غزّة الأحرار (قصيدة)
غزّة الأحرار (قصيدة)/ أبو علي الصُّبَيْح
غزّة الأحرار (قصيدة)
أبو علي الصُّبَيْح
**
أمنَ المروءة أن ينامَ على الطوى
مليونَ غزيٍّ ونحنُ نعربدُ
__
بَرأتُ منِّي ولم أبْرأْ من الشِّعرِ = فخَاصمَ النزْفُ بوْحَ الحرْفِ في السّطرِ
وقد أقامَ احْتفالاً عِندَ سُدْرتِهِ = حتّى تزورَ طُيورُ القلبِ للزّهرِ
وتُعلنُ الصّدحاتِ الخُضرَ كوكبةٌ = منَ الحَساسينِ في دوّامةِ القصْرِ
وترْقصُ الشّمْسُ في مَلكوتِ دوْرَتِها = لِتَطْردَ القهْرَ عن ظلّي وعن فجْري
ويبْسطُ الغيمُ لي كفيْهِ مُزدهياً = حتّى يرشَّ مواتَ الرّوحِ بالقطْرِ
مُبلّلٌ في جفافِ الرِّيحِ حَقلُ فمي = فتَاهَ بين صَحارى حُلمِهِ نشْري
ورَاحَ يرْكضُ حافٍ لا إلى جهةٍ = قلبي فأسندَتِ الأضلاعُ لي صَبْري
لا نبْضُهُ فيهِ يدْري أينََ وِجْهتُهُ = ولا دِماهُ التي سَالتْ على القفْرِ
ما زالَ يشْخَبُ والأحزانُ تقْدَحُهُ = جرْحي ويكتمُ عن أفراحِهِ شَعْري
كُلّي أنا ضعْتُ في كُلّي فكوّمَني = خيطُ الحريرِ فباعَ الحُبّ بالخُسرِ
كأنّما قُدَّ ثوْبُ الحزْنِ لي كفناً = فراحَ يدْفنُني في جُبِّهِ صَخْري
تسلّق الماءُ كي يَروي جَوى عَطشي = فغَادرَ المَدُّ مَائي واحْتفى جَزْري
تسَاءَلَ القفْرُ عَمَّنْ زارَهُ بَرِماً = وَعَنْهُ ساءَلَ هَمْسَ الشّيْحِ في البَرِّ
مَنْ ذا الذي جاءَ في كَفَّيْهِ دَمْعَتَهُ = وعَنْهُ أخْفى الثّرَى إطْلالةَ البدْرِ
فضَاعَ نَشْرُ شُعوري في سَوَاحِلِهِ = وَعندما عُدْتُ لمْ أعْثرْ على البحرِ
دَقّ الرَّحيلُ بنا أجْراسَ غُرْبَتِهِ = فعَانَقَ الدّمْعُ بابي واكْتوى نَحْري
فأعْلنَتْ غزّة الأحرار رِحْلتَها = حُزْناً وَضاعَ صَدى
المِجْدافِ في البَحْرِ
تلقّفَتني أنا السّمَكاتُ واحْتَجَبَتْ = رُوحي وغابَ مع الشّهقاتِ بي ذِكْري
فسَبّحَ الحُوتُ في أعْماقِ ظُلْمَتِهِ = عَنّي وَخَفّفَ في تسْبيْحِهِ أسْري
واسْتدْرجَ الموْجَ نَحْوي في زَوَارِقِهَ = فباحَ لليمّ سِرّي الكوْكبُ الدّرّي
وفي الزُّجَاجَةِ ألواني قدِ انْكشَفَتْ = فأوْدَعَ النوْرُ في مِشْكاتِهِ سِرِّي
وما سَئِمْتُ دُعَائي ظلَّ يَحْرِسُني = ورَدَّدَ البَحْرُ في أمْوَاجِهِ قَهْري
سُبْحانَكَ اللهُ ما زَالَ الأَذى قَدَري = فَهلْ تُرَاهُ مَعي يبْقى مَدى الدّهْرِ؟
مِنّي أفرُّ إلى نَفْسي فيَعْصِرُ لي = كأسَ النّبيذِ فيسْمو بالطَّلا سُكْري
فيُعْلِنُ الكرْمُ كفّي منه ما قََطَفتْ = إلا عصيرَ الأسى كي يرْتوي فقْري
إنّي اختنقْتُ ففُكَّ القيْدَ عن جَسدي = وَدعْ لهذي الرّبى تستافُ مِنْ عِطْري
فقاءَ بعْضي بجرْفِ الوَهْمِ فاحْتَشَدَتْ = لي الرِّمَالُ فشَدّ إلى يقْطِينِهِ صَدْري
وظلَّ بعْضي لأجْلي يَشْتكي قلِقاً = ويسألُ اللهَ يكْفيني مِنَ الضُّرِّ
أنا اكتوَيْتُ ثيابي أمْطَرَتْ لهَباً = حتّى اشْتعَلْتُ وعنّي خَبَّأوا أمْري
مَنْ يَمْنحِ القلبَ بعْضاً مِنْ براءَتِهِ = أنا الذي ضعْتُ لمّا بعْتُهُ عُمْري
وَسَلّمَتْهُ يدي مِفَتاحَ جَنَّتِها = وَمَا بَخلْتُ فأدْمى خِنْجَري ظهْرِي
وقفْتُ أحْصُدُ مِنْ قاموسِ ذاكرتي = سنابُلَ الحُبِّ مَحْمولاً بها طُهْري
فقدْ تساوَتْ ليَ الأشْياءُ في نَضري = ما عدْتُ أفْرُقُ بيْنَ الخيْرِ والشَّرّ
فالكلُّ عِندي بأفكاري سَواسيةً = والكُلُّ يحْملُ في أرْدانِهِ وِزْري
فجاءَ صوْتي ليَحْكي جرْحَ قِصَّتِهِ = فمَاتَ صوْتي وَزُفَّ الكلُّ للقبْرِ
**