شرح الأربعين النووية – مقدمة
يعقوب زروق
بسم الله الرحمن الرحيم
وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه من قبله ومن بعده.
منذ عهد النبوة والمسلمون مهتمون غاية الاهتمام بأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم باعتبارها وحيا من الوحي ” وما ينطق عن الهوى” لقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يجلسون بين يديه. يسمعونها منه، ويبلغها الشاهد للغائب. كان عمر رضي الله عنه يتناوب وصديقا له فيحضر هو تارة ويبلغ صاحبه. ويحضر صاحبه أخرى. وكان بعضهم يكتب. فعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال : ما أحدٌ أكثرُ حديثًا عن رسول الله ﷺ مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب.
وثمة صحف مشهورة كتبت على عهده صلى الله عليه وسلم منها الصحيفة الصادقة لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. وصحيفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وفيها العقل والديات.
وكان التثبت والتحري شديدا في نقل الحديث وتلقيه مقرونا بالتعظيم والتبجيل.
عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: «اخْتَلَفْتُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ سَنَةً، فَمَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، إِلَّا أَنَّهُ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ يَوْمًا فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَعَلَاهُ كَرْبٌ حَتَّى جَعَلَ يَعْرَقُ، ثُمَّ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ ذَا أَوْ دُونَ ذَا، أَوْ نَحْوَ ذَا» قَالَ أَبِي فِي حَدِيثِهِ: فَنَكَّسَ رَأْسَهُ فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَرَأَيْتُهُ قَدْ حَلَّ إِزَارَهُ وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ، وَاغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ، قَالَ: أَوْ فَوْقَ ذَاكَ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَاكَ، أَوْ شَبِيهًا بِذَاكَ.
وبعده صلى الله عليه وسلم استمر الحرص على الحديث رواية وتثبتا وتعلما وتأدبا ومحبة.
قال عياض: “وقال مصعب بن عبد الله: كان مالك إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يتغير لونه وينحني حتى يصعُب ذلك على جلسائه. فقيل له يوما في ذلك، فقال: لو رأيتم ما رأيتُ لما أنكرتم عليَّ ما ترون: لقد كنت أرى محمد بن المنكدر، وكان سيد القراء، لا نكاد نَسأله عن حديث أبدا إلا بكى حتى نرحمه.ولقد كنت أرى جعفر بن محمد (وهو الإمام جعفر الصادق من آل البيت)، وكان كثير الدُّعَابَة والتبسم، فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم اصفر لونه وما رأيته يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على طهَارة.
وكان مالك إذا أراد أن يجلِس – أي للتحديث – توضأ وضوءَه للصلاة، ولبس أحسنَ ثِيابه، وتطيَّب، ومشط لحيتَه، فقيل له في ذلك، فقال: “أوقِّر به حديثَ رسولِ الله”
باعث ذلك المحبة والتعظيم للجناب الشريف والحذر من الوعيد الشديد الوارد في حديث: وَمَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ.
واستمرت هذه العناية بالسنة يتعلمها الخلف من السلف حتى جاء العصر الذي دونت فيه السنة عصر الأئمة الكبار البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم. حيث أبدعوا في الكتابة والتدوين فصنفوا السنة على الأبواب كحال الجوامع والسنن وصنفوها على الأسماء والطبقات شأن المسانيد أو على الشيوخ كحال المعاجم وغيرها وصنفوا الأجزاء الحديثية في مواضيع محددة أو في عشريات وأربعينيات فكانوا ينتخبون جملة من الأحاديث التي تعد أصولا في باب من الأبواب فانتخب عدد منهم أربعين حديثا في الجهاد وبعضهم في الفرائض وبعضهم في الزهد وهكذا. قصدهم في ذلك تحصيل الفضل الوارد في حديث “مَن حفِظَ على أمَّتي أربعينَ حديثًا من أمرِ دينِها بعثَهُ اللَّهُ يومَ القيامةِ فقيهًا عالمًا”
وممن جمع الأربعين حديثا الإمام النووي رضي الله عنه
قال: «من العلماء من جمع الأربعين في أصول الدين، وبعضهم في الفروع وبعضهم في الجهاد، وبعضهم في الزهد وبعضهم في الخطب، وكلها مقاصد صالحة، رضي الله عن قاصديها. وقد رأيت جمع أربعين أهم من هذا كله، وهي أربعون حديثاً مشتملةً على جميع ذلك، وكل حديث منها قاعدة عظيمة من قواعد الدين، وقد وصفه العلماء بأنه مدار الإسلام عليه، أو نصف الإسلام أو ثلثه أو نحو ذلك.
هذا وقد كتب الله لهذه الأربعين القبول. فتلقاها الناس بالعناية، فمن حافظ لها، ومن وشارح. ومن شروحها المشهورة:
- جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي رحمه الله.
وهو من أوسع الشروح، تناول فيه مسائل الفقه والأصول، وذكر أقوال العلماء واختلافاتهم. وقد أضاف ثمانية أحاديث أخرى إلى الاثني والأربعين الأصلية ليكملها خمسين حديثا.
- شرح الأربعين النووية في الأحاديث الصحيحة النبوية لتقي الدين أبو الفتح محمد بن علي بن وهب بن مطيع القشيري، المعروف بابن دقيق العيد رحمه الله(ت 702هـ)
ويتميز شرحه بعنايته بالجانب الحديثي من حيث تخريج الأحاديث، وبيان درجة الحديث، وشرح غريب الألفاظ وتوضيح المعاني.
- شرح الأربعين النووية للإمام عبد الرؤوف المناوي (ت 1031 هـ)
ويعتني فيه باللغة والمعاني مع عرض أقوال العلماء واستنباط الفوائد والأحكام والآداب المتضمتة في الحديث.
ويعتني بترجمة موجزة لرواة الأحاديث.
- شرح الأربعين النووية: للشيخ محمد بن صالح العثيمين (ت 1421 هـ).
وهو شرح مختصر حرص فيه صاحبه رحمه الله على استخلاص الفوائد السلوكية والعملية من الأحاديث بلغة واضحة ميسرة.
وتشبها بالكرام جاء هذا الشرح قاصدا جملة من الغايات:
- استخلاص ما به يتجدد الإيمان إذ الإيمان يخلق كما يخلق الثوب. ولا خير في علم لا يثمر إيمانا وخشية، ولا يتبعه عمل. وما به نتعلم اليقين .كما كان يفعل صلى الله عليه وسلم وصحبه رضي الله عنهم. سيما في عصرنا عصر التشكيك في موعود الله، تولى كبره المثبطون المرجفون.
- الاستفادة من الحديث تربويا وذلك باستخلاص الفوائد التربوية الكفيلة بتزكية نفس المؤمن ليحظى بالقرب من ربه القريب المجيب. وإن صاحب هذه الأحاديث صلى الله عليه وسلم بعثه الله للناس يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم. وإنه لا فلاح إلا لمن زكى نفسه والخيبة لمن دساها.
- استخراج ما يفتل في نصرة دين الله والتمكين له وما يسهم في قومة هذه الأمة المرحومة المنصورة بإذن الله تعالى ويسهم في علاجها من داء الوهن والغثائية لتنبعث كما أرادها ربها خير أمة أخرجت للناس.
والله الموفق وهو يهدي السبيل.
الهوامش:
– المدخل إلى علم السنن. المؤلف: أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي (٣٨٤ هـ – ٤٥٨ هـ) ج 2 ص 838
– المحدث الفاصل بين الراوي والواعي. أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي الفارسي (ت 360 هـ) المحقق: د. محمد عجاج الخطيب. دار الفكر – بيروت. الطبعة: الثالثة، 1404. ص 549
– الشفا بتعريف حقوق المصطفى. عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، أبو الفضل (ت 544هـ). دار الفيحاء – عمان. الطبعة: الثانية – 1407 هـ. ج 2 ص 94
– أخرجه البخاري (4361)
– العلل المتناهية ابن الجوزي.
– الأربعون النووية (مع زيادات ابن رجب رحمهما الله).محيي الدين النووي (676هـ) وابن رجب الحنبلي (795 هـ). المحقق: الشربيني بن فايق الشربيني. ص 4