشروط صحتها حيث اشترط الجامع والاستيطان لإقامة الجمعات، فلا يصح أن يقيم الجمعة إلا أناس مستوطنون، بمدينة أو قرية، ولا يصح لأهل النزهة والرحلة إقامتها، جاء في “منار السبيل” (1/ 143) في شروط صحة الجمعة: “الثاني: (أن تكون بقرية، ولو من قصب)؛ فأما أهل الخيام، وبيوت الشعر: فلا جمعة لهم؛ لأن ذلك لا يُنصب للاستيطان. وكانت قبائل العرب حول المدينة، فلم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بجمعة”، وقال ابن عاشر:
بجامع على مقيم ما انعذر * حر قريب بفرسخ ظهر
كما جاء في الخلاصة الفقهية:” لا تصح الجمعة إلا في جامع فلا تصح في البيوت ولا في براح من الأرض ولا في خان ولا في رحبة دار”.
وحسب هذا الرأي فإنه إن انتفت صفة السفر عن المصطافين، فالجمعة واجبة عليهم، ويتعين إن كان بقربهم مدينة أو قرية بها جمعة مقامة، بحيث يسمعون النداء لزمهم الحضور لها، وإن لم يكن صلوا الظهر، ولا يصح أن يقيموا الجمعة.
في حين يرى البعض الآخر جواز إقامتها على الشواطئ وفي أماكن التَّنزُّه، فكما أن المحافظة على أداء الصلاة في وقتها قربةٌ عظيمة من أحب الأعمال إلى الله؛ فكذلك إقامة الشعائر وتعظيمها في أماكن الغفلة والفتنة قربة ودعوة لله تعالى، وفضائلها أعظم من تركها والاكتفاء بصلاة الظهر قال سيدنا رسول الله ﷺ: «ما مِنَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلاةٌ مَكْتُوبَةٌ فيُحْسِنُ وُضُوءَها وخُشُوعَها ورُكُوعَها، إلَّا كانَتْ كَفَّارَةً لِما قَبْلَها مِنَ الذُّنُوبِ، ما لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةً، وذلكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ». [أخرجه مسلم]، وليس المشكل في اشتراط الجامع ولكن في اشتراط شروط له حتى ضيقنا واسعا وحجرنا على المكلفين فلحقهم الضرر، والقاعدة تقول الضرر يزال.
فلا تعارض بين التمسّك بفرائض الإسلام وآدابه وبين الاستمتاع بالحياة والترويح المباح، فالمسلم يُراعِي حق ربه سبحانه في جميع أحواله، وتجوز صلاة المسلم في أماكن التَّنزُّه العامة كالشواطئ والحدائق ونحوهما منفردًا أو في جماعة، مع مراعاة حقوق المارَّة والمتنزّهين، وأماكن جلوسهم، ومن الأفضل أن يتخيّر المصلي مكانًا بعيدًا عن الضوضاء والتجمعات؛ ليكون ذلك عونًا له على الخشوع في الصلاة، ونفس الأمر بخصوص صلاة الجمعة إن تعذر وتعسر حضورها بالجامع لانتفائه أو بعده.
كما يجوز وضوء المسلم بماء البحر؛ فقد قال سيدنا رسول الله ﷺ عنه: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ». [أخرجه أبو داود]، وطهارة ثوب المصلي وبدنه ومكانه، وستر عورته من شروط الصلاة التي لا تصح إلا بها، والصلاة على رمال الشواطئ أو حشائش الحدائق جائزة إذا مكن المصلي جبهته، وانكبس تحته الرمل، واستقر برأسه عند السجود عليه، وقد روى أحمد (2604) ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: ” سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الصَّلاةِ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (خَلِّلْ أَصَابِعَ يَدَيْكَ وَرِجْلَيْكَ) – يَعْنِي إِسْبَاغَ الْوُضُوءِ – «. وَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُ: (إِذَا رَكَعْتَ، فَضَعْ كَفَّيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ حَتَّى تَطْمَئِنَّ – وَقَالَ الْهَاشِمِيُّ مَرَّةً: حَتَّى تَطْمَئِنَّا – وَإِذَا سَجَدْتَ فَأَمْكِنْ جَبْهَتَكَ مِنَ الأَرْضِ، حَتَّى تَجِدَ حَجْمَ الأَرْضِ)،و لا حرج في الصلاة على الشاطئ طالما أن موطن الصلاة طاهر، وإن صلى المسلم على سجادة صلاة، فهو أمر حسن، وعلى المسلم أن يرتدي من الثياب ما يليق بأداء فريضة الصلاة، وأن يراعي جلال ربه سبحانه، وأقل ما يجزئ في ستر عورة المسلم في الصلاة ستر ما بين سُرَّته ورُكبته، وزاد بعضُ الفقهاء أن يكون على كتفيه شيء من ثيابه، وصلاة المرأة في بيتها خير من صلاتها خارجه، ولكن إن خشيت فوات وقت صلاةٍ وهي في مكانٍ عامٍّ؛ بحثت عن مكان تستتر فيه، وأدَّت صلاتها، فإن لم تجد، واتخذت ساترًا كجدار أو شجرة، وصلَّت، مع التزامها بالحجاب والسِّتر الكامل؛ صحَّت صلاتُها، فإن لم تجد ساترًا من جدار ونحوه، وصلَّت دونه، مع التزامٍ تامٍّ بالحجاب والسِّتر؛ صحّت صلاتها، وإن كان يُستحبّ لها أن تضم بعضها إلى بعض حال الرُّكوع والسجود، وألَّا تُطيل فيهما، ورؤية الرجال الأجانب للمرأة أثناء صلاتها لا يُبطلها، مع ضرورة التزامها بالحجاب والستر.
وتجوز صلاة المسلم (ة) مرتديًا حذاءه، ما دام طاهرًا، وإن سافر المسلم للتنزه والترويح، يجوز له قَصْر الصلاة وجمعُها في المكان الذي سافر إليه، بشرط أن تكون مسافة السفر 81 كم تقريبًا، وأن تكون مدة إقامته فيه ثلاثة أيام غير يومي الدخول والخروج، فإن زادت المدة أتمَّ الصلاة من اليوم الأول، وقصر الصلاة خاص بالصلاة الرباعية، أمّا المغرب والفجر فيصليان على هيئتهما المعهودة، عند جمع الصلاة، ويجوز أن تُؤدَّى صلاة الظهر والعصر في وقت الظهر أو في وقت العصر، كما يجوز أن تُؤدَّى صلاة المغرب والعشاء على النحو نفسه، ويُصلَّى الفجر في وقته المقرر شرعًا.
وعليه نقول الأفضل صلاة الجمعة في الجامع ولكن لا حرج على من أقامها بالشاطئ، ولا يلزمه إعادة صلاة الظهر؛ لأنه صحت الجمعة منه، والله أعلم، لكن يشترط للصلاة على شاطئ البحر أمور ستة وهي:
الأول: دخول الوقت: لقوله تعالى: «إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا».
الثاني والثالث: الطهارة وتشمل الثوب والبدن والمكان والحدثين الأصغر والأكبر، بالوضوء والغسل أو التيمم لقوله تعالى: «وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ» ولقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ»: «وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ”
الرابع ستر العورة، وحدُّ عورة الرجل الواجب سترُها ما بين السُّرَّة والركبة؛ لقول النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – لجرهد: «غطِّ فخذَك، فإنَّ الفَخِذ عورة»، ولقوله تعالى: «خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ»، وقال ابن عباس: الثياب في الصلاة. ولقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةَ حَائِضٍ إِلاَّ بِخِمَارٍ» رواه الخمسة إلا النسائي والحاكم، والخمار ما يغطي به رأس المرأة.
الشرط الخامس فيكون باستقبال القبلة لقوله تعالى: «وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ»، وهذا الشرط خاص بالنسبة للفريضة أما صلاة النافلة فإن للراكب أن يتجه فيها حيث اتجه به مركوبه ولو خالف جهة القبلة.
الشرط السادس فالنية: فهي من شروط صحة الصلاة عند جمهور أهل العلم لقوله صلى الله عليه وسلم: “إنما الأعمال بالنيات”
ولا يجوز للمسلِم أن يقصد الشواطئ التي يُعصَى فيها اللهُ تعالى، سواء بكشْف العورات أو شُرْب الخمور، أو غير ذلك؛ قال سبحانه في صِفة المؤمنين: «وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا» [الفرقان: 72].