قرارات مصيرية ……
للدكتور وائل الزرد من فلسطين
حين يتخذ أحدُنا قرارًا في أكل أو شرب أو لباس، فالأمر يسيرٌ ومردوداته سهلة، ولكن حين يتعلق القرار بأمرٍ مصيري، فحينها يتطلب الأمر مزيدًا من المشورى وتلاقي الآراء والاستماع للآخرين، وحينها كذلك [إذا لم يكن من الله عونٌ للفتى … فأولُ ما يجني عليه اجتهادُه]
ونحن اليوم حين نسير بين الفرض القطعي والحرام المتفق عليه، نحتاج إلى كثير من الحكمة والفطنة، وتوسيع دائرة المشورى، فإن من شاور الناسَ شاركهم في عقولهم، خاصة إن كان القرار يتعلق بتحقيق مصلحة للأمة أو دفع مفسدة عنها، وهذه المساحة الواسعة متروكٌ أمر الاجتهاد فيها للأمراء ليوازنوا بين المصالح والمفاسد، على مستوى الفرد والمجتمع والأمة، وللعلماء حتى يُصوبوا المسيرة، ويُسددوا الرأي، ويُقدموا النصح، حتى لا تغرق السفينة.
وفي هذه المساحة من الفِكر واتخاذ القرار المصيري يحسُن بالعلماء ومن تبعهم -خاصة- أن ينتبهوا لعدة أمور منها:
1/ ألا يعتقدوا بأنه يمتلكون الحق المطلق، أو أن غيرهم -إن لم يعمل برأيهم- فهو ضال فاسق، تارك لدينه مفارق للجماعة، فآراء العلماء في مساحة العفوا مبنية على تقدير المصلحة، وهذا يعني أن الأمر فيه تباين واسع واختلاف كبير، وما كان اليوم صحيحًا، فممكن أن يكون غدًا غير صحيح، تبعًا لاختلاف الظروف والأحوال.
2/ العلماء ليسوا متخصصين في كل شيء، ولا يعرفون كل شيء، وما يغيب عنهم في بعض القضايا أكثر مما يعرفون، ذلك باختصار لأنهم ليسوا علماء في كل شيء، فالعالم اليوم ما عاد يُحكم برأي فقيه أو حكم أمير -فقط-، الأمر أصبح أكثر تعقيدًا وتشعيبًا، وعلى كل صاحب رأي أن يحترم نفسه وتخصصه أولًا ثم يحترم الآخرين أيضًا، فلا يسفه الرأي الآخر، ولا يُصادر حرية غيره، إن عُلمت سلامة النوايا والقصود.
3/ حين يتعلق الأمر بقضايا مصيرية؛ مجتمعية أو أممية، فعلى العالم ألا يُبادر -وحده- بإصدار فتوى أو كتابة منشور، خاصة إن كان له حضور إعلامي بارز، وعليه أن يتريث وأن يترك الأمر للمجامع العلمائية والمراكز البحثية، والتي ربما يكون هو واحد من هؤلاء، ففي القضايا الكبرى لسنا بحاجة لاجتهادات فردية وإنما نحن بحاجة لمجامع علمائية ومراكز بحثية، تُصدر الرأي بعد مشورة واسعة، واستعراض كل ما يتعلق بالقضية ومن كل جوانبها.
4/ على علماء الأمة أن يُبادروا لسؤال أصحاب الشأن، قبل إصدار فتواهم أو كتابة بيانهم، فأحيانًا كثيرة تجد عند السياسيين من المعلومات الهامة، والتي ربما لو اطلع عليها كبيرُ العلم والقدر لغيَّر رأيه أو لأمسك عن إبدائه، ولئن بيقى العالمُ صامتًا خيرٌ له ألف مرة من أن يقول كلمة أو يبدي رأيًا، يكون له من المخاطر ما لا تُحمد عقباه، ثم تجده يتعلل ب [اجتهدتُ فأخطأتُ فلي أجرٌ واحد] ولم لا تسكت فيكون لك أجران، لا أجرٌ واحد؛ هما: [أجر الاجتهاد، وأجر الصمت] بدلًا من أن تكون سببًا في شق الصف، وتشظي الأمة!
وفَّق الله علماءَ وقادةَ الأمةِ لما فيه خيرٌ البلادِ والعباد.