قد حاول الفقيه البلغيثي في كتابه ” بيان الخسارة في بضاعة من يحط من مقام التجارة” أن يجوب بالقارئ في عوالم كثيرة من المعرفة، فقد تناول موضوع المعاملات التجارة من زاوية معاصرة، محاولا بذلك كشف اللبس عن عدة قضايا فقهية طالت مجال البيوع.
وقد خص الفقيه البلغيثي خاتمة كتابه للحديث عن القضايا الفقهية الكبرى التي رأى أنها تحتاج إلى الدراسة والتحليل، وسأحاول في هذه الأسطر أن أسلط الضوء على أهم قضايا المعاملات التجارية التي طرحها فقيهنا بين ثنايا هذا الكتاب القيم في مجاله.
أولا: موضوع الربــا.
تعتبر الربا من القضايا الخطيرة التي كان الجدال فيها ولا زال قويا، ولا تخلو كتب الفقه الإسلامي القديمة منها والحديثة من باب يتحدث عن الربا بتفصيل دقيق، لذا ابتدأ بها الفقيه البلغيثي قضايا كتابه، وأولاها أهمية كبرى، مستقصيا معظم الأدلة الشرعية التي تحرمها، يقول: … إلى غير هذا من الأحاديث التي لو تتبعناها لاحتاجت إلى جزء خاص[1]، لهذا لم يترك البلغيثي مجالا ولو ضيقا لتحليل الربا تحت أية ضرورة، لأنه اعتبر المعاملة بالربا من أكبر الكبائر التي تضل عن الهدى، وتعمي البصائر[2]، بل ذهب إلى تكفير من يقول بحلية أي نوع من أنواع الربا، بعد انعقاد الإجماع على تحريم التعامل به[3]، وقد فصل القول فيها تفصيلا مطولا، حيث ناقش أقوال الفقهاء الذين تطرقوا للربا في مؤلفاتهم، ورد عليهم، وطارح حججهم التي رأى انها قد توحي للقارئ بتحليل الربا، يقول: ففي غاية الغرابة ما نقله ابن السبكي في طبقاته عن العز ابن عبد السلام في قواعده الكبرى من قوله: لم أقف على مثله في كون الربا من الكبائر، فإن كونه مطعوما، أو قيمة الأشياء، أو مقدرا لا يقتضي شدة عظيمة، يكون كبيرة لأجلها ، … ولا يتجه كلام ابن عبد السلام إلا على القول بأن حقيقة الكبيرة هي ما أوجب الحد، وهو أحد الأقوال في حقيقتها، والمختار خلافه[4] .
ثم ينتقل أحمد البلغيثي للحديث عن الحيل التي تستعمل لتحليل الربا التي أذن الله تعالى فيها بالحرب على محلها، يقول تعالى: ﴿ يا أيها الدين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مومنين، فإن لم تفعلوا فاذنوا بحرب من الله ورسوله ﴾[5] مبينا اختلاف الأئمة في حلية استعمال الحيلة في الربا وعدمها، فالإمام مالك والإمام أحمد ، رضي الله عنهما، قالا بتحريمها على الإطلاق، وخالفهما الإمامان الشافعي وأبو حنيفة، رضي الله عنهما، فقالا بجواز الحيلة في الربا، مستدلين بقصة عامل خيبر الذي جاء رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، بتمر جيد أثار انتباه الرسول، صلى الله عليه وسلم، الذي قال للصحابي: أكل تمر خيبر ها كذا؟ فأجاب العامل: لا، وإنما نرد الرديء ونأخذ بالصاعين منه صاعا جيدا، فنهاه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن ذلك لأنه ربا، وطلب منه أن يبيع التمر الردئ ويشتري بثمنه تمرا جيدا، لأنه إذا باعه رديين بدرهم واشترى بالدرهم الذي في ذمته الجيد، خرج من الربا، إذ لم يقع العقد إلا على مطعوم ونقد كون مطعومين، وهكذا يحتال على الربا، يقول فقيهنا البلغيثي: وهذه من الحيل التي وقع الخلاف فيها[6]، وقد أورد قولا لابن حجر العسقلاني يصور فيه أكلة الربا باستعمال الحيل صورة بشعة، إذ يقول: … أكلة الربا يحشرون في صور الكلاب والخنازير من أجل حيلهم على أكل الربا، كما مسخ أصحاب السبت حين تحيلوا على اصطياد الحيتان التي نهاهم الله عن اصطيادها يوم السبت فحفروا لها حياضا تقع فيها يوم السبت ،حتى يأخذوها يوم الأحد، فلما فعلوا ذلك مسخهم الله قردة وخنازير وهكذا الذين يتحيلون على الربا بأنواع الحيل فأن الله لا يخفى عليه حيل المحتالين[7].
ففقيهنا البلغيثي نظرا لعلمه بأحكام البيوع، وممارسته التجارة، ودفاعه عن من تعاطاها بوجهها الصحيح والسليم، قد أحسن وأجاد في تناوله لقضية الربا التي تعتبر من المعضلات التي تواجه المسلم في تعاملاته المالية، والتي لم تترك له مجالا للتكافل الاجتماعي، الذي شرعه الشارع الحكيم ليقلل من الفوارق الطبقية، و للتعاون بين الناس، بل انتشرت الربا حتى لم يعد أحد يأمن على نفسه السلم منها، وقد صدق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إذ يقول: « لياتين على الناس زمان لا يبقى أحد إلا أكل الربا فإن لم يأكله أصابه غباره »[8] .
ثانيا: موضوع الحلف.
وناقش البلغيثي قضية الحلف الذي يقع في البيوع فيخرجها من الحلية إلى الحرمة، موضحا أن آفة الحلف شاعت بين التجار كثيرا دون أن يولوها كثير اهتمام، فبين مدى خطورته وتأثيره السلبي على البائع والمشتري، وبالتالي على عملية البيوع بشكل عام، وفصل بين الحلف الكاذب، وبين الحلف لتزيين السلعة.
فالحلف الكاذب – الذي هو ضد الصدق- محرم أصلا، بنصوص الكتاب والسنة، لكن الشارع الحكيم شدد على الحلف في البيوع، وقد أحصى الفقيه البلغيثي معظم النصوص التي تبين بشاعة الحلف الكاذب في التجارة، ومن بين هذه النصوص، قوله صلى الله عليه وسلم: « واليمين الفاجرة منفقة للسلعة ممحقة للكسب »[9].
وقوله عليه السلام: « وإن كتما وكذبا فعسى أن يربحا ويمحقا بركة بيعهما»[10] فالحلف الكاذب كما بينه البلغيثي كثير الوقوع خاصة في زماننا الذي كثر فيه الغلاء وقلَّت البركة، وضاقت المعيشة على أغلب المسلمين، وأصبح هم البائع تصريف سلعته بأي وجه كان، سواء بالحلف الكاذب، أو بالغش، أو بالتزوير، وقد أورد البلغيثي: أن الحلف في البيع والشراء من أشراط الساعة[11].
أما كثرة الحلف في البيع والشراء – ولو لم يكن كذبا -، فقد حكى البلغيثي نهي الشارع الحكيم عنه، يقول: فالحلف إن كان كذبا حرم، ولو قل، وإن كان لتزيين السلعة بما بها، فالنهي عن الكثرة فقط، لأنها مظنة الوقوع في الكذب، كالراعي حول الحمى[12]، قال صلى الله عليه وسلم:« إياكم وكثرة الحلف في البيع فإنه ينفق ويمحق »[13].
فالبلغيثي وضع يده على مكمن الداء في محق بركة البيع، وحاول إعطاء الأمر أهميته القصوى، مبينا العلاج الشافي من هذه الآفة الكبرى التي لا يخلو منها من التجار إلا من رحم الله، ومن تشبع بتعاليم الدين الحنيف.
ثالثا: الاحتكار.
الاحتكار آفة اقتصادية على المجتمع، وآفة دينية على المحتكر، بل هو جريمة اقتصادية بعرف القوانين الوضعية المتعارف عليها عالميا، وهو من الموبقات التي شدد الشارع الحكيم على تحريمها، لأن الاحتكار يعطل مقصدا من مقاصد الشريعة الإسلامية، ألا وهو الحفاظ على النفس، لأن مَنْع توزيع الأرزاق على العباد من شأنه أن يسبب في ضياع نفوسهم.
وفقيهنا أحمد البلغيثي اعتبر الاحتكار من شنيع الأمور التي شاعت بين الناس، لذا فقد تناول هذه المعظلة من جوانبها المختلفة، وحللها تحليلا لا يدع لأحد مجالا لتعاطيها، واستقصى جميع الأحاديث التي وردت في ذم الاحتكار ومقت المحتكر، كقوله، صلى الله عليه وسلم، « الجالب مرزوق والمحتكر ملعون »[14].
وقوله عليه الصلاة والسلام « مَنْ احْتَكَرَ طَعَامًا أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَقَدْ بَرِئَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَبَرِئَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ »[15] إلى غير ذلك من الأحاديث التي تجاوزت سبعة عشر حديثا. غير أن البلغيثي لمكانته العلمية، وعلو باعه في مجال الفقه، فصل الاحتكار تفصيلا بديعا، وميز بين المباح منه للضرورة، وبين الحرام، مستعرضا أقوال أغلب الفقهاء من مختلف المذاهب، ومرتكزا على علماء المالكية، يقول: وحاصل ما لأئمة مذهبنا في الاحتكار ملخصا من كتب المذهب، أن احتكار الطعام إما أن يقع في زمن السعة، أو في زمن الضيق، وفي كل إما أن يحتكر لقوته وقوت عياله، أو للبيع زمن ارتفاع الأسواق، فإن كان في زمن السعة لقوته وقوت عياله، فإن هذا لا بأس به أصلا، وهو غير مناف للتوكل، ويدل لجوازه ما ثبت في الأحاديث الصحيحة من فعله صلى الله عليه وسلم ذلك، وإن كان في زمن السعة للبيع عند ارتفاع الأسواق ففي ذلك أربعة أقوال[16]… وإن كان في زمن الضيق لتوقع ارتفاع الأسواق، فهذا لا يجوز باتفاق[17].
ولم يكتف البلغيثي الذي كان يؤرقه ما أصاب الأمة الإسلامية من أزمات، وما أصاب الشعب المغربي – خاصة – من ضيق، نتيجة الظروف السياسية والاجتماعية التي كان يمر منها المغرب، الذي كان يرزأ تحت وطأة الاستعمار الفرنسي، من تجزئ صور الاحتكار تجزيئا دقيقا، لكي لا يلتبس الأمر على الناس، خاصة وفقيهنا حريصا على تطبيق أحكام الشريعة تطبيقا سليما، إذ يقول: والمنع في صوره، إنما هو حيث يدخره لتوقع غلائه، وأما إذا كان يبيعه مشتريه في الحين، فهو جائز، وليس من الاحتكار في شيء… ثم إنه إذا احتكر في صور المنع، وحصل للناس ضرر، وجب عليه بيع ما زاد على قوته وقوت من تلزمه نفقته، إن خيف بحبسه إتلاف المهج…[18]، بل يضيف مبينا: إن محل التفصيل للصور السابقة حيث يشتريه من السوق للادخار، وأما من جلب طعاما من بلد وادخره من كسبه وزراعته فله ادخاره، لأي وقت شاء، إلا أن تنزل بالناس شدة يخشى معها هلاك الأنفس، فيؤمر ببيع ما زاد على حاجته بسعر الوقت…[19].
وختم الفقيه البلغيثي حديثه عن احتكار الأقوات بقوله: وبه تعلم أن ما شاع على الألسنة من حديث « خازن القوت ممقوت »[20] لا يصح على إطلاقه[21].
ولا يعتبر فقيهنا احتكار غير الأقوات خاصة إذا كان غير مضر بالناس ممنوعا، لكنه يعتبر من أقبح أنواع الاحتكار، احتكار الولاة وأولي الأمر التسعير، يقول: فتجد من لا يخاف الله منهم، ينزل السعر عندما يريد الشراء، ويرفعه عندما يريد البيع، وفي الحديث « من أخون الخيانة تجارة الوالي في رعيته»[22] لأنه بذلك يضيق عليهم [23].
هكذا حلل البلغيثي وناقش آفة الاحتكار، مبينا حدود جوازها، وضوابط حليتها، ومشددا في نفس الوقت على من يتحايل على الشرع لكي يضيق على الناس في مصدر رزقهم، فتثار الفتنة وتعم الفوضى.
رابعا: الأطرة.
تعتبر الأَطَرَة من القضايا التي ناقشها الفقيه البلغيثي في تقييده، واعتبرها من النوازل الجديدة التي اعترضت التعاملات التجارية، وقد فرق بينها وبين السَّفْتَجَة[24]، والأطرة هي أوراق تروج بين التجار وهي نوعين:
نوع يسمى “بي بنك” بكسر الباء والياء وضم الباء وسكون النون والكاف، أو “بنك نط” بفتح الباء وسكون النون وسكون الكاف، وضم النون وسكون الطاء، ونوع آخر يسمى “شاك”، بشين مشوبة بتاء وألف بعدها كاف ساكنة، والنوعان معا يروجان روجان العين المسكوكة من الذهب والفضة، وإن كان النوع الثاني أقل رواجا من الأول.
وقد ناقش الفقيه البلغيثي هذه الأوراق نقاشا واسعا، بادئا بتفصيل أقوال الفقهاء في حكمها، يقول: فبعض المحققين من أشياخنا يحكم لهما بحكم الذهب والفضة في المعاملات، وغيره من أهل العصر يخالفه ويرى ذلك كالعروض[25]، لكن البلغيثي فرق بين النوعين، ليخلص في الأخير ليقول: والظاهر عندي أن النوع الأول وإن كان يروج روجان العين من الذهب والفضة، لا يعطى حكمها لأن الذهب والفضة مقصوران لغة على ما عرف من عينهما، وشرعا كذلك أيضا[26]، وقد عضد ما ذهب إليه بأقوال العديد من كبار الفقهاء، كالشيخ خليل، والزرقاني، والرهوني وغيرهم.
والنوع الثاني – أي الشاك – فقد عده البلغيثي كالدين، وأسقط عليه حكم بيع الدين، يقول: لأن محصول هذا النوع أنه دين على دار من دور التجار بخط وشكل معروفين لهم، فإذا أتاهم به آت يردون له ما فيه، والله تعالى أعلم[27].
غير أن هذه الأوراق التي تحدث عنها فقيهنا أحمد البلغيثي، والتي ظهرت في عصره، وأنكر بعض الفقهاء التعامل بها، قد أصبحت في عصرنا الحاضر أكثر روجانا واستعمالا في جميع المعاملات التجارية من النقود المسكوكة، سواء كانت بين الأشخاص أو بين الشركات، أو كانت معاملة صغيرة أو تعاقدات كبيرة.
خامسا: السفر لأرض الحرب.
لقد تأثر البلغيثي بالحقبة الزمنية التي عاش فيها، والتي كان فيها المغرب يعاني من الاستعمار الفرنسي والاسباني، وكما علمنا فإن فقيهنا كان معارضا لذلك التواجد الأجنبي، داعيا إلى مواجهته بكل الوسائل المتاحة والممكنة، يقول:
| الحلـم فـي بعض المـواضـع ذلـة | فاغضب إذا يدعو الســداد إلى الغضب |
| فلـربـمـا يـدعـو الثـانـي ربـه | يـوما إلـى أردى المهـالك والعطـب |
| ذو الحزم من يعطي الأمور عتادهــا | ويـرى المسبب قبل إبــان الـسبـب[28] |
لذا نجده في ثنايا كتابه يشدد على من يتعامل مع الكفار بأي نوع من التعامل، ويغلظ له القول، وخاصة بالبيع والشراء، أو بكل ما من شأنه أن يقوي شوكتهم، يقول: … من حمل إليهم – أي الكفار- الطعام فهو فاسق، ومن باع الأسعار عليهم أو كان في غير زمن الهدنة حرم قطعا بلا خلاف[29].
ويقول أيضا: ولا يباع للحربيين آلة الحرب من كراع وسلاح وسروج وغيرها مما يتقوون به في الحرب من نحاس وأثاث الخباء وماعون السفر،… وليغلظ الإمام في ذلك[30].
لكنه استثنى فداء أسرى المسلمين من المشركين بالطعام، لأن حرمة المسلم أولى بالحفاظ عليها من الطعام.
كما أثار قضية احتماء بعض المسلمين بالأجانب لحفظ مصالحهم الدنيوية، يقول: ومما صار أيضا شعارا لجل أعيان التجار، احتماؤهم لحفظ دنياهم بالكفار الفجار، بل صار بعضهم بالاحتماء المذكور يستطيل ويظلم ويستضعف ولاة المسلمين[31] .
ولرد على هذه النازلة استشهد البلغيثي بالعديد من الآيات التي تدعو إلى عدم الركون للكفار والمشركين، كقوله تعالى: وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَالُونَكُمْ خَبَالًا ﴾[32].
وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾[33].
بل ختم البلغيثي كلامه بقوله: وبالجملة فالاحتماء بالكفار في ذاته من الكبائر، ثم قد ينضم إليه من قول أو فعل ما يصيره كفرا والعياذ بالله[34].
سادسا: السوكرتة أو التأمين :
عرف البلغيثي السوكرتة بقوله: هي أن التاجر إذا أراد أن يوجه سلعة لجهة يذهب لدار عدت لجماعة من النصارى يعلمهم بالجهة التي يوجه لها سلعته، ويبين لهم نوع السلعة، ويعطيهم قدرا معلوما من المال على أنها إذا ضاعت في بر أو بحر يضمنونها له على ضوابط وقواعد معروفة عندهم في ذلك، فإذا سلمت السلعة ووصلت لمحلها استبد الآخذ بما أخذ، وإذا ضاعت ولو بسماوي ضمنوها لربها بما كان ذكر أولا في قيمتها، وهذا هو عين القمار الداخل في الميسر في قوله تعالى:﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾[35] الآية[36].
وقد تناولها بالدراسة والتحليل مستشهدا ببعض أقوال الفقهاء القلائل الذين تعرضوا لهذه القضية، كالفقيه ابن عابدين، الذي فرق بين أن يكون العقد في هذه المسألة في بلاد الحربيين على حد تعبيره أو في بلاد مسلمين، يقول: أن المسلم إذا كان له شريك حربي في دار الحرب فيعقد له شريكه هذا العقد مع صاحب السوكرتة في بلادهم، ويأخذ منهم بدل الهالك ويرسله إلى التاجر، فالظاهر أن هذا يحل للتاجر أخذه، لأن العقد الفاسد جرى بين حربيين في بلاد الحرب، …. وأما في صورة العكس بان كان العقد في بلادنا والقبض في بلادهم، فالظاهر أنه لا يحل أخذه ولو برضى الحربي، لابتنائه على العقد الفاسد[37].
وهكذا فالبلغيثي أثار قضية رأى أنها أخذت تسري في مجال المعاملات التجارية سريانا مشوبا، وتجاهلها الفقهاء في ذلك العصر إما تجاهلا غير مقصود لكثرة انشغالاتهم، أو مقصودا تيسيرا للتعامل مع الحربيين الذين احتلوا الديار وسلبوا الخيرات.
لقد حاول الفقيه البلغيثي أن يدلي بدلوه ويعطي رأيه في القضايا المالية التي شغلت الرأي العام أنذاك، خصوصا وأن الاستعمار حاول طمس الهوية الإسلامية في المعاملات اليومية للناس.
[2] – المرجع السابق .
[4] – بيان الخسارة ص 85.
[5] – البقرة / 287 و 288.
[8]- سنن النسائي، كتاب البيوع، باب: اجتناب الشبهات في الكسب،4 / 4 ، ح.ر: 6042 .
– سنن أبي داود، كتاب البيوع، باب: في استخراج المعادن ، 3 / 243 ، ح.ر: 3331 ، بلفظ: أصابه من بخاره
– سنن ابن ماجة، كتاب التجارات، باب: السلف في كيل معلوم ووزن معلوم ، 2 / 765 ،ح.ر: 2278 ،
[9] – صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب: يمحق الله الربا ويربي الصدقات، والله لا يحب كل كفار أثيم ،
2 / 621، ح.ر: 2087، بلفظ « الحلف منفقة للسلعة ممحقة للكسب »
– صحيح مسلم كتاب البيوع، باب: النهي عن الحلف، 3 / 1228 ، ح.ر: 1606، بلفظ:« الحلف منفقة السلعة
ممحقة للربح » ، بلفظ « الحلف منفقة للسلعة ممحقة للكسب »
[10] – صحيح البخاري ، كتاب البيوع، باب: إذا بين البيعان ولم يكتما ونصحا 2 / 733،ح.ر: 2079، ونص
الحديث: عن حكيم بن حزام عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو قال حتى
يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما .
– صحيح مسلم، كتاب البيوع، باب : الصدق في البيع والبيان، 3 / 1164 ، ح.ر: 1532 ، بنفس لفظ البخاري .
[12] – نفس المرجع السابق .
2 – صحيح مسلم، كتاب البيوع، باب: النهي عن الحلف في البيع، 3 / 1228 ، ح.ر: 1608 .
– سنن النسائي، كتاب البيوع، باب: المنفق سلعته بالحلف الكاذب، 4 / 6 ، ح.ر: 6053 .
[14] – سنن الدارمي، باب: النهي عن الاحتكار، 2 / 324 ، ح.ر: 2544 .
– سنن ابن ماجة، كتاب التجارات، باب: الحكرة والجلب، 2 / 728 ح.ر: 2153
[15] – مسند أحمد : مسند المكثرين من الصحابة، مسند عبد الله بن عمر بن الخطاب 2 / 33، بلفظ: من احتكر
طعاما اربعين ليلة فقد برئ من الله تعالى وبرئ الله تعالى منه وأيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع فقد
برئت منهم ذمة الله تعالى- ، ح.ر: 4880 .
– مسند أبي يعلى، مسند عبد الله بن عمر، 10 / 117. – المستدرك على الصحيحين، كتاب البيوع، 2 / 14 .
[16] – هذه الأقوال ذكرها الرهوني في حاشيته مفصلة، 5 / 11 .
[20] – المقاصد الحسنة 1 / 318 ، المصنوع 1 / 98 ، اللؤلؤ المرصوع 1 / 76 .
[21] – بيان الخسارة ص 92.
[22] – كنز العمال ، في الترغيب عن الإمارة ، 6 / 9 ، ح.ر: 14605 – فيض القدير6/8.
[24] – السفتجة كما عرفها البلغيثي هي الكتاب الذي يرسله المقرض لوكيله أو شريكه مثلا ببلد ليدفع للمقرض نظير ما
اخذه منه ببلده وقد تعتريها الأحكام الخمسة ينظر المخطوط ص 97.
[25] – بيان الخسارة ص 98.
[28] – ديوان تبسم ثغور الأشعار 1 / 55.
[30] – المرجع السابق ص 96.
[32] – آل عمران /118.
[33] – المائدة / 53.
[34] – بيان الخسارة ص 111.
[35] – المائدة / 92.
[36] – بيان الخسارة ص 105.
[37] – بيان الخسارة ص 107.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، جعل الله جهود الدكتورة فاطمة في ميزان حسناتها، أود سؤالكم عن كتاب “بيان الخسارة” هل هو مطبوع؟ وإذا كان كذلك، فكيف أحصل عليه في مراكش؟
جزاكم الله خيرا.
وعليك السلام ورحمة الله تعالى وجزاك الله خيرا استاذ الحسن. انه قيد الطبع وسيكون قريبا في المتناول . وحينها سأخبرك بوجوده ان شاء الله
السلام عليكم عليكم ورحمة الله وبركاته، عساك بخير أستاذتي.
ما زلت أنتظر خبر كتابك “بيان الخسارة” بفارغ الصبر؛ لأني متوقف عليه في إنجاز جزء من بحثي للدكتوراه.
إن لم يكن متاحا الآن، هل من سبيل للحصول على مخطوطته، بارك الله فيك؟
wafaagc@gmail.com