منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الإيمان بالعقل!

الإيمان بالعقل!/ ادريس الكنبوري

0

الإيمان بالعقل!

بقلم: ادريس الكنبوري

 

يقول البعض إنه لا يؤمن إلا بالعقل؛ وبذلك يرفض الكثير من قضايا الغيب المبثوثة في النصوص؛ وإن كان الرفض حتى الآن لا يزال واقفا عند الأحاديث النبوية؛ وأنا أعتقد أننا قريبا سنصل إلى القرآن؛ إلا أن هؤلاء يتناسون أن الإيمان بالعقل إيمان؛ فإذن لم نخرج من الإيمان إنما خرجنا من الغيب إلى العقل.

لكن العقل له سقفه الذي لا يتجاوزه؛ وهذا السقف وضعه العقل نفسه لنفسه؛ أي أنه هو من رسم لنفسه الحدود التي لا يتعداها؛ إنه مثل الشخص الذي أغلق على نفسه داخل غرفة وصار يعتقد أن المدينة كلها هي الغرفة.

وإذا كان العقل هو من وضع تلك الحدود فمعناه أنه يعرف سلفا ما يمكنه إدراكه؛ لأن المبادئ العقلية واحدة وتعطي نتائج متقاربة عند الجميع إذا احترموا تلك المبادئ. وقد احتفلت الفلسفة الغربية الحديثة بسؤال كانط الشهير “ماذا يمكننا أن نعرف؟”؛ ولكنها لم تدرك بأن ذلك السؤال يحدد سلفا ما يمكن معرفته؛ وأن ما يمكن معرفته معروف مسبقا لكن مهمة العقل هي البحث عن تفسيره فقط؛ وأعتقد أن مقولة ماركس “ليس المهم تفسير العالم بل تغييره” كان يستحضر فيها المهمة التقليدية للعقل التي يجب تجاوزها.

وقد أثارتني سخرية أدورنو وهوركايمر من عقلانية كانط المتطرفة في كتابهما المشترك عن ديالكتيك العقل؛ حين قالا بأن ما يفعله كانط يشبه ما تفعله هوليوود؛ فإذا كانت مبادئ العقل موحدة فإن النتائج تكون شبه معروفة سلفا؛ يكفي فقط استخدامها؛ تماما مثل فيلم سينمائي تراه لأول مرة وتعتقد أنك تتابع أحداثا جديدة تنمو؛ لكن تلك الأحداث معروفة سلفا عند كاتب السيناريو والمخرج والممثلين وليست جديدة إلا بالنسبة إليك. وهذا ما جعل الفيلسوفين الألمانيين يقولان بأن مهمة العقل ليست إبداع أشياء من العدم بل تركيب الأشياء الموجودة والوصول إلى نتائج من خلال عملية التركيب.

لذلك فإن الغيب ليس من نطاق هذا العقل؛ لأنه عالم آخر ليس من عالم الموجودات؛ لا يمكن معرفته بمبادئ العقل بل بخرق هذه المبادئ؛ لذا قال تعالى “فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد”.

ورغم خوض هذا العقل في الميتافيزيقا فإنه لم ينتج سوى السفسطة والتخبط؛ فلا أحد رأى الغيب حتى يتكلم فيه؛ والوحيد الذي اطلع على جزء من الغيب هو النبي صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء والمعراج؛ ومن هنا فإن العقل الذي يحترم نفسه هو من يتكلم في الغيب من منطلق ما تلقاه عن طريق الوحي وليس من منطلق ما أودعه الله فيه من مبادئ

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.