منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

كل مغالبة مبنية على المخاطرة فهي قمار وميسر إلا فيما أجازه الدليل

اشترك في النشرة البريدية

بسم الله الرحمن الرحيم

سلسلة قواعد فقهية في المعاملات المالية؛

10/ تحليل قاعدة؛ “كل مغالبة مبنية على المخاطرة فهي قمار وميسر إلا فيما أجازه الدليل”.

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمين، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين وأزواجه، وأصحابه، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

المزيد من المشاركات
1 من 37

 جعل الإسلام المعاملات مبنية على العدل والمصلحة ومراعاة الطرفين ورفع الضرر عنهما، وحرم أكل أموال الناس بالباطل، ومنها القمار والميسر، وقد شدد الشرع الحكيم في تحريمه، فقال عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ). (البقرة: 90). إضافة إلى أنه من باب أكل أموال الناس بالباطل، والله سبحانه تعالى يقول: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ). البقرة: 188. وعن أبي موسى رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله“. يعني اللعب بالنرد للقمار. (ينظر: “نيل الأوطار” للإمام الشوكاني، أبواب السبق والرمي، باب: “تحريم القمار واللعب بالنرد وما في معنى ذلك” رقم: 3555). ومن القواعد الفقهية المتعلقة بالقمار والميسر قاعدة؛

“كل مغالبة مبنية على المخاطرة فهي قمار وميسر إلا فيما أجازه الدليل”

وسأحــلل هذه القاعدة حسب المنهج الآتي:

1- شرح القاعدة:

2- حكم المغالبة:

3- فــوائد هذه القاعدة:

4- تطبيقات القاعدة:

مقالات أخرى للكاتب
1 من 11

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- شرح القاعدة:

– المغالبة: مصدر غالَبَ يُغــالب.

غَلَبَ: (فعل). غلَبَ على يَغلِب، غَلْبًا وغَلَبةً وغَلَبًا، فهو غالب والجمع: غَلَبَةٌ وهو غَلاَّب، والمفعول مَغْلوب. (لسان العرب. ج:1 / ص: 651).

وغلَب فلانًا: قهره، هزمه. وغَلَبَهُ عَلَى الشَّيْءِ: أَخَذَهُ مِنْهُ قَهْراً.

وغَلَبَتْ عَلَيْهِ الْحُمْرَةُ أَوِ الصُّفْرَةُ: كَانَتْ بَارِزَةً فِيهِ.

وغَلَبَ عَلَيْهِ النَّوْمُ: أَخَذَهُ النَّوْمُ رَغْماً عَنْهُ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهِ.

– القمار: أو الميسر شكل من أشكال المراهنات، والألعاب التي يقوم من خلالها فرد أو مجموعة من الأفراد على تقديم مبلغ من المال، والمراهنة عليه ربحاً أو خسارة.

والقمار: الخطر، أصله في كلام العرب؛ المغابنة. (معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية، د.محمود عبد الرحمان عبد المنعم، ج: 3/ص:112).

– المخاطرة: من خاطر يخاطر، وهي: احتمال خسارة في أيّ استثمار. احتمال انخفاض قيمة استثمار أو عدم تحقيق ربح. وقيل هي: ما قد ينجم عنه مكروه أو ضرر، عملٌ لا تَروِّي فيه. (لسان العرب. ج:4/ ص: 250-251).

وبيع مخاطرة: صفقة يبيع بها التاجرُ بضاعة بسعر غالٍ دَيْنًا لإنسان، ثم يشتريها منه مباشرة بثمنٍ بخسٍ نقدًا، وهو ما يسمى بالعِينة.

 وهناك أنواع عديدة من المخاطر هي المخاطر الرأسمالية capital risk والمخاطر الائتمانية credit risk أي مخاطر عجز المقترض عن سداد الدين أو مخاطر الفشل المالي.

– مضمون القاعدة:

 الأصل في هذه المغالبة والمخاطرة أنها لا تجوز إلا فيما ورد الدليل بجوازه، فيخرج من هذا الأصل بمقتضى الدليل ويبقى ما عداه على المنع، والدليل على ذلك عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا سبق إلا في نصلٍ أو خفٍ أو حافر) رواه الخمسة.

 فقوله: “لا سبق” أي لا جعل للسابق لسبقه، وهو منفي بـ “لا” النافية للجنس، وقد تقرر أن المنفي هنا هو الصحة أي لا سبق صحيح.

قوله: ” إلا في نصل” أي ذي نصل، كالسهام والنشاب والرماح ويقاس عليها البنادق والرشاشات ونحوها مما يرقى به. وقوله: “أو خف”: كناية عن الإبل أي ذي خف، وقوله: “أو حافر” أي ذي حافر وهو للخيل، والحديث دليل على جواز بذل العوض في هذه الثلاث فقط، وأما ما عداها فلا يجوز بذل العوض فيه، وعليه فكل أنواع المغالبات لا يجوز أخذ العوض فيها إلا هذه المغالبات الثلاث، والعلة فيها أنه يتحقق معها التعلم على أمور الجهاد من الكر والفر وإتقان الرمي وإصابة الهدف، فيدخل معها ما كان في معناها أو أولى بالحكم منها، كالرهان في العلم، قال ابن القيم رحمه الله: (الرهان على ما فيه ظهور أعلام الإسلام وأدلته وبراهينه من أحق الحق وأولى بالجواز من الرهان على النصال وسباق الخيل والإبل). (كتاب الفروسية لابن القيم، الصفحة: 30). ويستدل على ذلك بمراهنة الصديق رضي الله عنه مع أبيّ بن خلف حينما تحاجا في غلبة الروم للفرس في بضع سنين فأخذ الصديق رهنه، ولأن العلم تعلمه وتعليمه وما يعين عليه هو من الجهاد في سبيل الله، ولأن الدين قيامه بالحجة والجهاد فإذا جازت المراهنة على آلات الجهاد ففي العلم أولى بالجواز.

 وهذا هو الراجح من أقوال العلماء من أن الرهان في العلم والمغالبة فيه وأخذ العوض جائز، واختاره الشيخ ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، فهذا الأصل لا ينخرم، من أن كل مغالبة مبنية على المخاطرة فإنها من القمار والميسر وأكل أموال الناس بالباطل إلا ما كان فيه نصرة للإسلام من تعلم أمور الجهاد والعلم ونحوها.

2- حكم المغالبة:

 المغالبات بالنسبة إلى أخذ العوض على ثلاثة أقسام:

الأول: تجوز بالعوض: وهي المسابقة والمغالبة بالسهام وبين الإبل والخيل لصريح الحديث المبيح لذلك، واختاره الشيخ ابن سعدي رحمه الله.

الثاني: لا يجوز بعوضٍ ولا بغير عوض: وذلك كالنرد والشطرنج والقمار وكل مغالبة ألهت عن واجب أو أدخلت في محرم.

الثالث: يجوز بلا عوض ولا يجوز بعوض: وهذا هو الأصل والأغلب فيدخل في هذا المسابقة على الأقدام والسفن والمصارعة ومعرفة الأشد من غير أن تتحقق التهلكة.

3- فــوائد هذه القاعدة:

 من خلال هذه القاعدة نتعرف أن المخاطرة بين الغرم والغنم، فإما أن يغنم أحدهما بغرم الآخر وإما أن يغرم أحدهما بغنم الآخر، فهذه المغالبة لا تجوز لما فيها من أكل أموال الناس بالباطل، وقد قال تعالى: “ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم”. وعن أَبي بكْرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ في خُطْبتِهِ يوْم النَّحر بِمنىً في حجَّةِ الودَاعِ: “إنَّ دِماءَكُم، وأمْوالَكم وأعْراضَكُم حرامٌ عَلَيْكُم كَحُرْمة يومِكُم هَذَا، في شهرِكُمْ هَذَا، في بلَدِكُم هَذَا، ألا هَلْ بلَّغْت”. (حديث متفق عليه).

 إن المسابقات التجارية التي تضعها الأسواق في هذا الزمن أو بعض المحلات الكبيرة من باب تسويق سلعتها هي نوع من أنواع المغالبات، وهي مبنية على المخاطرة لأنك قد تغنم بغرمهم وقد تغرم بغنمهم، وحينئذٍ فنقول: لا يجوز المشاركة فيها، بل وهجران المحل والسوق الذي يتعامل بها هو من هجرات أرباب المعاصي والبدع، فيؤجر عليه صاحبه مع النية الصالحة، وهي نوع من القمار، وكذلك المسابقات التي تضعها بعض المجلات والجرائد هي قمار أيضاً لأنها دائرة تبين الغنم والغرم فمبناها على المخاطرة وليست هي مما ينتفع به لا في علم ولا جهاد، فالمشاركة فيها إقرار لهذا الحرام، وإقرار الحرام حرام، عافانا الله وإياكم. (يُنظر: أحكام المسابقات التجارية، عبد الله بن عبد الرحمان الجبرين، ص: 20).

4- تطبيقات القاعدة وفروعهــا:

* سباق الخيل والإبل، هو جائز وبذل العوض عليه أيضاً جائز، وذلك لأنه مما أجازه الدليل كما سبق في حديث: “إلا في خف أو نصل أو حافر”.

* المغالبة بالمصارعة لمعرفة الأشد في غير ما تهلكة ولا إفراط، وحكمها الجواز والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم: “صارع ركانة بن عبد يزيد المشهور بالقوة فصرعه”. رواه أبو داود.

 وروى الإمام البيهقي: أن (ركانة قال للنبي صلى الله عليه وسلم: هل لك أن تصارعني فقال: “ما تُسْبِقني؟” قال: شاة من غنمي، فصارعه فصرعه فأخذها، فقال ركانة: هل لك في العود؟ ثم عاد مراراً فصرعه، فقال: يا محمد ما وضع جنبي أحد إلى الأرض، وما أنت بالذي تصرعني فأسلم، فردّ عليه غنمه). فدل هذا على جواز المغالبة بالمصارعة بالشرط المذكور، لكن يكون ذلك بلا عوض لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: “لا سبق”.

 أما الرياضة المعروفة كالمصارعة الحرة والملاكمة التي قد تؤدي بحياة الإنسان أو يفقد معها أحد أعضائه أو حاسة من حواسه فإن هذه المغالبة لا يتوقف عاقل في أنها محرمة لما فيها من المفاسد والتعذيب والخطورة.

* السباق بالرمي بالبنادق ونحوها، الأصل فيه الجواز، ولكن هل يجوز بذل العوض؟

قال العلماء: يجوز أخذ العوض فيه لأنه من أمور الجهاد؛ حيث كان في ذاك الزمان عليه المعتمد، وأما النصل ونحوه فلا ذكر لها في زمن الناس هذا.

* المسابقة في السباحة الأصل فيها الجواز وهو قول الجمهور، ولكن هل يجوز أخذ العوض على السباق فيها؟ أقول: فيه خلاف بين أهل العلم ومذهب الجمهور منع العوض فيها لعموم قوله: “لا سبق” وقيل بل يجوز والراجح إن شاء الله تعالى أنه إن كانت مما يعين على أمور الجهاد فإنه يجوز بذلك العوض عليها قياساً على بذل العوض في سباق الخيل والإبل بجامع أنها مما يعين على الجهاد، أما إذا كان لا يقصد بها إلا مجرد الاستمتاع كحال السباحة اليوم فإنه لا يجوز بذل العوض فيها.

* مغالبات الكرة على مختلف أشكالها ككرة القدم والطائرة والتنس وغيرها، كل ذلك الأصل فيه الجواز، لكن بشرط أن يكون بلا عوض من الطرفين فإن كان فيه عوض فلا يجوز، ويدخل في الميسر.

* ما يؤخذ على لعب الورق، لا يجوز وهو قمار وميسر مثل ما يسمى بـ “البوكر” فإنه لا يجوز.

* المسابقة على الدراجات النارية، الأصل فيه الجواز لكن بشرط أن يكون الطريق سليما؛ لأن الطريق المعوج يغلب على الظن فيه الانحراف والانقلاب والضرر، وقد تقرر أنه لا ضرر ولا ضرار، ويشترط أيضاً أن لا يكون فيه عوض لعموم قوله: “لا سبق”، وليس ركوب الدراجات النارية من الأمور المعينة على الجهاد حتى تقاس على الإبل والخيل.

* السبق على الأقدام الأصل فيه الجواز، لكن يشترط لجوازه أن يكون بغير عوضٍ والدليل على جوازه حديث عائشة رضي الله عنها: (أنها كانت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر قالت: فسابقته فسبقته على رجلي فلما حملت اللحم سابقته فسبقني فقال: “هذه بتلك”). رواه الإمامان أبو داود وأحمد وغيرهما بسندٍ صحيح.

والحمد لله رب العالمين.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.