الفيضانات بالمغرب وسؤال التنمية المستدامة.
الفيضانات بالمغرب وسؤال التنمية المستدامة./ الدكتور أحمد الإدريسي
الفيضانات بالمغرب وسؤال التنمية المستدامة.
بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي.
أولا: أسباب فشل برامج التنمية المستدامة.
من أهم أسباب فشل برامج التنمية المستدامة:
– تغير المناخ والبيئة: تساهم وتيرة التغير المناخي السريعة وتدهور النظم البيئية في إعاقة النمو المستدام، حيث يعاني الفقراء بشكل كبير من هذه التحديات.
– أولويات غير متوازنة: وتعني؛ التركيز على النمو الاقتصادي السريع على حساب الجودة البيئية، أو إهمال القطاعات الزراعية والخفيفة مقابل الصناعات الثقيلة.
– العوامل الاجتماعية: ساهم سوء التوزيع السكاني في الحد من القدرة على التنمية، كما أن انعدام المساواة يزيد من الفقر والاضطرابات.
– الإهمال وسوء التدبير وضعف الحكامة: إهمال المشاريع التنموية، والهياكل المالية الغير عادلة وسوء التدبير يمنع من تحقيق أهداف التنمية.
– تحصين الفشل، وغياب ثقافة النقد والحوار البنّاء: بسبب ضعف التنسيق بين القطاعات، وغياب المتابعة والشفافية، إلى تحويل البرامج التنموية إلى شعارات غير فعالة، مما يرسخ استمرار الفشل البنيوي.
– تعطيل آليات التقويم الديمقراطي وتُفرغ النقاش العمومي من مضمونه، مما يؤدي إلى إضعاف دور كل من المجتمع المدني والإعلام والباحثين والمختصين.
– مُقابلة تقارير مؤسسات مثل المجلس الأعلى للحسابات، وبنك المغرب، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي بالتشكيك أو الإهمال، لأنها تُحرج خطاب الإنجاز الذي تسوقه الحكومة، وتُحرج أيضا بعض الشخصيات.
– غياب نقاش عمومي جاد ومسؤول حول البرامج التنموية الكبرى، وغياب تقييم جاد لنتائجها على أرض الواقع.
ثانيا: الفيضانات الأخيرة واختلالات بنيوية للتنمية المستدامة.
كشفت الفيضانات الأخيرة في المغرب عن اختلالات وتحديات بنيوية للتنمية المستدامة، حيث تتباين بين ندرة المياه المزمنة والفيضانات المدمرة، مما يهدد الأمن المائي والغذائي والبنية التحتية، ومن هذه الاختلالات:
1- غياب التدبير الوقائي:
رغم أننا نسمع بوجود استراتيجيات وطنية للماء والحماية من الفيضانات، إلا أن أغلبها يبقى حبرا على ورق، ولا نجد لها أثرا كافيا في التنزيل الميداني، وهذا يتطلب تخطيطا وعملا أكثر، مثل تحديث شبكات الصرف، وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، ووضع خرائط مخاطر دقيقة.
2- عدم ملاءمة البنيات التحتية مع التحولات المناخية المتسارعة:
تأكد بعد هذه الفيضانات عدم تكييف السياسات العمومية والبنيات التحتية مع التحولات المناخية المتسارعة، خاصة داخل المدن الصغرى والمناطق الهشة.
وهنا نطرح سؤال الفجوة بين وجود السياسات على الورق ونجاعة تنزيلها على الأرض، خاصة على مستوى الجماعات الترابية والمدن المتوسطة والصغرى.
3- العمران وسوء التخطيط:
مما أسهم في في مضاعفة حدة مخاطر الفيضانات، وطرح تحدي “الاستدامة الحضرية”؛ التوسعات العمرانية السريعة وغير المهيكلة، والتي غالبا ما تكون في المناطق المنخفضة أو بمحاذاة الأودية. وهذا يتطلب تحيين خرائط الفيضانات، وربط قرارات التعمير بالمعطيات المناخية، وليس فقط بالضغط الديمغرافي أو الاعتبارات العقارية.
4- عدم الاستفادة من التحذيرات السابقة (آسفي والراشيدية نموذجا):
إن غياب التكيف الفعلي، وعدم الاستفادة مما وقع في آسفي وفي الراشيدية ومناطق أخرى جنوب المغرب؛ جعل كلفة الخسائر البشرية والمادية أكبر بكثير من كلفة الاستثمار المسبق في الوقاية والبنيات التحتية المقاومة للمخاطر، وقد أكدت بعض الدراسات أن؛ “التغير المناخي في المغرب لم يعد خطرًا مستقبليًا، بل واقعًا قائمًا يفرض إعادة النظر في طرق التخطيط العمراني، وتدبير الموارد المائية، وحماية المناطق الحضرية والقروية من الكوارث الطبيعية.
5- هشاشة التنمية المستدامة:
تسببت الفيضانات بأضرار جسيمة على مستوى البنية التحتية، والطرق، والحقول، مما يؤثر على القطاع الفلاحي والاستقرار الاجتماعي، خاصة في المناطق الهشة.
وختاما نقول:
إن نجاح التنمية المستدامة يعتمد على التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد وتحقيق توازن متكامل بين الركائز الاقتصادية، الاجتماعية، والبيئية، والشفافية، وتوعية مجتمعية شاملة، ودمج العلوم والابتكار في إعداد المشاريع التنموية، وإشراك ذوي الخبرات في صنع القرار.
لقد أدرك المواطن المغربي أن أغلب مشاريع “التنمية المستدامة” لا تُحسِّن شروط عيشه، ولا تمس واقعه، ولا تحل مشاكله، فترسخ لديه -مع الأسف- بأن الدولة تُدير التنمية على أنها حالة طارئة، وليست مشروعا مجتمعيا، وبرامج اقتصادية وتنموية مُـحْكمة,
وهذا يستلزم إعادة النظر في طرق التخطيط العمراني، ومراعاة التغير المناخي، وتدبير الموارد المائية، وحماية المناطق الحضرية والقروية من أي احتمال لما يُستقبل من الظروف المناخية، وتحديث استراتيجيات التدبير وتهيئة المجال، والاستفادة من الأطر الكفاءات العالية التي يزخر بها المغرب في جميع المجالات.