التفكير الحر يوصلك إلى الوحي
بقلم: ادريس الكنبوري
كثيرا ما تستوقفني هذه الآية الكريمة “قل إنما أعظكم بواحدة؛ أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا”.
وأكثر ما يلفت النظر فيها أنها تدعو إلى التفكير دون أن تلزمك باتباع الوحي؛ لأن التفكير الحر غير المنحاز يوصلك إلى الوحي.
إن القرآن الكريم لا يتوجه دائما إلى الذين لديهم استعداد لاتباع الوحي؛ بل يخاطب أيضا الذين ليس لديهم استعداد لذلك ولكن يكلفهم بالتفكير.
غير أن من شروط التفكير في المفهوم القرآني التجرد عن المؤثرات كيفما كانت؛ والرغبة في تحصيل الحقيقة؛ ثم البرهنة عليها. ولا أجد آية أكثر احتراما للعقل وأكثر تحديا له من قوله تعالى “ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه”؛ حتى الشرك لا يمثل مشكلة إذا تمت البرهنة عليه. إنها تدل على أن الإنسان مسؤول عن تفكيره وعن نتائج ذلك التفكير. لا يعترض القرآن على التفكير العقلي؛ بل على التفكير الذي لا يتحمل مسؤولية الدفاع عن النتائج والبرهنة عليها.
القرآن رسالة إلى العقل الناضج. جميع الرسالات التي سبقت الإسلام خاطبت حواس الإنسان وأرادت إقناعه بالََمعجزات المادية التي تدرك بالبصر؛ بينما جاء القرآن بمعجزة تدرك بالبصيرة؛ أي العقل؛ فكان خاتمة الأديان لأنه بذلك حمل الإنسان مسؤولية تفكيره وعمله الناتج عنه.
تلك الآية العظيمة تبدأ بالزيجة “مثنى وفرادى”؛ لأن الأصل في التفكير أن يكون ناجما عن حوار بين اثنين؛ وهذا يدلنا على أن القرآن أول كتاب حوار يرتكز على القناع والاقتناع وليس على مجرد التلقي والتسليم. إنه ضد التبعية والتقليد والنزعة الجماهيرية الغوغائية التي يتبع فيها الناس بعضهم بعضا؛ قال تعالى” إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب”؛ فالتبعية العمياء دون مسؤولية التفكير الحر والاستقلالية مرفوضة.
وهذه الآية الأخيرة لها معنى عميق؛ وهو أن أي تفكير حر أو تبعية لديهما نتيجة تتجاوز الحياة الدنيا؛ أي أنك في مضمار الفكر واستعمال العقل أنت متابع في اليوم الآخر بما تصل إليه قناعاتك. لا يوجد في مجال الفكر والعقل مجرد المتعة والترف واللعب والفوضى والعبث؛ بل توجد المسؤولية الأخلاقية والدينية “أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون”.
لذلك فإن الأفكار أعمال.