منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الأخلاق والسياسة في الفكر الغربي المعاصر؛ جون رولز أنموذجا

د. ابراهيم بومسهول

0

الأخلاق والسياسة في الفكر الغربي المعاصر

“جون رولز أنموذجا”

Ethics and politic in the  modern occidental  thought

د.ابراهيم بومسهول

دكتوراه في الفكر الاسلامي

جامعة القاضي عياض-مراكش

مقدمة

تعتبر العدالة من القيم الأخلاقية/السياسية التي ظهرت مع بداية الفكر الفلسفي، [1] والذي تقلب وتطور إلى أن بلغ مفهومه المعاصر الذي يرتبط بالمواطنة عبر مفهوم الحقوق. [2] وبالعودة إلى العصر الحديث، يتبين أن قيمتي العدالة والحرية شكلتا ركيزة أساسية ينبني عليها الوعي الأخلاقي/السياسي للعصر الحديث. [3] وهو ما أفرز العديد من الأفكار ذات الصلة بموضوع العدالة. وقد تمكن الباحثون من وضع خريطة تفصيلية لمجمل هذه الأفكار فصنفوها إلى اتجاهين: الأول، يضم مجمل الأفكار التي تندرج ضمن المذهب المنفعي، وينبني على وجود هدف يستمد منه تصوره للعدالة، على اعتبار أن تحقيق الخير لأكبر عدد من الناس يجب أن يكون هدف السلوك البشري. ولعل الهدف الأسمى الذي جرى الحديث عنه في الأزمنة الحديثة يكمن في تحقيق قدر من السعادة للإنسان، على ضوء مبدأ المنفعة أو السعادة القصوى. الثاني، يمثل امتدادا لفلسفة إمانويل كانط، والتي ترتبط ب ” ما هو واجب أخلاقيا”. حيث تعتبر العدالة مسألة واجبات صارمة لا يمكن تجاوزها أو التغاضي عنها لأي اعتبارات أخرى، ولا حتى لتحقيق أهداف محبذة إلى حد كبير. [4] وتندرج مقاربة جون رولز[5] من داخل العقل الأخلاقي الغربي الراهن، وإلى جانب مقاربة أخرى، ضمن استمرارية للوعي الفلسفي في ربط السياسة بالأخلاق، كما جسدتها الكتابات الفلسفية الأولى التي اعتنت بالسياسة. ويمكن أن نذكر هنا، على سبيل المثال لا الحصر، جمهورية أفلاطون وسياسة أرسطو. ناهيك عن الاهتمام الذي أولاه الفلاسفة اليونان لتنظيم المدينة باعتبارها فضاء تجسيد البعد السياسي/المدني للوجود البشري. ومن هذا المنطلق يحدد رولز الغاية من تأسيس نظرية العدالة في الحاجة إلى فكرة الإجماع المتشابك للعقائد الدينية والفلسفية والأخلاقية لصياغة مفهوم أكثر واقعية لمجتمع حسن التنظيم. مع الأخذ بعين الاعتبار واقع التعددية من داخل الديمقراطية الليبرالية. وبالتالي الإسهام في بناء مجتمع منظم داخل دولة المؤسسات، أو بعبارة أخرى بناء دولة الحق. [6] مما يجعل نظرية العدالة عند رولز لبنة من داخل النسق السياسي الغربي. على اعتبار أنها مقاربة أخلاقية وسياسية تفرض وجودها في زمن التدافع والصراع بين المقاربة الفردانية والمقاربة الجماعية للعدالة.

يتضح إذن، أن نظرية العدالة كإنصاف كما يعرضها جون رولز، تعبر عن نداء من داخل المدرسة الفلسفية الأخلاقية والسياسية، “تهدف الإبانة عن كون العدالة كإنصاف، هي تصور موائم للديمقراطية، وهي في الوقت ذاته تصور ممنهج ومعقول بشكل كاف، ومؤهل لأن يقدم بديلا عن النفعية التي هيمنت في إطار تقليد فلسفتنا السياسية. ولهذا فإن المهمة الأولى لهذه النظرية هي تقديم أساس أكثر يقينية ومقبولية للمبادئ الدستورية وللحقوق وللحريات الأساسية، مما تبدو النفعية قادرة على توفيره”. [7] على اعتبار أن هذه الأخيرة كفيلة بتحقيق التوازن بين بعدي المعادلة: الفردي والمجتمعي. وتجدر الإشارة إلى أن الإشكالية المركزية التي يحاول رولز مقاربتها، تعود جذورها إلى إشكالية مركزية شغلت الفكر السياسي الحديث، تروم البحث في السبيل إلى التوفيق بين الحرية الفردية والحرية الجماعية. أو بعبارة أخرى: كيف يمكن التوفيق بين الحرية الفردية من جهة والعدالة الاجتماعية من جهة ثانية؟[8] مما أسفر عن عدة مفارقات من داخل الفكر اللبرالي وكذا المرجعية الاجتماعية التي قاربت إشكالية العدالة من داخل السياق الفلسفي الحديث[9].

الفقرة الأولى: رولز ونقد المذهب النفعي

لقد شكل سؤال العدالة الاجتماعية على مر العصور مطلبا أساسا لكل المجتمعات وكل المذاهب الفكرية. فسعت هذه الأخيرة بتعدد منطلقاتها ومرجعياتها لصياغة أطر مرجعية وأنساق فكرية للإجابة عن هذا المطلب الملح. ولعل المذهب اللبيرالي النفعي من أبرز النظريات التي حاولت مقاربة الموضوع. حتى صارت مهيمنة على الفكر السياسي والاقتصادي والاجتماعي الحديث. غير أن ما أسفرت عليه من تباين وتفاون بين المواطنين جعلها محط نقد من قبل العديد من المفكرين. وفي مقدمتهم جون رولز الذي يَعتبر أن طرحه: “تصور ممنهج ومعقول بشكل كافٍ ومؤهل لأن يقدم بديلا عن النفعية”[10].

أولا: من الليبرالية المذهبية إلى الليبرالية السياسية

ينطلق جون رولز في نقده للمذهب النفعي من التمييز بين المعنى الموسع للبرالية والمعنى الضيق للبرالية: فباعتماد المعنى الأول، نكون أمام مبدأ شمولي، أو فلسفة للحياة، تحدد وبشكل مسبق طبيعة النظام السياسي والاجتماعي انطلاقا من تصور قبلي عن الفرد وطبيعته والحياة الخيرة المنشودة. من خلال الدفاع عن جملة من المقتضيات السياسية بناء على منظومة أخلاقية شمولية. أما المعنى الثاني، المعنى الضيق، والذي يتبناه رولز، فالليبرالية السياسية تحاول الابتعاد وعدم اعتماد الأفكار التي من شأنها إثارة الجدل والخلاف. إذ أن “متطلبات النظرة إلى العدالة كإنصاف بوصفه مفهوما سياسيا وليس بوصفه جزءا من نظرية شاملة لمجموعة من الأفكار…-يفرض- عليها التمييز بين المفهوم السياسي والعقائد المختلفة الدينية والسياسية والأخلاقية”[11]. لذا، تعترف الليبرالية السياسية لكل العقائد بحقها في إثبات ذاتها، مفضلة الحياد وعدم تبني أية عقيدة أو مذهب شمولي. كما لا يهمها معرفة أي النظريات أو العقائد الأخلاقية أصح[12]. من منطلق أن “العدالة كإنصاف تأمل ان تستبعد النزاعات الجدلية الدينية والفلسفية المزمنة وتتجنب الاعتماد على أي نظرة شاملة معينة. وهي تستخدم فكرة مختلفة، هي فكرة التسويغ العام وتسعى إلى تحقيق الاعتدال في النزاعات السياسية الإنقسامية، وتعيين شروط التعاون الاجتماعي المنصف بين المواطنين”[13]. على اعتبار أن تحقيق المصلحة العامة يستوجب على المواطنين فصل هويتهم الخاصة، العقيدة … ، عن هويتهم السياسة. ” ذلك أن السمة الأساسية للديمقراطية هي الليبرالية التعددية … التي تتمثل في وجود مؤسسات حرة هي وجود عدد من المذاهب الشاملة المعقولة المتعارضة، دينية وفلسفية وأخلاقية، ويدرك المواطنون أنهم لا يستطيعون التوصل إلى اتفاق أو حتى مجرد التوصل إلى تفاهم متبادل على أساس مذاهبهم الشاملة المتعارضة. لهذا يحتاجون إلى أن يفكروا في الأسباب التي يمكن لهم بشكل معقول أن يدفعوا بها مقابل بعضهم البعض، عندما تكون المسائل السياسية الأساسية موضع خلاف”[14]. ولم يفت رولز التأكيد على التنوع العقدي من داخل المجتمعات المعاصرة باعتباره ملمحا دائما، وليس مجرد حالة ظرفية سرعان ما تزول. وهي التي يسميها “واقعة التعددية المعقولة”، ويعتبرها ميزة مطلوبة في المجتمعات الديمقراطية، كونها تعكس التنوع الإنساني. ويقابلها “واقع القمع”، حين تلجأ السلطة السياسية إلى القمع بغية فرض عقيدة شمولية ومحددة[15].

تعتبر واقعة التعددية المعقولة الأساس الذي ينطلق منه رولز في تأسيسه لجملة المبادئ التي بإمكان المواطنين، بصفتهم أحرارا ومتساوين، الانطلاق منها بغية تحقيق المجتمع العادل، دون الاضطرار للتخلي عن عقائدهم الخاصة. عبر ما يسميه رولز الإجماع المتشابك للعقائد المعقول، ويجد الأمر مبرره من خلال مسلمتين: الأولى، تعدد وتنوع التصورات الأخلاقية والفلسفية والدينية الشمولية من داخل المجتمعات الديمقراطية المعاصرة. الثانية، صعوبة، بل استحالة، اتفاق هذه العقائد الشمولية حول عقيدة موحدة. مما يفرض البحث عن الاتفاق من خلال مبادئ العدالة السياسية التي تتميز بالحياد إزاء كل العقائد الشمولية. إذ تعتبر الليبرالية السياسية أنه” بالرغم من أن مذاهبنا الشاملة غير قابلة للتوفيق بينها ولا يمكن التوصل إلى حل وسط، يستطيع المواطنون الذين يعتنقون مذاهب معقولة أن يشاركوا في تفكير عقلي من نوع آخر، وأعني تفكيرا وفقا لعقل عام[16] يتمثل في تصورات سياسية للعدالة”[17]. غير أن فكرة العقل العام، كما يوضح رولز، لن تلقى قبولا من مجموعة من المذاهب الشاملة: مذاهب الحق الإلهي، المذاهب الدينية الأصولية، الأرستوقراطية، الأوتوقراطية … لأنهم “سوف يقولون: إن الديمقراطية تؤدي إلى ثقافة مناقضة لعقائدهم الدينية، أو تنكر القيم التي لا يمكن الحفاظ عليها سوى بالحكم الديكتاتوري أو الأوتوقراطي. ويزعمون أن ما هو صواب دينيا أوما هو صواب فلسفيا يتخطى أو يتجاوز المعقول سياسيا. ونقول ببساطة: إن مثل هذا المذهب غير معقول سياسيا. في إطار الليبرالية السياسية لا يوجد مزيد من القول”[18]. والأكثر من ذلك، أن مختلف هذه المذاهب، حسب رولز، تشكل خطرا على المؤسسات الديمقراطية لسببين: الأول، استحالة التزامها بنظام دستوري، اللهم بصفة مؤقتة- التقية-. والثاني، وجود هذه المذاهب يشكل عقبة تحول دون تحقيق المجتمع الديمقراطي المعقول بمثله الأعلى، والمتمثل في فكرتين: العقل العام والشرعية القانونية. وفي ذلك إشارة إلى وجود حدود لما يستطيع العقل العام إنجازه[19]. غير أن هذا لا يلغي إمكان إسهام هذه المذاهب بمختلف تشكيلاتها في تنشيط المناقشات السياسية، شريطة تقديم جملة من الأسباب السياسية التي تتفق مع العقل العام. فما يميز المساواة الديمقراطية عدم افتراض مسبق لعقيدة أخلاقية أو فلسفية أو دينية شاملة، فبإمكان المواطنين توظيف الحجج الدينية في النقاش ” الناس يمكن أن يأتوا بالحجج من الكتاب المقدس إذا كانوا يريدون ذلك. لكن أريدهم أن يروا أنهم ملزمون أيضا بتقديم الحجج التي يمكن لجميع المواطنين المعقولين أن يوافقوا عليها”[20]. وهوما يفيد أن المواطنين لديهم ما يكفي من الأسباب الموضوعية لتفادي توظيف الحجج الدينية، لكون باقي المواطنين ليست لديهم دوافع لقبولها[21]. على اعتبار أن الليبرالية السياسية قائمة على واقعتين: الأولى، تتمثل في واقعة التعددية المعقولة. والثانية، تتمثل في كون السلطة السياسية من داخل النظام الديمقراطي سلطة مواطنين متساوين وأحرارا يشكلون كيانا جمعيا. ومن خلال الواقعتين تتشكل المشروعية السياسية الليبرالية، حيث السلطة تكون مشروعة إذا مورست طبقا لدستور، على أن المبادئ القانونية الأساسية نالت مصادقة المواطنين العقلانيين والمعقولين على ضوء عقلهم الإنساني العام[22].

ثانيا: نقد المذهب النفعي             

يعتبر الطرح الفكري الذي يقدمه جون رولز، كما أسلفنا في الفقرة السابقة، محاولة لتقديم بديل عن الطرح النفعي الذي هيمن على الساحة الفكرية والسياسية. لذا، اقتضت الضرورة أن يبدأ بنقد المذهب النفعي الذي أسسه رواد الفلسفة النفعية، وفي مقدمتهم دافيد هيوم وآدم سميث وجون ستوارت ميل وجيرمي بنتام … وفي هذا يقول رولز: “أردت التوصل إلى تصور في العدالة يقدم بديلا نظاميا معقولا عن المذهب النفعي، الذي ساد بشكل أو بآخر لفترة طويلة في التقليد الأنكلوساکسوني من التفكير السياسي، والسبب الرئيس الذي يدفعني لإيجاد مثل هذا مثل هذا البديل هو – لى ما أعتقد- في العقيدة النفعية كأساس للمؤسسات الديمقراطية الدستورية، على وجه الخصوص، لا أعتقد أن المذهب النفعي يستطيع تقديم تفسير مرضٍ للحقوق والحريات الأساسية للمواطنين كأفراد متساوين، وهو مطلب ذو أهمية أولى مطلقة من أجل تفسير المؤسسات الديمقراطية”[23]. لكن، لابد من التنبيه إلى أن الفلسفة النفعية ليست مدرسة واحدة، بل على العكس، تعددت مدارسها بتعدد مفكريها، ناهيك عن التعديلات التي تلحقها بين الفينة والأخرى. وهذا ما دفع جون رولز إلى الإشارة قبل الخوض في نقده إلى كونه سيكتفي ” بتوصيف أحد أشكال المذهب النفعي وهو العقيدة الكلاسيكية المتشددة، التي حصلت على صياغتها الأكثر وضوحا وفهما على يد “هنري سيدويك”. الفكرة الرئيسة هي أن المجتمع يكون منظما بشكل صحيح، وبالتالي عادلاً، حين يتم ترتيب مؤسساته الرئيسة بطريقة تمكن من تحقيق الرصيد الصافي الأعظم من الرضا المجموع على أساس جميع الأفراد الذين ينتمون إليه “[24].

يبدأ رولز نقده للمذهب النفعي من خلال جعله العدالة وسيلة لتعظيم المجموع الإجمالي للإشباعات الفردية، فإن المذهب النفعي يتجاوز من دون وجه حق المستوى الفردي نحو المستوى الكلي[25]. إذ يفرض على المجتمع أن “يسلك تماما على أساس نفس المبدأ المطبق على المجموعة وبالتالي اعتبار ما هو عقلاني لشخص واحد صحيحا لرابطة من الأشخاصيسلك المجتمع تماما على أساس نفس المبدأ المطبق على المجموعة وبالتالي اعتبار ما هو عقلاني لشخص واحد صحيح لرابطة من الأشخاص؟ كما هو الحال بالنسبة لرفاه الشخص الذي يبنى من سلسلة من الرضا التي يتم اختبارها في لحظات مختلفة من مسيرة حياته، كذلك وبنفس الطريقة تماما يُبنى الرفاه لمجتمع من إنجاز أنظمة الرغبات للكثير من الأفراد الذين ينتمون إليه. بما أن المبدأ بالنسبة للفرد هو السعي قدر الإمكان وراء الرفاه الذاتي له، نظام رغباته الذاتي، فإن المبدأ بالنسبة لمجتمع هو السعي قد الإمكان وراء الرفاه للمجموعة، لتحقيق إلى الدرجة الأعظم النظام الشامل للرغبة الذي يتم التوصل إليه من رغبات أعضائه. تماما كما أن الفرد يوازن مكاسبه الحالية والمستقبلية مقابل خسائره الحالية والمستقبلية، كذلك المجتمع قد يوازن الرضا وعدم الرضا بين أفراد مختلفين”[26]. مما يجعل النفعية تقدم مسوغا لانتهاك حرية الأقليات من أجل مكاسب أعظم للأغلبية. إذ لا يوجد سبب أصيل يمنع تعويض تحقيق مكاسب كبيرة مقابل خسائر قليلة. وهو ما يتعارض مع طرح رولز، الذي يقرر بان العدل هو الفضيلة الأولى التي يمكن أن توصف بها المؤسسات الاجتماعية[27] والهدف الأسمى من الاجتماع البشري. وهو ما لا يمكن تحقيقه من خلال مذهب المنفعة، الذي لا يولي أهمية أو اعتبارا للخسائر التي تلحق الأفراد، بل قد يذهب إلى أبعد من ذلك من خلال الصمت عنة مجموعة من السلوكات اللاأخلاقية من قبيل: الحنث بالوعود أو عقاب الأبرياء أو إنكار حقوق الأقليات …[28]. إذ يعتبر رولز الإخلال والتضحية بمبدأ العدالة مقابل تحقيق الصالح العام، ينم عن عدم احترام للتنوع والاختلاف الحاصل بين المواطنين:” فكل شخص يمتلك حرمة غير قابلة للانتهاك بالاستناد إلى العدالة، بحيث لا يمكن تجاهلها أو تجاوزها حتى لمصلحة رفاهية المجتمع. لهذا السبب تنكر العدالة أن فقدان حرية بعضهم يمكن أن يكون صحيحا من أجل تحقيق خير أكبر للآخرين. إنها لا تسمح بالتضحيات المفروضة على بعضهم مقابل مجموع أكبر من المنافع يتمتع بها الأكثرية. لذلك في مجتمع عادل تعد حريات المواطنين المتساوين راسخة؛ فالحقوق المصانة بوساطة العدالة ليست خاضعة للمقايضات السياسية أو للحسابات التفاضلية للمصالح الاجتماعية. والشيء الوحيد الذي يبيح لنا الخضوع لنظرية خاطئة هو عدم وجود نظرية أفضل؛ وبشكل متناظر، يمكن احتمال العدالة فقط إذا كان هذا ضروريا لتجنب لاعدالة أكبر. ولأنهما أولى فضائل النشاط البشري، فإن الحقيقة والعدالة غير قابلين للمساومة”[29]. في توافق مع القاعدة الأخلاقية التي صاغها من قبل الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط: “تصرف على نحو تعامل فيه الإنسانية في شخصك كما في شخص غيرك، دائما وأبدا، كغاية وليس مجرد وسيلة بتاتا”. [30]

في نقطة ثانية، يعتبر رولز أن المذهب النفعي يعامل الفرد والمجتمع بنفس المنطق غير آبهٍ للفروق الفردية التي تميز فردا عن آخر، إذ ” لا يمكن للمرء التوصل إلى مبدأ الاختيار الاجتماعي بمجرد التوسع بمبدأ الحذر العقلاني إلى نظام الرغبات الذي يتم بناؤه بوساطة مراقب محايد. إن القيام بهذا يعني عدم التعامل بجدية مع تعددية وتمايز الأفراد، وعدم الاعتراف بأساس للعدالة يمكن للأشخاص الإجماع عليه … لقد كان النفعيون مدافعين أقوياء عن الحرية وعن حرية التفكير، وهم يعتقدون أن خير المجتمع يتشكل من خلال المنافع التي يتمتع بها الأفراد. لكن المذهب النفعي ليس فردية؛ على الأقل حين نصل بوساطة المسار الطبيعي للتفكير، أنه من خلال دمج جميع أنظمة الرغبات، فهو يطبق على مجتمع مبدأ اختيار الشخص الواحد”[31]. وعليه يرفض رولز أن تكون المبادئ التي تنظم رابطة الأشخاص امتدادا لمبدأ اختيار الفرد الواحد، بل يكون المبدأ الناظم لأي شيء متوقفا على طبيعته، ومنه فالتعددية والتمايز بين الأفراد خاصية مميزة للاجتماع البشري. ولمزيد تمييز بين الأطروحة الرولزية والمذهب النفعي، عمد جون رولز إلى البحث في مفهومي الحق والعدل والعلاقة بينهما. مبرزا وجود نظريتين متباينتين بهذا الصدد: الأولى، غائية ثيولوجية Theological Theories، تمنح الخير تعريفا منفصلا عن مفهوم الحق، معتبرة هذا الأخير هو ما من شأنه تحقيق القدر الأعظم من الخير، ويجعله سابقا عليه. وهو الطرح الذي ذهب إليه النفعيون. الثانية، نظريات ديونتولوجية ترفض تعريف الخير في استقلال عن الحق، أو اعتبار الحق تعظيما للخير. أو بعبارة أوضح، التأكيد على أسبقية الحق والعدل على الخير والسعادة ورفض جعل الحق وسيلة في خدمة الخير. ونجد أصل هذا الطرح عند كانط وامتداده عند جون رولز، حيث يعدان الحق سابقا على الخير بمعنيين من الضروري التمييز بينهما: في المعنى الأول، الحق سابق على الخير، بما يفيد أن بعض الحقوق الفردية ترجح الاعتبارات المتصلة بالخير العام. أما في المعنى الثاني، فالحق سابق على الخير على النحو الذي يفيد بأن مبادء العدالة التي تعين حقوقنا ليست مرهونة، في تبريرها، بأي تصور محدد للحياة الخيرة”[32].

يتبين من خلال ما سبق، أن مبدأ العدالة وفق المذهب النفعي وما صاغه جيرمي بنتام يحمل في ثناياه كما هائلا من التناقضات الأخلاقية والاجتماعية. فمن جهة أولى، مقياس المنفعة العامة لا يأخذ بالاعتبار مصالح الفئات الهشة اجتماعيا اهتماما للفئات المحرومة اجتماعيا. ومن جهة ثانية، يتأسس على تفعيل المصالح المادية وترقيتها إلى مستوى القيمة. وهو ما من شأنه إحداث اختلالات على مستوى فكرة العدالة ورفعها كقيمة وهو ما يحدث اختلالا في فكرة العدالة، ذلك “أن مبدأ المنفعة يقترح بحثا حسابيا للذات، فعلم حساب اللذات يؤدي حسب هذا المبدأ إلى انسجام الاجتماعي، أما جون ستيوارت مل فيعتمد أصول مذهب المنفعة نفسه وسيرى في المصلحة نفسها العاطفة الأشد تعبيرا عن مبدأ الغيرية”[33]. في حين تعمل الأطروحة التي تحترم وتعلي من حقوق الإنسان باعتباره شخصا على التركيز على عمليات التوزيع العادل للخيرات، بما ضمن امتداد تأثيرها إلى الفئات الأكثر هشاشة. مما فرض نقد النفعية ووضع بديل نظري وعملي لها. من خلال محاولة التوفيق بين الحرية والعدل كونهما مبدأين أخلاقيين/سياسيين. كما كانت هذه النقائض داعيا إلى تحديد الفلسفة السياسية في المجتمعات الليبرالية عموما والولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص، وهي بالنسبة لرولز أمر ضروري، ذلك أن التصورات داخل الفلسفة السياسية لا تعد من قبيل الترف الفكري، بل هذه مطالب آنية تتحدد عبر تلك العلاقة الجدلية القائمة مع مطالب الواقع[34].

لقد قادت هذه القراءة النقدية والتأملية جون رولز إلى صياغة نظريته في العدالة، حيث وضع أسسها في كتابين رئيسين: الأول، نظرية العدالة سنة 1971 مع إعادة صياغة من خلال كتابه العدالة كإنصاف، سنة 1996. والثاني، قانون الشعوب سنة 1999. فقد أفرد الأول لبسط مبادئ العدالة المحلية أو الأهلية، والتي تهدف تنظيم البنية القاعدية للمجتمع، ويعني بها: مجمل المؤسسات السياسية والاجتماعية الرئيسية- بدءا بالدستور وصولا إلى الأسرة- وطريقة تلاؤمها مع بعضها البعض على ترسيمة نظام تعاوني واحد[35]. في حين خصص الكتاب الثاني، قانون الشعوب، لبسط مبادئ العدالة الدولية الكفيلة بتنظيم العلاقات الدولية، والتي يجب أن تتبناها وتلتزم بها كل الدول في سياساتها وعلاقاته الخارجية.

الفقرة الثانية: العدالة كإنصاف

يعتبر المتتبعون للفكر السياسي أن نظرية العدالة كما قدمها جون رولز تعتبر بحق من أبرز الأطروحات الفلسفية بعد نظريات العقد الاجتماعي التي أنتجها فلاسفة القرنين السابع عشر والثامن عشر، إذ عمل على ” تقديم تصور للعدالة يمكّن من تعميم ورفع مستوى التجريد لنظرية العقد الاجتماعي الشهيرة كما وجدت في أعمال “لوك” و”روسو” و”كانط”. . على ألا نفكر بالعقد الأصلي على أنه عقد لدخول مجتمع معين … وبدلا من ذلك، إن الفكرة الموجهة هي أن مبادئ عدالة البنية الأساسية لمجتمع ما هي هدف أو موضوع الاتفاقية الأصلية”[36]. وقد صمم رولز نظريته جاعلا أرضية اشتغالها ومادتها البنية السياسية للمجتمع، أي الكيفية التي تعمل من خلالها كل المؤسسات الاجتماعية على توزيع الحقوق والواجبات، وكذا تقسيم المنافع المترتبة عن الشراكة الاجتماعية. معتبرا في ذلك العدل أساس البناء الاجتماعي، ومن اللازم أن تتوافق كل التشريعات والسياسات وما تستلزمه مبادئ العدل. معتبرا توفير أساس فلسفي وأخلاقي مقبول للمؤسسات الديمقراطية أحد الأهداف العملية لنظرية العدالة كإنصاف. غير أن بلوغ هذا الهدف يحتم البحث عن أفكار مألوفة من داخل الثقافة السياسية العامة للمجتمع الديمقراطي، بحيث يمكن صياغتها في مفهوم للعدالة السياسية. ليخلص في بحثه إلى أن أكثر هذه الأفكار أساسية هي فكرة المجتمع بوصفه نظاما منصفا من التعاون الاجتماعي بين الأجيال. فكرة تمت صياغتها من خلال الترابط مع فكرتين أساسيتين: الأولى، فكرة المواطنين باعتبارهم أشخاصا أحرارا ومتساوين. الثانية، فكرة مجتمع حسن التنظيم، تنظيما فعالا بواسطة مفهوم العدالة[37]. أي أنهم منخرطون في تعاون اجتماعي ومتمتعون بقوتين أخلاقيتين: الأولى، يسميها قدرة الحس بالعدالة ” وهي القدرة على الفهم والتطبيق والعمل انطلاقا من مبادئ العدالة السياسية”[38]. والثانية، هي القدرة على تحصيل مفهوم للخير ” أي القدرة على حيازة مفهوم للخير، ومراجعته، ومتابعته العقلانية”[39]. لكن بأي معنى يعتبر الأشخاص متساوين؟ وبأي معنى يعتبرون أحرار؟

 يعتبر الأشخاص متساوين حين يتمتعون، إلى الحد الأدنى الجوهري، بالقوى الأخلاقية الضرورية التي تجعلهم قادرين على الانخراط لحياة كاملة في تعاون اجتماعي، وكذا المشاركة كمواطنين متساوين في المجتمع. كما أن حيازتهم هذه هي أساس تساويهم. ومنه يميز رولز من جهة بين المجتمع السياسي، حيث تغيب القيم المشتركة والمواطنون يؤكدون الدستور وقيمه السياسية كما هما متحققان في مؤسساتهم. ومن جهة ثانية الجمعيات العديدة في داخله والتي تتعداه[40]. ويعتبرون أحرارا من وجهين: الأول، أن يتصوروا والآخرين حائزين القوة الأخلاقية التي تمكنهم من تكوين مفهوم للخير، مع القدرة على تغيير ومراجعة هذا المفهوم وفق أسس معقولة وعقلانية وبشكل مستقل عن أي مفهوم خاص أو ترسيمة غايات نهائية، مما يجعل هويتهم القانونية لا تتأثر بالتغيرات الطارئة على مفهومهم للخير[41]. الثاني، ” أنهم يتعبرون أنفسهم مصادر التصديق الأصلصة الذاتية على المطالبة الصحيحة”[42]. ليكونوا بذلك مؤهلين لمطالبة المؤسسات بالأخذ بمفاهيمهم للخير. شريطة أن تقع هذه المفاهيم في المجال الذي يسمح به المفهوم العام للعدالة.

تقوم الفكرة الثانية المؤثثة لفكرة المجتمع بوصفه نظام تعاون منصف على فكرة “المجتمع حسن التنظيم”، ويقصد بها رولز مجتمعا منظما تنظيما فعالا بواسطة مفهوم عام للعدالة[43]، حيث المؤسسات خاضعة في تدبيرها لجملة من القواعد المعترف بها من قبل جميع المواطنين، مع ضرورة التمييز عند رولز بين معنيين للمجتمع: معنى عام يفيد المجتمع المنظم تنظيما فعالا بواسطة مفهوم عام للعدالة (سياسي)، مهما كان. والثاني، معنى خاص عندما تتم الإشارة إلى مجتمع حسن التنظيم وفق مفهوم خاص للعدالة، حيث كل المواطنين يقبلون مفهوما سياسيا للعدالة، ويدركون قبول الآخرين لذات المفهوم.

يعتبر رولز أن تحقيق فكرة المجتمع حسن التنظيم، يستلزم ثلاثة أمور: الأول، فكرة المفهوم العام للعدالة، بمعنى قبول كل فرد المفهوم السياسي للعدالة، مع معرفته بقبول الآخر لذات المفهوم، وبالتالي قبول مبادئ العدالة السياسية نفسها. الثاني، فكرة التنظيم ذي الكفاءة التي تجعل من فكرة البنية الأساسية للمجتمع فكرة ذات معرفة عمومية، أو يعتقد الأفراد بوجاهتها لتحقيق مبادئ العدالة. الثالث، فكرة أن للمواطنين حسا فعالا بالعدالة، وهوما من شأنه أن يجعلهم قادرين على فهم وتطبيق مبادئ العدالة كما هي مفهومة إلى العموم، وكذا العمل تبعا لذلك وفق ما يتطلبه وضعهم داخل المجتمع من واجبات والتزامات[44].

أولا: الوضع الأصلي وحجاب الجهل

من الواضح أن نقد رولز لمذهب المنفعة فرض بناء نظرية بديل، من خلال عدة أفكار ومفاهيم ومبادئ. ولعل في مقدمة الأفكار التي يعتمدها جون رولز في تأسيسه النظري: مفهوم الوضع الأصلي ومفهوم حجاب الجهل.

تعتبر فكرة، الوضع الأصلي، فكرة مركزية في الطرح السياسي لرولز بوجه عام، إذ يعرفه بكونه: ” الوضع الاجتماعي المبدئي المناسب الذي يضمن أن تكون الاتفاقات الأساسية التي يتم التوصل إليها فيه منصفة “[45]. وهو عبارة عن حالة افتراضية يعمل من خلالها الأفراد، باعتبارهم عقلانيين وأحرارا، على الاتفاق على توزيع عادل للموارد والفرص والحقوق بطريقة معقولة. لذا، فـ “في العدالة إنصافا يقابل الوضع الأصلي للمساواة دولة الطبيعة في نظرية العقد الاجتماعي التقليدية. لا نفكر بهذا الوضع الأصلي على أنه دولة تاريخية فعلية، ولكن كظرف بدائي من الثقافة. ويجب فهمه على أنه وضع افتراضي صرف له هذه المواصفات حتى يقودنا إلى تصور معين عن العدالة”[46]. غير أن العدالة في طرح رولز تحل محل الأمن في نظرية العقد الاجتماعي، كما أن رولز لا يهتم بالانتقال من حالة سابقة إلى حالة لاحقة بقدر ما يهتم بتحديد القوانين التي من شأنها العمل على بروز مبادئ العدالة الكفيلة بقيادة المجتمع الديمقراطي. ولعل الهدف الرئيس من وراء توظيف هذه الفكرة من لدن رولز هو توصل الأفراد إلى اتفاق بشأن مبادئ وشروط العدالة الكفيلة بتحقيق الإنصاف. فقد تصور الوضع الأصلي تجمعا لأشخاص أحرار بهدف اختيار المبادئ التي ستسير المجتمع على مستوى قسمة الخيرات وإعادة ترتيب المكاسب والالتزامات: “علينا أن نتصور أن أولئك المشاركين في شراكة اجتماعية يختارون معا في فعل مشترك واحد المبادئ التي سوف تخصص الحقوق والواجبات الأساسية وتحدد التقسيم للمنافع الاجتماعية”. [47] غير أن التوصل إلى اتفاق من هذا النوع يستلزم، حسب رولز، جملة من الضوابط ” فلا بد من دخال هذا الاتفاق في شروط معينة ليكون اتفاقا صحيحا من وجهة نظر العدالة السياسية”[48].

بالعودة إلى نظرية العدالة لرولز، يمكن الحديث عن سبعة شروط مؤطرة: الأول، عقلانية الأطراف المتفاوضة، إذ يفترض رولز منذ البداية أن الأشخاص في الوضع الأصلي عقلانيون، كما يفترض أيضا جهلهم بتصورهم للخير[49]. الثاني، ضرورة وضع الأشخاص الأحرار والمتساوين في وضع منصف. فمن جهة أولى عدم تمتيع بعضهم دون البعض الآخر بامتيازات، ومن جهة ثانية إلغاء كل ما من شأنه أن يشكل تهديدا أو خديعة أو إكراها … [50]. الثالث، ضرورة امتلاك المتفاوضين لخطة عقلانية في الحياة حتى وإن جهلوا تفاصيلها، والقصد أنهم “يعرفون أن لديهم بعض الخطط العقلانية في الحياة، فهم لا يعرفون تفاصيل هذه الخطة، الغايات والمصالح الخاصة التي تحسب لتعزيزها”[51]. الرابع، تغييب المصلحة الخاصة من لدن المتفاوضين والرغبة في التضحية من أجل مصلحة الآخرين. وهذا لا يعني عند رولز التضحية بمصالح المتفاوضين من أجل المجتمع، بل المطلوب أن يتفاوض كل فرد باسم المجتمع الذي فوضه، لأنه لا يعرف موقعه ومكانته في المجتمع، فهدفه الأساس تحقيق مصلحة الجميع. الخامس، إدراك المتفاوضين لحقيقة أساسية، مفادها أن اختيارهم للمبادئ سيكون مقبولا بشكل عقلاني من لدن الآخرين، خصوصا الذين ستتأثر حقوقهم بهذا الاختيار. الشرط السادس، “افتراض آخر لضمان الطاعة المتشددة. يفترض أن الأطراف قادرون على الإحساس بالعدالة، وهذه الحقيقة معرفة عامة بينهم. وهذا الشرط لضمان سلامة الاتفاقية التي تبنى في الوضع الأصلي”[52]. أما الشرط السابع، فيؤكد على ضرورة امتلاك كل المتفاوضين لنفس القدر من المعلومات العامة دون تمييز، فلا ” توجد معلومات عامة مغلقة أمامهم”[53].

سبقت الإشارة إلى أن الوضع الأصلي للمساواة عند رولز يقابل دولة الطبيعة في نظرية العقد الاجتماعي التقليدية، مما يجعل مجمل هذه الشروط قريبة مما سبق طرحه من قبل رواد العقد الاجتماعي، غير أن نظرية العدالة السياسية تطرح بعدا إضافيا يتمثل في حجاب الجهل. والذي بموجبه يفترض جون رولز أن المتفاوضين مهما امتلكوا من معارف ومهما تعدد مجالات إدراكهم، فإنهم بالضرورة يجهلون كل شيء عن أنفسهم. وفي هذا يقول: ” والآن من أجل القيام بهذا أفترض أن الأطراف يتموضعون خلف حجاب من الجهل. إنهم لا يعرفون كيف ستؤثر البدائل المتنوعة على حالتهم الذاتية وهم مضطرون لتقييم البدائل كلية على أساس اعتبارات عامة.

لقد افترض إذن أن الأطراف لا يعرفون أنواعا معينة من حقائق معينة. في المقام الأول، لا أحد يعرف مكانه في المجتمع، طبقته الاجتماعية أو وضعه الاجتماعي، ولا يعرف نصيبه من التوزيع المتعلق بالإمكانات والموجودات الطبيعية، ذكائه وقوته، وما شابه. ولا أحد يعرف أيضا تصوره للخير، خصوصيات خطته العقلانية للحيان، أو حتى السمات الخاصة لوضعه السيكولوجي مثل مناهضته للخطر أو خضوعه للتفاؤلية أو التشاؤمية. بل أبعد من ذلك، يفترض أيضا أن أطراف التعاقد لا علم لهم بالظروف الخاصة بمجتمعهم الذاتي. بمعنى آخر، أنهم لا يعرفون وضعهم الاقتصادي والسياسي، أو المستوى الخاص بالمدنية وبالثقافة الذي يمكن تحقيقه. ليس لدى الأشخاص في الوضع الأصلي معلومات مثل الجيل الذي ينتمون إليه”[54].  والغرض من ذلك كله هو ضمان حياد أطراف التفاوض وعدم انحيازهم لما يحقق المصالح الشخصية، “فمبادئ العدالة يتم اختيارها خلف حجاب من الجهل. وهذا يضمن عدم انتفاع أو تضرر أي فرض في اختياره للمبادئ من خلال حصيلة الفرصة الطبيعية أو ظرفية الشروط الاجتماعية. بما أن الجميع يحتلون موقعا متشابها ولا أحد يستطيع تصميم مبادئ لمحاباة ظرفه الخاص، تكون مبادئ العدالة نتيجة اتفاقية أو صفقة منصفة. إذ إنه بافتراض شروط الوضع الأصلي، التماثل في علاقات كل شخص مع الآخر، يكون هذا الوضع المبدئي منصفا بين الأفراد كأشخاص أخلاقيين، أي بما أنهم كائنات عقلانية تمتلك غايات ذاتية وقادرة-سوف أفترض، على الإحساس بالعدالة”[55]. على أن تعرض على المتفاوضين قائمة من المبادئ يتم الاختيار بينها. وهي عبار ة عن لائحة تضم أهم مفاهيم العدالة السياسية التي أنتجتها الفلسفة السياسية. مما يمنح الأطراف المتفاوضة مجالا واسعا للاختيار والمقارنة بين مختلف المبادئ النتائج المترتبة عنها. إلا أن المتفاوضين، حسب رولز، سيضطرون لرفض كل الأطروحات السابقة كونها تمنح امتيازات لفئة على حساب فئات أخرى مع اختلاف الأسس المعتمدة. لذا، سيكون ” هدفنا الأول والأدنى أن نقع على مفهوم سياسي للعدالة يمكنه أن يعيَّن أساس أخلاقيا ملائما للمؤسسات الديمقراطية ويصمد إزاء البدائل الموجودة”[56].

نخلص من خلال ما سبق إلى تعريف إجرائي لمبادئ العدالة حسب رولز، كونها ” تلك المبادئ التي يقوم أشخاص عقلانيون يسعون لتحقيق مصالحهم بالاجماع عليها كأشخاص متساوين، بحيث لا يعرف عن أحد أنه ينتفع أو يتضرر من خلال الظروف الاجتماعية والطبيعية”[57].

ثانيا: مبدأ العدالة

مما لا شك فيه أن القصد من دخول الأطراف في التفاوض، من داخل الوضع الأصل وفق لائحة من الضوابط والشروط، هو التوصل إلى اتفاق بشأن مبادئ العدالة الكفيلة بتدبير وحكم المجتمع، مبادئ ” يقبلها أشخاص أحرار وعقلانيون يهتمون بتحقيق مصالحهم الذاتية في وضع مبدئي من المساواة على أنها تحدد الشروط الأساسية لرابطتهم. ويجب أن تنظم هذه المبادئ جميع الاتفاقيات الأخرى؛ إنها تعين أنماط الشراكة الاجتماعية وأشكال الحكومات التي يمكن تأسيسها[58]. ويسمي رولز هذه الطريقة في النظر إلى مبادئ العدالة: العدالة إنصافا. حيث يعمل المشاركون من خلال فعل مشترك واحد على اختيار المبادئ التي من شأنها تخصيص الحقوق والواجبات، وكذا تحديد تقسيم المنافع الاجتماعية.

بدأ رولز بحثه في المبادئ المؤسسة للعدالة السياسية من خلال التساؤل التالي: “ما هي مبادئ العدالة الأكثر ملاءمة لتعيين الحقوق الأساسية والحريات ولتنظيم ظواهر اللامساواة الاجتماعية والاقتصادية في نظرات المواطنين العامة على مدى حياة كاملة؟[59]، مما يكشف الهم الأساس عند رولز، والمتمثل في صياغة مبادئ للعدالة تكون أكثر ملاءمة واتساقا لضمان الحريات الأساسية – حرية الرأي والتعبير والضمير- ومن جهة ثانية تكفل توزيعا عادلا للثروات الاجتماعية والمنافع. كل ذلك بغية تجاوز مظاهر اللاعدالة واللامساواة التي تغرق فيها المجتمعات الليبرالية. على أن تكون هذه المبادئ قادرة على الصمود على مدى الحياة، ولا يستجيب لهذه الشروط إلا مبدآن.

  • المبدأ الأول: حفظ الحريات الأساسية: يهدف ضمان الحريات الأساسية والحقوق للجميع بالتساوي، إذ ” يتطلب. . ببساطة أن أنواعا معينة من الحريات الأساسية تطبق على كل شخص بالتساوي وأن تسمح بالحرية الواسعة القصوى المتوافقة مع حرية مماثلة للجميع”، وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى أن رولز يولي أهمية كبرى لجملة من الحريات الأساسية، خصوصا ما تعلق بالحريات السياسية من قبيل: تحول المسؤولية العمومية والحق في التصويت وحرية التعبير والحرية التفكير والاجتماع … وقد عمل رولز على وضع مجموعة من القواعد التي تحد من تصادم الحريات وكذا تضمن عدم التفاوت بين الفئات من حيث التمتع بالحريات الأساسية، أو يجعل فئة مهيمنة وأخرى مستعبدة ( جدلية العبد والسيد).

يتضح إذن أن المبدأ الأول يهدف منح الجميع نفس الحق على مستوى الحريات الأساسية دون تمييز أو محاباة لفئة على حساب فئة أخرى، مما يجعل المؤسسات داخل المجتمع تعامل المواطنين جميعا على قدم المساواة. لأن وحدة الفهم والتصور لدى المواطنين في الوضع الأصلي لهذا المبدأ يشكل قاعدة النظام الديمقراطي.

  • المبدأ الثاني: يتضح من خلال المبدأ الأول، أن الفكر السياسي/ الأخلاقي عند رولز يتأسس على مبدأ الحرية من خلال تأكيده على ضرورة تمتع كل الأفراد وبشكل متساو بالحريات الأساسية. غير أن الواقعية، التنوع والتفاوت داخل المجتمع، تستلزم إضافة مبدأ ثان، وهو مبدأ التفاوت. على شرط تكون منظمة لفائدة الأفراد الأقل حظا، وتكفل لهم وضعا مرضيا. وفي هذا يقول رولز موضحا” ويجب أن تحقق ظواهر اللامساواة الاجتماعية والاقتصادية شرطين: أولهما يفيد أن اللامساواة يجب أن تتعلق بالوظائف والمراكز التي تكون مفتوحة للجميع في شروط مساواة منصفة بالفرص، وثانيها يقتضي أن تكون ظواهر اللامساواة محققة أكبر مصلحة لأعضاء المجتمع الذين هم الأقل مركزا”[60].

إن مجال تطبيق المبدأ الثاني عند رولز، يرتبط بالثروة والدخل، والهدف الرئيس يتمثل في تحقيق العدالة الاجتماعية مع الأخذ بعين الاعتبار الآثار السلبية للمساواة المطلقة على صعيد الإنتاجية. لأن التفاوت على المستويين الاقتصادي والاجتماعي لا تكون عادلة إلا إذا كانت قادرة على إنتاج مزايا تضمن تعويضا للأعضاء الأقل حظا، فرولز ” يعتقد أنه لا يوجد تفاوت في حقيقة أن عددا قليلا يتحصل على امتيازات أعلى من المتوسط في وقت تتحسن فيه وضعية المحرومين بهذا الصنيع”[61]. على شرط الاتساق بين توزيع الدخل والثروة، وكذا مواقع المسؤولية والسلطة من جهة، والحريات الأساسية وتكافؤ الفرص من جهة ثانية.

يبدو إذن، أن المبدأ الثاني يخدم المجتمع من حيث أن المساواة المطلقة على مستوى توزيع الدخل ستؤدي حتما إلى تراجع الإنتاجية مع مرور الزمن، وبالتالي تضرر الجميع. على أن يتمتع كل فرد بالفرص ذاتها التي تكفل له بلوغ مختلف الوضعيات الاجتماعية وتقلد الوظائف المؤسساتية كما ينص على ذلك المبدأ الأول.

نخلص مع فرانسوا تيري إلى أن رولز يروم من خلال المبدأين استبعاد تضحيتين: الأولى، تتمثل في تضحية الفئة الأكثر حرمانا باسم الفعالية الاقتصادية، إذ من شأنه أن يقود المجتمع إلى الليبرالية المتوحشة. الثانية، التضحية باسم العدالة الاجتماعية، أو بعبارة أخرى رفض الاشتراكية السلطوية[62]. ولا قيمة للمبدأين حسب رولز إلا إذا عرضا تبعا لترتيب إجباري، فلابد من استيفاء المبدأ الأول، قبل الانتقال إلى مبدأ الفرص، وهذا الأخير قبل الخوض في مبدأ التفاوت أو اللامساواة، فـ”المبدأ الأول سابق للمبدأ الثاني … وكذلك تسبق المساواة المنصفة بالفرص في المبدأ الثاني مبدأ الفرق. وما نعنيه بالأسبقية هم أننا نفترض التحقق الكامل لمبادئ الأسبقية عند تطبيق مبدأ ممن المبادئ”[63]. فلا يمكن تبرير انتهاك الحريات الأساسية التي يكفلها ويحميها المبدأ الأول، ولا حتى التعويض عنها بمنافع اجتماعية أو اقتصادية.

الفقرة الثالثة: قانون الشعوب

إذا كانت نظرية العدالة كإنصاف تمثل منظور رولز لتدبير المجتمع المحلي، فإن قانون الشعوب يمثل منظوره للمجتمع الدولي، على غرار الأطروحات المعاصر التي عمل أصحابها على تقديم إطار نظري لتدبير العلاقات الدولية، من قبيل حوار الحضارات لصامويل هنتنجتون ونهاية التاريخ لفرانسيس فوكوياما ونظرية القوة الناعمة لجوزيف ناي … وهذا ما يوضحه عند قوله: “أعني بقانون الشعوب تصورا سياسيا محددا عن الحق والعدالة يتفق مع مبادئ ومعايير القانون الدولي والممارسات الدولية … والقضية التي أطرحها: كيف يمكن للمبادئ التي يتضمنها قانون الشعوب أن تنشأ عن فكرة ليبرالية عن العدالة، تشبه العدالة كإنصاف”[64]. ليبحث عن المبادئ الكفيلة بتأطير العلاقات بين الشعوب سواء كانت ليبرالية أو غير ليبرالية، إذ يكفي التزامها بمجمل الحريات التي تشكل قاعدة الليبرالية التقليدية من قبيل حرية التعبير وحرية المعتقد. مما يجعل قانون الشعوب نظرية سمحة تقبل بوجود حكومة خاصة لكل شعب، والتعامل معها، والتي قد تكون ليبرالية دستورية أو حكومات غير ليبرالية، ولكنها سمحة[65]. فإذا كانت العدالة كإنصاف مبادئ يقرها الأفراد، فإن قانون الشعوب ” تقره جنبا إلى جنب شعوب أخرى في ظروف مناسبة باعتباره أنها شعوب عادلة وسمحة ولا تسترشد في سلوكها فقط بالسعي الحصيف أو العقلاني لتحقيق مصالحها”[66]. وعليه فقانون الشعوب قانون كوني يقبل بكل الشعوب شريطة أن تكون عادلة أو سمحة، وألا يكون هدفها تحقيق مصالحها دون مصالح باقي الشعوب، بل العمل بأسلوب مشترك يضمن بلوغ العدالة بين الشعوب.

يفضل رولز اصطلاح “الشعوب” في صياغته النظرية بدل اصطلاح “الدول”، وذلك لسببين: الأول، السمات الرئيسة المميزة للشعوب، والتي يلخصها في ثلاث سمات “حكومة ديمقراطية دستورية عادلة إلى حد معقول … مواطنون يوحد بينهم ما يسميه جون ستيوارت مل المصالح الأساسية للمواطنين، وأخيرا طبيعة أخلاقية”[67].

فالسمة الأولى ذات بعد مؤسساتي تفرض جعل الحكومة تحت السيطرة الأساسية وأن تكون الانتخابات للشعب، بحيث تحاسب على المصالح الأساسية للشعب وفق ما ينص عليه الدستور. مع استحضار حقيقة أساسية وبديهية ” أن من الضروري أن نقيم مؤسسات على نحو يحفز أفراد الشعب بدرجة كافية على احترامها، وأن نزيل المغريات الظاهرة للفساد”[68].

أما السمة الثانية، فذات بعد ثقافي، تفرض الحاجة إلى مشاعر وجدانية مشتركة، والعمل على إرضاء المصالح والاحتياجات الثقافية المعقولة لجماعات ذات خلفيات إثنية وقومية متنوعة ومتعددة.

في حين تتخذ السمة الثالثة بعدا أخلاقيا و”تتطلب الارتباط القوي الثابت بتصور سياسي(أخلاقي) عن الحق والعدالة”[69]. فالشعوب إذن، تتميز بالمعقولية والعقلانية، فلا تحركها المنافع الضيقة الخاصة، بقدر ما يكون دافعها وبمعقولية وعقلانية المصالح الأساسية دونما مساس بمصالح باقي الشعوب. فما يميز الشعوب هو امتلاكها للبعد الأخلاقي، والذي يغيب عند الدول، حيث تحضر الواقعية السياسية “فالدول هي الطرف الفاعل في العديد من نظريات السياسات الدولة … وكثيرا ما ينظر إلى الدول على أنها عقلانية شديدة الحرص على قوتها وتعمل دائما على تحقيق مصالحها الأساسية … ولا تزال السمة الغالبة هي نضال الدول من أجل القوة والمكانة والثروة في ظل حالة من الفوضى العالمية[70]. السبب الثاني، هو أن الشعوب لا تنطبق عليها حقوق السيادة التقليدية، والتي تمنح الدول، وفق النظرية الواقعية، الحق في خوض الحرب لبلوغ أهدافها السياسية. والحق في الاستقلالية الذاتية في التعامل مع الشعب[71].

نفهم من خلال التقديم السابق أن قانون الشعوب عبارة عن توسيع لنظرية “العدالة كإنصاف”، أو بعبارة أخرى نقل لنظرية العدالة من المجتمع الأهلي/ المحلي إلى المجتمع العالمي ” لوضع مبادئ العدالة التي تحكم العلاقات بين الشعوب. ويوسع نطاق فكرة العقد الاجتماعي، مع مفهومي الوضع الأصلي وستار الجهالة، للتوصل إلى مبادئ عامة يمكن بل يجب أن تقبل من المجتمعات الليبرالية والمجتمعات السمحة على أنها المعيار لتنظيم العلاقات فيما بينها”[72]. غير أن الوضع الأصلي في قانون الشعوب يكون عبر ثلاثة مستويات: الأول، يتم داخل المجتمعات المحلية بهدف اختيار ممثلي الشعب. الوضع الثاني، يتم من خلاله الاتفاق بين ممثلي الشعوب الليبرالية على قانون الشعوب. أما الوضع الثالث، فيتم خلاله الاتفاق بين ممثلي الشعوب الليبرالية والشعوب السمحة. كما أن حجاب الجهالة يجب أن يكون سميكا وليس مجرد ستار رقيق، لا يسمح للأطراف بمعرفة المذاهب الشاملة للشعوب … ولا يعرفون حجم الأراضي أو عدد السكان أو القوة النسبية للشعب الذين يمثلون مصالحه الأساسية[73]. مما يجعل من قانون الشعوب، حسب رولز، قانونا واقعيا وقابلا للتنزيل على أرض الواقع. فما هي المبادئ المنظمة لقانون الشعوب؟ وما هي القواعد المؤطرة للعلاقات بين الشعوب؟

أولا: المبادئ المنظمة لقانون الشعوب.

يؤكد رولز منذ البداية أن مبادئ قانون الشعوب لا تهدف تأسيس دولة عالمية، بقدر ما تهدف ” فتح المجال لأشكال متعددة من الروابط التعاونية والاتحادات بين الشعوب”[74]، على اعتبار أن قيام الدولة العالمية لن يفرز إلا استبدادا أو امبراطورية هشة تمزقها الصراعات والحروب الأهلية[75]. غير مستبعد في الآن نفسه إمكان قيام ” أنواع عديدة مختلفة من التنظيمات تخضع لحكم قانون الشعوب ويعهد إليها بتنظيم التعاون بين الشعوب والقيام بواجبات محددة متفق عليها”[76]. من شأنها العمل على تحقيق العدالة العالمية ومحاربة الانتهاكات المحتملة لحقوق الشعوب والأفراد. مما يستلزم مبادئ ثمانية: الأول، اعتبار الشعوب حرة ومستقلة، على أن يحترم كل شعب استقلال وحريات الشعوب الأخرى. الثاني، احترام الشعوب للمعاهدات والتعهدات. المبدأ الثالث، يجعل كل أطرافا في المعاهدات وعلى قدم المساواة. الرابع، مبدأ عدم التدخل. الخامس، للشعوب حق الدفاع عن النفس، لكن ليس لها حق شن الحرب أو التحريض عليها. المبدأ السادس، ينص على احترام كل الشعوب لحقوق الإنسان. السابع، التزام مجموعة من الحدود أثناء الحرب. المبدأ الثامن، التكافل والتضامن العالمي، حيث تعمل الشعوب على مساعدة ومساندة الشعوب المغلوبة، والتي تمنعها ظروفها من بناء نظام سياسي واجتماعي عادل أو سمح[77].

يتوقف رولز عند هذه المبادئ للتأكيد على عدة أمور: من جهة أولى حاجة بعض هذه المبادئ إلى مزيد شرح وتفسير. من جهة ثانية، يلح على أن بعض هذه المبادئ ليست ضرورية في المجتمعات الجيدة التنظيم. ومن جهة ثالثة، تحتاج بعض المبادئ، خصوصا الرابع، إلى قيود وضوابط إضافية تكفل احترامها. إذ الغرض من تسطير هذه المبادئ يتمثل في سيادة التعاون بين مختلف الشعوب بغية النهوض بالمتعثرة منها حتى تحقيق المساواة والعدالة الكونية.

ثانيا: قواعد التعامل بين الشعوب

لقد عمل رولز، قبل خوضه في القواعد المؤطرة للعلاقات بين الشعوب، على التمييز بين أنواع خمسة من الشعوب تبعا لقربها أو بعدها من الليبرالية: النوع الأول، يستجيب لمقومات الليبرالية إلى حد معقول. النوع الثاني، يضم الشعوب السمحة، وتتميز بهرمية تشاورية سمحة. النوع الثالث، شعوب خارجة عن القانون تتسم بالعدوانية وغلبة الأطماع التوسعية. أما النوع الرابع فيجمع المجتمعات المغلوبة على أمرها والمثقلة بأحوال غير مواتية، غير أنها ليست عدوانية وتراعي حقوق الإنسان. والنوع الخامس حيث تسود السلطة المطلقة الخير، أو ما يسمى في بعض الأدبيات مجتمعات المستبد العادل[78]. وبناء على هذا التقسيم يميز رولز بين نوعين من القواعد الحاكمة المؤطرة للعلاقات بين الشعوب:

  • القواعد المؤطرة للتعامل بين الشعوب المقبولة: أجمل رولز القواعد المؤطرة للعلاقات بين الشعوب المقبولة في قاعدتين: قاعدة التسامح، والتي بموجبها يتم قبول الشعوب غير الليبرالية ورفع كل العقوبات عليها، ثم اعتبارها أعضاء يتمتعون بنفس الحقوق على قدم وساق مع الشعوب الليبرالية، إذ “التسامح أو القبول لا يعني فقط الامتناع عن ممارسة العقوبات السياسية-عسكرية أو اقتصادية أو دبلوماسية- لحمل شعب من الشعوب على أن يغير سلوك حياته، بل يعني التسامح أيضا قبول هذه الشعوب غير الليبرالية كأعضاء مشاركين على قدم المساواة ولهم مكانة جيدة في مجتمع الشعوب، لهم حقوق وعليهم التزامات معينة”[79]. أما القاعدة الثانية، فهي المساعدة أو التعاون، فرولز يلزم الشعوب الليبرالية بضرورة التعاون مع الشعوب السمحة ومساعدتها. وذلك بالنظر لما تحوزه الشعوب الليبرالية من إمكانات من شأنها توظيفها في مواكبة الشعوب السمحة على مستوى إنجاز مشاريع تؤهل هذه الأخيرة على الانخراط الجيد والسليم في حماية الحقوق واستتباب السلم بين الشعوب.
  • قواعد التعامل مع الشعوب غير المقبولة: قبل الخوض في القواعد المؤطرة للعلاقة مع الشعوب غير المقبولة، يميز رولز في هذه الأخيرة بين نوعين: شعوب عدوانية لا تؤمن إلا بالحرب سبيلا وحيدا لتحقيق المصالح. وشعوب تعاني ظروفا سياسية واقتصادية واجتماعية تحول بينها وبين التحول إلى شعوب سمحة. وكلاهما يشكل عائقا أمام إحقاق حقوق الإنسان وكرامته من جهة وحائلا دون قيام مجتمع الشعوب من جهة ثانية. لذا وجب العمل على كبحهما عبر إعمال قاعدتين: قاعدة الحرب العادلة، التي تلجأ إليها الشعوب الليبرالية والشعوب السمحة دفاعا عن النفس بهدف وضع حد للاعتداءات الخارجية من طرف الشعوب العدوانية، وكذا وضع حد للحرب القائمة على تحقيق مصالح عقلانية للشعوب، فـ”ليس لأي دولة الحق في اللجوء إلى الحرب سعيا لتحقيق مصالحها العقلانية، لكن يعطي قانون الشعوب لجميع الشعوب جيدة التنظيم … الحق في الحرب دفاعا عن النفس”[80]. على أن كل شعب عمل على تحقيق المصالح المادية وجمع الثروات الطبيعية أو القتال في سبيل أمجاد القوة يعد خارجا عن القانون[81]. أما القاعدة الثانية، والتي يتم إعمالها مع الشعوب الغارقة في شتى أنواع المشاكل السياسية والاقتصادية، والمقلوبة وغير قادرة على أن تصير جيدة التنظيم، فيدعو رولز إلى إعمال قاعدة المساعدة حتى تتأهل للدخول في نادي الشعوب الجيدة التنظيم[82]. وفي إطار قاعدة المساعدة، يشير رولز إلى أن تقديم المساعدات المالية غير كاف لوضع القطار على السكة، كما أن اللجوء إلى القوة من شأنه صرف هذه الشعوب عن الأخذ بقانون الشعوب. وفي المقابل، يقترح رولز استخدام النصح، الذي من شأنه تسريع وتسهيل تحقق هدف المجتمعات الجيدة التنظيم، مع التأكيد على احترام حقوق الإنسان والمطالبة بها، لما لها من دور في فتح سبل تأسيس منظمات حقوقية تسهم في القضاء على الانتهاكات، بالإضافة إلى أن معرفة الشعوب لحقوقها يشكل دافعا للمطالبة بها، وبالتالي إقرارها.

لقد عمل رولز من خلال نظرية العدالة على طرح مقترب جديد لمفهوم العدالة، مقترب استطاع من خلاله تحديد مجمل المبادئ الأخلاقية/ السياسية التي من شأنها تقديم تصور شامل لشتى جوانب العدالة الاجتماعية وقادر على إقناع وإرضاء كل الأفراد والشعوب، بعيدا عن الدين الذي يعتبر حسب رولز عائقا رئيسا وأساسيا أمام تلاقي الأفراد والشعوب. وذلك، أولا لقدرتها على منح صيغة موحدة للحقوق والالتزامات من داخل البنية الأساسية. ثانيا، التوزيع المنصف للدخل والأرباح. وتجدر الإشارة إلى أن نظرية العدالة كما يقدمها رولز، قد شكلت مجالا خصبا للنقاش والمطارحة بين كبار المفكرين في النصف الثاني من القرن العشرين بين مؤيد وناقد. فالفيلسوفة جاكلين روس من خلال كتابها الفكر الأخلاقي المعاصر، تعتبر نظرية العدالة كإنصاف من أبرز ما أنتج في الفكر الأخلاقي/السياسي المعاصر، على اعتبار العودة إلى الجمع بين الأخلاق والسياسة ” … قد يندهش القارئ أن يبدو الفكر السياسي هنا من حيث وحدته مع الأخلاق، سنجيب إن رولز – في ظل تقاليد الفكر الأمريكي الكبرى- لا تفصل الأخلاق عن السياسة: وإن مشكلة العدالة لا يمكن سلخها البتة على الأخلاق والسياسة. وما الكلام عن العدالة إلا عمل قيمي لا يمكن فصله عن التفكير في (المجتمع)”[83]. إلا أن نظرية رولز قد لقيت بالمقابل نقدا متعدد الواجهات، سواء من داخل الأسرة الفكرية التي ينحدر منها رولز أومن خارجها. فالنظريات اليسارية تؤاخذ على رولز تنازله عن المساواة من خلال قبوله بالتفاوت وتسويغه أخلاقيا. أما المدرسة الليبرالية فتعتبر نظرية رولز مجرد تسويغ للدعوة لدولة الرفاه. ويمكن أن نتوقف هنا عند مجموعة من الفلاسفة الذين خصصوا حيزا كبيرا لمحاورة نظرية رولز. الفرنسيان بول ريكور ورايمون بودون قد وقفا عند مجموعة من العناصر التي تشكل مدخلا لنقد نظرية العدالة كإنصاف: فالأول، يشير إلى الطابع الدائري للمحاججة التي اعتمدها رولز على غرار المفكرين الأخلاقيين، ناهيك عن التحديد القبلي للمبادئ من قبله قبل حجاب الجهل. أما الثاني، بودون، فيسجل عدم توافق المبادئ التي يتبناها رولز وأحكام المعنى العام[84]. أما الفيلسوف الهندي أمارتا سن، فيعتبر أن نظرية العدالة كإنصاف القائمة على المساواة، تحمل في طياتها نوعا من الإجحاف، خصوصا تجاه ذوي الاحتياجات الخاصة، إذ المساواة تعتبر إجحافا في حقهم بالنظر إلى ما تستلزمه حالاتهم من مصاريف إضافية، وهوما يجعلهم عاجزين عن التمتع بالمقدرات نفسها التي يوفرها نفس المبلغ لفرد في حالة صحية سليمة[85].


قائمة المراجع والمصادر:

  1. بشارة، عزمي. مداخلة بشأن العدالة: سؤال في السياق العربي المعاصر، مجلة تبين، العدد الخامس: ربيع 2013، ص،ص
  2. ج. ساندل، مايك. الليبرالية وحدود العدالة، ترجمة محمد هناد، مراجعة الزبير عروس وعبد الرحمن بوفاق، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، الطبعة الأولى 2009.
  3. دورتيي، جان فرانسو. فلسفات عصرنا: تياراتها، مذاهبها، أعلامها، وقضاياها، ترجمة إبراهيم صحراوي، منشورات الاختلاف، الجزاير العاصمة، الجزائر، الطبعة الأولى، 1430-2009.
  4. ديك رسبي، أنطوني مينوج، كينيث. أعلام الفلسفة السياسية المعاصرة، ترجمة ودراسة، نصار عبد الله، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، الطبعة الأولى، 1996.
  5. رولز، جون. العدالة كإنصاف: إعادة صياغة، ترجمة حيدر حاج إسماعيل، مراجعة ربيع شلهوب، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، الطبعة الأولى، كانون الأول (ديسمبر) 2009
  6. رولز، جون. العدالة بين السياسة والميتافيزيقا، ترجمة محمد هاشمي، مجلة مدارات فلسفية، سنة 2004، ص 99
  7. رولز، جون. نظرية في العدالة، ترجمة ليلى الطويل، منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، وزارة الثقافة، دمشق 2017.
  8. رباني، مراد. حرية- مساواة – اندماج: نظرية العدالة في النموذج الليبرالي المستدام، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى، بيروت، كانون الثاني/يناير 2014، ص 101
  9. روس، جاكلين. الفكر الأخلاقي المعاصر، ترجمة عادل العوا، عويدات للنشر والطباعة، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى، 2001، ص 43
  10. كانط، إيمانويل. تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق، ترجمة وتقديم عبد الغفار مكّاوي، مراجعة الدكتور عبد الرحمن بدوي، منشورات الجمل، الطبعة الأولى، كولونيا- ألمانيا 2002.
  11. منير الكشو، نظرية جون رولز في العدالة التوزيعية ونقادها، مجلة تبين العدد 36/9 ربيع 2021. 49-72.
  12. JOHNSTON, DAVID.A BRIEF HISTORY Of JUSTICE, Wiley-Blackwell, United Kingdom, edition first 2011
  13. MICHEL ,Métary. LA PHILOSOPHIE ETHIQUE . ENJEUX ETT DEBAT ACTUEL, Ed , ERPI , paris,2008
  14. Rawls, Commonweal Interview with John Rawls, in: John Rawls, Collected Papers, Edited Samuel Freeman (Cambridge, Mass: Harvard University Press, 1999) p. 620.
  15. Rawls, Jean. La justice comme équité, traduit par Bertrand Guillaume, éditions la découverte, collection poche / essais, paris, 2eme Ed, 2020
  16. RAWLS, POLITICAL Liberalism, Colombia University press, New York,1993, p. 23
  17. Terré, François . INDIVIDU Et JUSTICE SOCIALE,Autour de JOHN Rawls, Le Seuil , Paris, 2eme Ed, 1988

[1]. للتوسع في الموضوع، ينظر كتاب: David Johnston, A Brief History of Justice, Wiley-Blackwell,Uneted Kingdom 2011

[2]. بشارة، عزمي. مداخلة بشأن العدالة: سؤال في السياق العربي المعاصر، مجلة تبين، العدد الخامس: ربيع 2013، ص 7

[3]. MICHEL ,Métary. LA PHILOSOPHIE ETHIQUE . ENJEUX ETT DEBAT ACTUEL, Ed , ERPI , paris,2008, ,. p. 140

[4]. JOHNSTON, DAVID.A BRIEF HISTORY Of JUSTICE, Wiley-Blackwell, United Kingdom, edition first 2011, pp 1-2

[5] . ولد جون رولز ببالتيمور ولاية ميرلاند الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك في 21 فبراير سنة 1921، ثم درس بعد ذلك في جامعة برنستون ثم في جامعة كوماي. بعدها التحق بجامعة هارفارد سنة 1959. لقد تأثر رولز في إنتاجه الفلسفي بعدة اتجاهات حديثة منها الكانطية، ونظرية العقد الاجتماعي عند روسو، كما تأثر فكره بقضايا السياسة الأمريكية مثل الصراع لأجل الحقوق المدنية للسود الأمريكيين، وكذلك الحرب ضد الفقر وحرب الفيتنام. وبسبب الجدل الفكري المتنوع الذي خاضته الأوساط الفكرية الأمريكية، كتب رولز أول كتاب له وهو نظرية العدالة سنة 1971 وهو الكتاب الذي قصد من خلاله تأسیس – وذلك بطريقة نسقية – مبادئ عامة للعدالة المجتمعية، ويكون ذلك عن طريق تأسيس نظرية عامة للأخلاق على منوال نظرية أرسطو في السعادة، ونظرية كانط في الواجب يكون سندها العدالة كقيمة أخلاقية تمكن إحداث التوازن بين حق الفرد والجماعة، ثم تبع کتاب نظرية العدالة العديد من المقالات والكثير من المؤلفات والنقاشات في جميع أنحاء العلم، كما نشر رولز كتاب العدالة والديمقراطية سنة 1993، والليبرالية السياسية سنة 1993 وفي هذين الكتابين حافظ على أهم أرائه مع إعادة تأسيس نظرية العدالة ليؤكد أن نظرية العدالة لا يمكن تطبيقها إلا في النظم الديمقراطية وليس في كل المجتمعات البشرية.

[6]. رولز، جون. العدالة كإنصاف: إعادة صياغة، ترجمة حيدر حاج إسماعيل، مراجعة ربيع شلهوب، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، الطبعة الأولى، كانون الأول (ديسمبر) 2009، ص 81.

[7]. رولز، جون. العدالة بين السياسة والميتافيزيقا، ترجمة محمد هاشمي، مجلة مدارات فلسفية، سنة 2004، ص 99

[8]. المرجع نفسه، ص 81

[9]. المرجع نفسه، ص 17

[10] . المرجع نفسه. ص، 99

[11] . رولز، جون. العدالة كإنصاف: إعادة صياغة 81.

[12]. RAWLS, John. POLITICAL Liberalism, Colombia University press, New York,1993, p. 23

[13]. -RAWLS, John. POLITICAL Liberalism, Colombia University press, op cit, p. 127.

[14]. رولز، جون. قانون الشعوب و«عود إلى فكرة العقل العام»، ترجمة: محمد خليل، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، الطبعة الأولى 2007، ص 183

[15]. رولز، جون. العدالة كإنصاف: إعادة صياغة، 135

[16] . “فكرة العقل العام لها بنية محددة. وفي حالة تجاهل جانب أو أكثر من هذه البنية يمكن أن تبدو فكرة غير مقنعة، كما يحدث عندما تطبق على الخلفية الثقافية. فكرة العقل العام لها خمسة جوانب مختلفة: (1) المسائل السياسية الجوهرية التي تنطبق عليها فكرة العقل العام (2) الأشخاص الذين تنطبق عليهم هذه الفكرة، (المسؤولون الحكوميون والمرشحون للمناصب العامة)، (3) مضمون فكرة العقل العام كمعطيات لمجموعة مترابطة من التصورات السياسية المعقولة عن العدالة، (4) تطبيق هذه التصورات في المناقشة حول معايير القهر التي يستند إليها التشريع القانوني لدى شعب ديمقراطي، (5) اطمئنان المواطنين إلى أن المبادئ المستمدة من تصوراتهم العادلة تستوي معيار المعاملة بالمثل”. جون رولز، قانون الشعوب 184. ويعتبر مفهوم العقل العام من المفاهيم التي استأثرت باهتمام الفكر الفلسفي الغربي منذ الفلسفة الحديث، للتوسع ينظر: مفهوم العقل العام بين الحداثة وما بعد الحداثة دراسة في فلسفة السياسة، آيات عادل زكريا محمد حسن، مجلة الدراسات التربوية والإنسانية كلية التربية_ جامعة دمنهور المجلد التاسع – العدد الثالث- لسنة

[17]. رولز، جون. العدالة كإنصاف: إعادة صياغة، ص 183

[18]. المرجع نفسه، ص 226

[19]. المرجع نفسه، ص 226-227

[20]. Rawls, John. Commonweal Interview with John Rawls, in: John Rawls, Collected Papers, Edited Samuel Freeman (Cambridge, Mass: Harvard University Press, 1999) p. 620.

[21]. رباني، مراد. حرية- مساواة – اندماج: نظرية العدالة في النموذج الليبرالي المستدام، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى، بيروت، كانون الثاني/يناير 2014، ص 101

[22]. رولز، جون. العدالة كإنصاف، ص 145-146

[23]. رولز، جون. نظرية في العدالة، ترجمة ليلى الطويل، منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، وزارة الثقافة، دمشق 2017، ص12

[24]. المرجع نفسه، ص 52

[25]. رباني، مراد. حرية- مساواة – اندماج: نظرية العدالة في النموذج الليبرالي المستدام، ص 89

[26]. رولز، جون. نظرية في العدالة، ص 52-53

[27]. ديك رسبي، أنطوني مينوج، كينيث. أعلام الفلسفة السياسية المعاصرة، ترجمة ودراسة، نصار عبد الله، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، الطبعة الأولى، 1996، ص 137

[28]. المرجع نفسه، ص 136

[29]. رولز، جون. نظرية في العدالة، ص 30

[30]. كانط، إيمانويل. تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق، ترجمة وتقديم عبد الغفار مكّاوي، مراجعة الدكتور عبد الرحمن بدوي، منشورات الجمل، الطبعة الأولى، كولونيا- ألمانيا 2002، ص 153

[31]. رولز، جون. نظرية في العدالة، ص 59

[32]. ج. ساندل، مايك. الليبرالية وحدود العدالة، ترجمة محمد هناد، مراجعة الزبير عروس وعبد الرحمن بوفاق، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، الطبعة الأولى 2009، ص 302

[33]. Rawls, Jean. La justice comme équité, traduit par Bertrand Guillaume, éditions la découverte, collection poche / essais, paris, 2eme Ed,  2020 p. 45

[34].. Rawls, Jean. La justice comme équité, p. p. 17, 18

[35]. رولز، جون. العدالة كإنصاف، ص 90

[36]. المرجع السابق، ص 38-39

[37]. المرجع نفسه، ص 92

[38]. المرجع نفسه، ص 112

[39]. المرجع نفسه، ص 112

[40]. المرجع نفسه، ص 114

[41]. رولز، جون. العدالة كإنصاف ، ص 116-117

[42]. رولز، جون. العدالة كإنصاف ، ص 119

[43]. رولز، جون. العدالة كإنصاف، ص 92

[44]. المرجع السابق، ص 96-97

[45]. رولز، جون. نظرية في العدالة، ص 46

[46]. المرجع نفسه، ص 39

[47]. رولز، جون. نظرية في العدالة، ص 39

[48]. رولز، جون. العدالة كإنصاف، ص 106

[49]. رولز، جون. نظرية في العدالة، ص 188

[50]. رولز، جون. العدالة كإنصاف، ص 106-107

[51]. رولز، جون. نظرية في العدالة، ص 188

[52]. المرجع نفسه، ص 191

[53]. المرجع نفسه، ص 187

[54]. المرجع نفسه، ص 181-182

[55]. رولز، جون. نظرية في العدالة، ص 40

[56]. المرجع نفسه، ص 212

[57]. المرجع نفسه، ص 53

[58]. المرجع نفسه، ص 39

[59]. رولز، جون. العدالة كإنصاف، ص 147

[60]. رولز، جون. العدالة كإنصاف، ص 148

[61]. دورتيي، جان فرانسو. فلسفات عصرنا: تياراتها، مذاهبها، أعلامها، وقضاياها، ترجمة إبراهيم صحراوي، منشورات الاختلاف، الجزاير العاصمة، الجزائر، الطبعة الأولى، 1430-2009، ص 209

[62]. Terré, François . INDIVIDU Et JUSTICE SOCIALE,Autour de JOHN Rawls, Le Seuil , Paris, 2eme Ed,  1988,  p 11

[63]. رولز، جون. العدالة كإنصاف، ص 149

[64]. رولز، جون. قانون الشعوب، ص 17

[65]. المرجع نفسه، ص 17

[66]. المرجع نفسه، ص 47

[67]. المرجع نفسه، ص 43

[68]. رولز، جون. قانون الشعوب، ص 43.

[69]. المرجع نفسه، ص 43

[70]. المرجع نفسه، ص 47

[71]. المرجع نفسه، ص 45

[72]. رولز، جون. قانون الشعوب، ص 11

[73]. المرجع نفسه، ص 48-51

[74]. المرجع نفسه، ص 54

[75]. هذا الطرح سبق أمن قال به كانط في كتابه: مشروع للسلام الدائم

[76]. رولز، جون. قانون الشعوب، ص 54

[77]. المرجع نفسه، ص 55

[78]. رولز، جون. قانون الشعوب، ص 18

[79]. نفس المرجع، ص 91.

[80]. رولز، جون. قانون الشعوب، ص131

[81] . المرجع نفسه، ص131

[82]. المرجع نفسه، 189

[83]. روس، جاكلين. الفكر الأخلاقي المعاصر، ترجمة عادل العوا، عويدات للنشر والطباعة، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى، 2001، ص 43

[84]. خصص بودون مقالا مطولا لنقد نظرية العدالة كإنصاف: A PROPOS DES SENTIMENTS DE JUSTICE  NOUVELLES REMARQUES SUR LA THEORIE DE RAWLS (pp .273-295)

[85]. خصص منير الكشو مقالا لعرض مجمل الانتقادات التي تعرضت لها نظرية العدالة كإنصاف، أنظر: منير الكشو، نظرية جون رولز في العدالة التوزيعية ونقادها، مجلة تبين العدد 36/9 ربيع 2021. 49-72.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.