منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أعتقونا لوجه الله

أعتقونا لوجه الله/ أشرف شعبان أبو أحمد

0

 أعتقونا لوجه الله

بقلم: أشرف شعبان أبو أحمد

بداية فإن تجارة الرقيق أو العبودية، تجارة كانت متأصلة في الشعوب القديمة، وقد سبقت السجلات التاريخية المكتوبة، فقد كانت موجودة في العديد من الثقافات، كانت سائدة في روما أيام الإمبراطورية الرومانية، وقامت على أكتافهم بنايات الحضارات الكبرى، وقد مارسها الأوربيون، كانوا يرسلون الأفارقة قسرا ليفلحوا الأراضي الأمريكية، كما مارس البرتغاليون النخاسة، ومارستها أسبانيا، كما دخلت انجلترا حلبة تجارة العبيد، وتلتها البرتغال وفرنسا والدنمارك، كما مارسها العرب من قبل ظهور الإسلام، وكانت الدنمارك أول دولة تلغي تجارة العبيد، وتبعتها بريطانيا وأمريكا، ثم عقدت دول أوربا معاهدة منع تجارة العبيد، وتوالت بعد ذلك الدول في تحرير العبيد، وقد عقدت عصبة الأمم مؤتمرا قررت فيه منع تجارة العبيد وإلغاء العبودية بشتى أشكالها، وأصبحت العبودية فيما بعد محظورة تماما، ومع مرور أكثر من قرن على هذا المؤتمر، يزداد كل يوم وضوحا أن مازال الكثير والكثير جدا من القاطنين في أرجاء المعمورة بأركانها الأربعة في حالة استعباد تام أو أقرب إليه من أن يكونوا أحرارا كما يظنون، ولكن بطرق ووسائل غير التي كانت شائعة سابقا، حين كان الاستعباد محصورا في إغارة بعض القبائل على بعض، وأسر الرجال والأطفال، وسبي النساء، والاستيلاء على ما يمكن حمله من متاع وخلافه، أو القيام بقطع الطرق وخطف بعض المارة والسطو عليهم قبائل كانوا أو أفرادا، واستخدام العنف والتهديد والإكراه والابتزاز، أو إهداء بعض الرقيق وخاصة النساء من قبل ذويهم إلى آخرين. ثم صار إلى قيام بعض الدول باختطاف أبناء دول أخرى واستجلابهم كعبيد، أو احتلال دولة لأخرى، تستعبد شعبها وتستخدمه في أعمال السخرة، بما يخدم مصالحها في هذه البلد ونقل ما يمكنها نقله إلى البلد الأم. ومع موجات التحرر من الاستعمار، أخذ الرق شكلا آخر، وهو سيطرة بعض أبناء هذه البلاد على الحكم فيها بالقوة العسكرية، وما ترتب على ذلك من استيلائهم على خيرات هذه البلاد واستعباد شعوبها، بكل ما تحمله الكلمة من معاني، استعبادا لا يبعد قيد أنملة عن أبشع صور الاستعباد في عصوره السحيقة. ومن طرق العبودية القديمة والتي مازالت قائمة في عصرنا هذا، هؤلاء الذين يولدون ويتعاملون تلقائيا كممتلكات شخصية لسيدهم، حيث يمتلك رقابهم منذ ولادتهم، ويتحكم في مصائرهم، وفي أمزجتهم وأهوائهم وغرائزهم وشهواتهم وأفكارهم وتعليمهم وزواجهم وإنجابهم، كما هو الحال في معظم الدول التي يتوارث الحكم فيها الأبناء عن الآباء وعن الأجداد. ومن الناس من درج على تقديس من بيده السلطة، وإكبار ذو الجاه والشهرة، وعلى إجلال صاحب المال والثروة، وإعطاء من يتحلى بهذه الصفات أكبر مما ينبغي من التوقير والإعزاز، بل والمبالغة في تقديسه وتعظيمه. ومن الملاحظ أن جميع بلدان العالم التي تفتقر إلى التعليم والعدالة والمساواة والحرية في مختلف مجالاتها، وذات بنية اجتماعية ضعيفة، ويزداد الفقر فيها، تعتبر بيئة صالحة ومثالية لفرض العبودية من قبل الحكام وقبولها من قبل الشعوب.

وبمعرفة الغرض من الاسترقاق، ستتضح الرؤية للكثير هل مازالوا مستعبدين أم نالوا حريتهم كما يقال ويشاع!!!. فالغرض من استعباد الرجال كان ولازال هو تسخيرهم، بما لا يطيقون من عمل، وفيما ما لا يؤجرون عليه، أو يؤجرون بأقل القليل، وفي شتى أنواع الأعمال والخدمات، وخاصة الرديء والدنيء منها، وفي ظروف قاسية يتعرضون فيها لمخاطر شتى، ولذا فمنهم من يعمل على مدار الساعة، لتوفير احتياجاته أو للوفاء بدين عليه، وإن عجز على سداده يساء إليه ولأسرته، وقد يؤخذ أحد أفرادها رهينة أو يضطر لبيعه لسداد ما عليه، تفاديا للحبس وتشرد أسرته من بعده، كما تشمل أعمال السخرة للرجال التجنيد الإجباري، حيث يخضع المجندون للسيطرة الكاملة، وتفرض قيود على تحركاتهم وأنشطتهم، وغالبا ما يقوم المجندون بالعمل في مشاريع غير مرتبطة بالدفاع عن البلاد، أو في خدمة القادة في منازلهم ومشاريعهم الخاصة، ويتشابه معهم السجناء حيث يتعرضون للعمل القسري في الأعمال الإنشائية والبنائية الشاقة غير المأجورة، ويأتي من بعدهم من تقوم الحكومات بتوظيفهم للعمل في داوينها ومصالحها بأجر زهيد، لا يسمن ولا يغني من جوع. وبناء على ذلك، فكل من لم يجد عملا مناسبا لقدراته ومؤهلاته، وبدخل مادي يوفر له حاجاته الضرورية، وفي ساعات محددة، بحيث يقضي وقتا كافيا من يومه في رعاية أسرته وممارسة هوايته، وتنمية مواهبه أو الترويح عن نفسه، فهو مازال في حالة استعباد. أما النساء فكانت تستعبد لغرض المتعة بمختلف أشكالها، وتلبية المطالب الجنسية، واستغلالهن في الدعارة، فكل امرأة تقيم علاقة مع أي رجل بدون رباط شرعي، وتتنقل بين أحضان الرجال تحت أي مسمى وتحت أي مزاعم، وكل فتاة تتعرى وتعرض جسدها للمشاهدين، وكل مراهقة تحمل سفاحا، وإما أن تجهض أو تعرض طفلها لمن يريد تربيته، وكل ابنة تكره على الزواج بما هو ليس كفء لها، ولا يناسبها شكلا ولا موضوعا، أو مازالت في ريعان الطفولة لا تستطيعه وتحمل تبعاته، أو كل سيدة تجبر على استخدامها كوعاء لتحقيق رغبة زوجين لم ينجبا في الحصول على طفل، أي في الحمل بالإنابة أو نقل البويضات، وسواء بأجر أم بدون، فهي مازالت في حالة استعباد. أما الأطفال فكان استعبادهم لاستغلالهم جنسيا أو بيعهم لبعض الأسر التي لم ترزق بالأطفال، أو استخدامهم في الأعمال المنزلية، أو التسول أو تجنيدهم في الحروب، بل استجد عليهم استغلالهم عن طريق نزع الأعضاء والأنسجة، وفي بعض الدول خاصة الغربية تعتبر نفسها هي مالكة الأطفال، أما الوالدين فهما مجرد مربين حالهم حال مربي الأبقار، عليهم الالتزام بما حددته لهم الدولة وجيشها من المختصين التربويين، وإلا انتزعتهم منهم، لتقدمهم لمربين آخرين، فهذا ما يحدث لهم في عصرنا هذا، فهل تغير عن ذي قبل، وهل نال الأطفال حريتهم.

فضلا عما سبق، فهناك عدة ظواهر أينما وجدت، كثر معها المعبودات من دون الله، ووجدت العبودية في أي من صورها: فطالما هناك من يعتقدون إنهم ما خلقوا إلا ليسودوا ويحكموا، وما خلق غيرهم إلا لخدمتهم مقهورين، والانصياع إليهم مذلولين، والائتمار بأمرهم مجبورين، وسواء كان هذا الاعتقاد لفرد أو لطبقة أو لجماعة أو لهيئة أو لدولة، وسواء تغيرت أوصاف هؤلاء السادة وهيئاتهم ولهجاتهم بين الحين والآخر أم لم تتغير، فلا يخرج مطمعهم ومطمحهم عن استعباد الناس كافة، بأي طريقة أو وسيلة ومهما كلفهم هذا الأمر. من هؤلاء من يوهمون شعوبهم بأنهم أحرار، من خلال منحهم حرية مطلقة في ممارسة غرائزهم، وتناولهم للمسكرات والمحرمات بأنواعها، كيفما يحلو لهم وبدون ضابط ولا رابط، والتحدث في كثير من الأمور التي تخص الدولة وسياستها الداخلية والخارجية عبر أجهزة الأعلام بدون رقيب ولا حسيب، وهو ما لا يتوفر في الغالبية العظمى من دول أخرى، واختيار ممثلين لهم في المجالس التشريعية والنيابية، ولم يكترثوا بكيفما ينجح هؤلاء، ولمن ينجحوا، والغرض الحقيقي من وراء نجاحهم، وإلى أين تقدوهم تشريعاتهم هذه التي تبيح ما نهى الله عنه، فضلا عن ما يرونه من تداول السلطة والذي تتباهي به هذه الدول، رغم إن في أكثرها لا يتناولها إلا حزبين لا أكثر، كما لو كانت مباراة كرة، يتقاسم الفريقان طوال شوطيها امتلاك الكرة، ورغم ما يعلن ويذاع عن دور المال والدعاية وتوجيه الآراء كما يراد لها وحسب ما هو محدد ومخطط له سابقا. ومن هؤلاء أيضا من يظنون ويشاعون إنهم مبعوثي العناية الإلهية، وممثلي الله في الأرض، وقد اختارهم المولى عز وجل واصطفاهم ليكونوا أولياء على البشر، حكاما ومستعبدين لهم، يعلون على كل خلق الله، ويتكبرون عليهم، يوحون إليهم بأنهم ينفردون بصفات وقدرات عن سائر البشر أودعها الله فيهم، وعلى هذا فهم يوصفون بكل كمال، منزهين عن كل عيب ونقص، أفعالهم صادره عن تمام الحكمة والمصلحة، وما ينطقون به مقدسا، لا يأتيهم الباطل لا من قريب ولا من بعيد، لا يسألون عما يفعلون، فهم ليس موضعا للنقد ولا للمعارضة من أحد، مقاليد الأمور كلها يجب أن تكون بيدهم وحدهم. وطالما هناك من يشعر بأنه لا قيمة له، ولا لحياته، وأن قيمته لا تتعدى قيمة أي دابة أو غلة تباع وتشترى، وتنتقل من مالك إلى مالك، ومن مكان إلى آخر، وعندما تمرض أو تشيخ أو تتلف، إما أن تترك تصارع الموت، أو تلقى فيما يشبه مكب النفايات، أو تقتل وتستخدم أعضاؤها كقطع غيار، ويقدم ما بقي من جسدها طعاما للحيوانات، ومادام هو على قيد الحياة، فجسده ووقته وماله وعرضه مباحون لسيده يستغلهم كيفما ووقتما يشاء ويهوى، فهو لا يملك من أمره شيئا، تجده منهك القوى من ساعات العمل الطويلة وقلة الزاد والزواد، التي لا تسمن ولا تغني من جوع، ولا تقيم له صلبا، تكاد تكفيه ليطوي ليله، في انتظار غد آخر في مسيرة العبودية، لا يكترث بالحياة ولا يهتم بها، شعاره دعونا نأكل ونشرب ونتناسل، وهذا هو هدفنا في الحياة، لا نريد منها غير ذلك، ولا أكثر من ذلك، لا بهمنا من يملكنا أو من يحكمنا، مستعمرا كان أم ابن بلد، ظالما كان أم عادلا، فماذا أفادتنا الحرية، إلا أن بعض المثقفين ورجال الفكر والسياسة، اتخذونا مادة لأمسياتهم وحواراتهم، يرتزقون منها، وتسير بهم أجهزة الأعلام بذلك نحو الشهرة، وطالما وجد من يفضل العمل تحت إمرة سيد أو سلطة تحكمه، تسير له أمور حياته، ويساق إليها سوقا، سواء كان هذا السيد شخصا حقيقيا أو اعتباريا، ومن يتمتع بخضوعه أمام من يظن أنهم أولياء نعمته، فرحا بهذا الخضوع، منتشيا بهذا الانسحاق المذل، ولو ذهب سيده هذا لبحث عن آخر، وكلما أزاح عن كاهله طاغية، استنجد بآخر، وأقصى طموحاته أن يكون أقل قسوة وجورا عن سابقه، لا شأن له بما يدور حوله من أمور، فهو لا يسمع ولا يرى ولا يتكلم إلا بما يسمح له، سلم عقله وحواسه لسيده يوجهها حيث رأى ويسيرها حيثما أراد، يستسلم للإملاءات التي تفرض عليه، مطيعا لها لأقصى حد، خاضعا لما يريده سيده، ولا يعصي له أمرا، فلا يقبل منه أي نقاش ولا يسمح له إبداء رأي أو وجهة نظر، فاقدا لقدرته في التعبير حتى عن همومه وإحزانه وعن أفراحه وأشجانه، أو اتخاذ أي قرار يخص ذاته، فهو مسلوب الحرية، منزوع الإرادة، مقهور النفس، مهزوم الروح، لا انتماء له ولا ولاء عنده إلا لسيده وحده، يتبارى في الدفاع عن سيده، وتبرير صنيعه، واعتراض نقده، أو الانتقاص منه، أو التحريض عليه، وان كان على خطأ فادح وصارخ، يدرك أن سيده يتفنن في إذلاله، وهو نفسه جلاده، ولا ينبس ببنت شفة، ويعلم أن سيده يريده غارقا في الفقر والمرض والجهل والعنف والدمار، ولا يتفوه بشيء، وعلى يقين بأن سيده لا يحتاجه إلا ليستخدمه في الهجوم على منافسيه وخصومه وتشويه صورتهم ونهب ممتلكاتهم، أو للتوجّه إلى صناديق الاقتراع لالتقاط صورا زائفة عن إقبال العبيد على الإدلاء بأصواتهم لصالحه، تمسحه بسيده وتذلله له، كتمسح الحيوانات وتذللها لمربيها، ولمن يطعمها ويسقيها، يقدم كل آيات الخنوع من أجل تجنب غضبه، واتقاء شره، وكسب وده، ونيل رضاه، والعيش بأمان في كنف رعايته، يقتطع من مدخراته لتقدم كقرابين لسيده تختلف مسمياتها وماهيتها من مكان لآخر ومن زمان لآخر، منكسا رأسه دائما، لا يرفع بصره تجاه سيده، انحناؤه أمام سيده أو أمام تماثيله وصوره أقرب إلى الركوع من الانتصاب قائما، لا يكف ولا يمل عن تقبيل يده وأحذيته، وهكذا تدور به الدائرة حتى يحين أجله، التجسس على الغير ونقل أخبارهم وأفكارهم وتحركاتهم من شيمته، بل والإساءة إليهم والتشكيك في إخلاصهم لإثبات وفائه لسيده، وإبراز شخصه على إنه على كفاءة عن غيره ويستحق أكثر مما هو عليه،كاذبا بطبعه، يظهر عكس ما يبطن، النفاق والتذلل والتودد منهجه، يتمسكن إلى أن يتمكن، له عدة أوجه، وعدة أقنعة وألسنة، متملقا لكل ذي سلطة، وخانعا مستسلما لمن بيده حاجاته، ومداهنا للوجهاء والكبراء، ومجالسا إياهم، ومخاطبا ودهم وعطفهم، مهادنا أو مراوغا للنظير، مؤازرا للضعفاء وللقوى الناعمة ساعة ضعفه وتهميشه، وبمجرد تسلطه واستحواذه على مراكز السيادة والقوة، فستجده محتقرا إياهم ومتكبرا ومتنمرا عليهم، يخاف ولا يخجل من صفاته اللؤم والغدر حيث يحتفظ بالضغينة لفترة طويلة لا يسامح أبدا، يوزع اتهاماته بالخيانة والشيطنة على الجميع، يبطش ويفتك بمن هم دونه، دون حد للرحمة أو العدل، ولو نزلت بقومه نازلة أو حاقت بهم فاقة، فكأن الأمر لا يعنيه بالمرة، يضيف على نفسه صفة النزاهة والوطنية والقداسة، وبقدر تجبره على الأدنى، بقدر خضوعه للأعلى، ومن هو أقوى منه، ذليلا وضيعا ليس بوسعه مغادرة عبوديته لرؤسائه، ولا شعوره بالنقص في ذاته أمام الجميع، فهو عبد في ظاهره وعبد في باطنه وعبد في أحلامه وعبد في أفكاره وعبد في أخلاقه، عبد في جوهره وعبد في مخبره، مثل هذا وهم كثر، هكذا تكونوا في أرحام أمهاتهم، وهكذا هي جيناتهم البيولوجية، وهكذا تبلورت أرواحهم وأحاسيسهم، ومن يستشعر في نفسه بأن هذه الصفات في مجملها أو بعضها تنطبق عليه فهو مازال في مجال الرق، ولا يلومن إلا نفسه.

وختاما لابد من أن نفرق بين نوعين من البشر تم استعبادهما:

أولهما: من وقع تحت نيران العبودية قهرا وغصبا وغلبة، ومثل هؤلاء تجد في داخل البعض منهم، نزعات إلى الحرية، وتطلعات لفك أسرهم، وتحرير أنفسهم، كلما شقت لهم ثغرة أو فجوة أو هوة أو مجرد فرجة أو صدع، هبوا للخروج منه، وإذا جاءتهم فرصة للتحرر بأي من السبل اقتنصوها بكل ما لديهم من طاقة، فقد حدثت ثورات للعبيد في معظم المجتمعات تقريبا التي كانت تمارس نظام العبودية، ومن أمثلة هؤلاء الذين غيروا أو حاولوا تغيروا مسرى حياتهم، العبد سبارتاكوس الذي قاد أشهر تمرد للعبيد، في أوربا بايطاليا الرومانية بين عامي 73 -71 قبل الميلاد، وفي عهد الدولة العباسية حدثت ثورة الزنج أو ثورة الزنوج كما يسميها البعض، والتي تضمنت سلسلة من الانتفاضات بين عامي 869- 883م قرب مدينة البصرة في العراق، كما كان المماليك جنود عبيد، اعتنقوا الإسلام وخدموا الخلفاء والسلاطين الأمويين، ومع مرور الوقت أصبحت هذه الطبقة قوة عسكرية قوية، وقرروا الاستيلاء على السلطة لأنفسهم فحكموا مصر 267 عاما منذ 1250 حتى 1517م، وقد استطاع جيش المماليك بقيادة سيف الدين قطز، إلحاق أول هزيمة قاسية بجيش المغول، في معركة عين جالوت، كما حقق بعض العبيد العثمانيين شهرة كبيرة واعتلوا مناصب ومراكز هامة في بلادهم.

وثانيهما: من يقع تحت وطأة العبودية عن رضى بها، استلذ الاستعباد، وارتاح للاسترقاق، فسلم نفسه لها طواعية، وأذعن وخضع ورضخ لمن يقوده ويوجهه، ويأمره وينهاه، ويطعمه ويسقيه، ويكسوه ويعريه، ويشبع له شهواته، يجد فيها ملاذه ومغرمه ومبتغاه وأقصى أمانيه، ورغم كل مآسي حياته، تطيب لها نفسه، ويفضل بقاءها على ما هي، وإن وردت عليه خاطرة رغبة في التخلص مما هو فيه، يقتلها في مهدها، فشيطنة دعاة التحرر والمجاهدين، والعذاب الذي يقع عليهم، والويلات التي يتعرضون لها، دافع له للاستسلام لواقعه، وتثبيط لأي همة لديه للتحرر، ومثل هذا وهم كثرة كثيرة مهما فتحت لهم أبواب للخروج من العبودية تأنف نفوسهم ذلك، ويأبون الخروج منها ويفضلون البقاء تحت وطأتها، ليس لديهم أي رغبة أو إرادة لتغير الأوضاع المزرية التي يعيشونها، وكلما فتحت لهم نافذة من نوافذ الحرية، أقاموا أمامها المتاريس، وأغلقوها بالضبة والمفتاح، فعندما أراد المولى عز وجل، أن تهب بعض نسائم الحرية على شعوب المنطقة، أبت جحافل العبيد، ألا يستنشقوا عبيرها، وألا يتنفسوا هوائها العليل، فهبوا على قلب رجل واحد، ليقيموا المصدات والمتاريس والحصون أمامها، وليعيدوا أنفسهم إلى حظيرة العبودية مرة أخرى، وأبوا ألا يمضي عليهم الليل، إلا وهم أسرى وسبايا في حظيرة العبودية مرة أخرى. ومثل هؤلاء يمثلون شريحة كبيرة في أي مجتمع، تتسع لتشمل مثقفين وأصحاب مناصب وأثرياء ووجهاء مجتمع وساسة ومدعين التزامهم بالدين خلقا وسلوكا ومؤدين للشعائر والعبادات، وتشمل أيضا فئات من قاع المجتمع لم ينالوا أي قسط من التعليم، ويعيشون كفافا يوما بيوم، إن وجدوا فطورهم لا يجدوا عشاءهم، وإن وجدوا كسوة الصيف لا يجدوها للشتاء، تأويهم العشش والبنايات الآيلة للسقوط، فالأمم التي تستلم للذل، خوفا من الموت، تموت في كل لحظة وفي كل موقف، وهي تتوهم أنها مازالت على قيد الحياة.

ولذا بعد ذلك كله فليس من المستغرب إن نجد في أيامنا هذه من يرفع شعار ينادي بالحرية، أو من يصرخ مستغيثا أعتقونا لوجه الله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.