منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الوقف والرعاية الصحية بالمغرب

د. فاطمة سويطط

0
اشترك في النشرة البريدية

بسم الله الرحمن الرحيم

 يعتبر الوقف من الوسائل فعالة لإشاعة ثقافة الخير وأعمال البر والإحسان التي حث الإسلام عليها، ورغب فيها باعتبارها من الصدقات الجارية التي يثاب عليها صاحبها في الدارين. وقد تنافس المسلمون في التنازل عن أملاكهم وتوقيفها على أبواب الخير المختلفة منذ عصر النبوة، وتتابعت الأوقاف وتنوعت عبر العصور، رغبة من أصحابها في تزكية النفس، وتربيتها على البذل والعطاء. ومن بين أهم المجالات التي اولاها المحبسون أهمية كبيرة الأوقاف المخصصة للاعتناء بالمجال الصحي. فتنافس أغنياء المسلمين في هذا الوجه من وجوه البر والإحسان، فحبسوا أملاكا وأراضي واسعة لإنشاء المستشفيات، وكليات الطب التعليمية، وتطوير الطب والصيدلة والعلوم المرتبطة بها، والإنفاق على تأليف كُتب الصيدلة والطب؛ ككتاب “الكليات في الطب”؛ لابن رشد، كما أوقَفوا أوقاف الكاملة للمجمعات الصحية التي عُرِفت باسم: “دُور الشفاء”، و”دُور العافية”، و”البيمارستانات” الخاصة بمعالجة الأمراض النفسية والعقلية والعصبيَّة، وبناء أحياء طبية متكاملة الخِدمات والمرافق؛ لتقوم بمهامِّها على أحسن وجهٍ[1].

والمغاربة كانوا سباقين لهذا الخير، فقد أوقفوا من الأموال والعقارات لإنشاء المستشفيات والدور الصحية لعلاج الإنسان بل والحيوان الشيء الكثير. فتحركت عجلة التطبيب والعلاج بوثيرة مرتفعة جعل كل طبقات المجتمع المغربي تنخرط في بناء مجتمع أخوي ينعم بالصحة والعافية.

ومما يشهد على ذلك ما تزخر به المدن العتيقة من أملاك حبست خصيصا على دور الشفاء كمدينة فاس التي بها أوقاف خاصة تسمى أحباس المارستان، ومدينة مراكش، ومدينة الرباط، وغيرها.

ومن بين أهم المارستانات التي داع صيتها في المغرب:

المزيد من المشاركات
1 من 29

مارستان سيدي فرج[2] أُسِّس في القرن السابع الهجري، واستمرَّ العمل به إلى القرن العشرين الميلادي، وكان يعتني بصحة الإنسان والحيوان والطير، وخُصِّصت به أوقاف لعلاج الطيور، خاصة طيور اللَّقْلاق إذا انكسَرت أو أُصيبت بأذًى، ويُصرف من هذه الأوقاف على مَن يُضمدها ويُداويها ويُطعمها[3] .

يقول عنه صاحب سلوة الأنفاس: ” مكان يقيم به المرضى الذين بعقولهم مرض وهو المجانين، ويسمى ذلك المكان سيدي فرج… بنى هذا المكان أحد السلاطين ليضم مرضى المسلمين الذين لا ملجأ ولا ماوى يأوون إليه، وسمي باب الفرج لأن المرضى كانوا يجدون فيه ما يفرج كربهم، وقد حبست عليه الحبوس التي كانت تصرف غلتها عليه”[4].

ويقول الدكتور البشير بنجلون حول مستشفى سيدي فرج: وخُصِّصت به أوقاف لعلاج الطيور خاصة طائر اللقلاق إذا انكسرت أو أصيبت بأذى، ويصرف من هذه الأوقاف على من يضمدها ويداويها ويطعمها، كما رُصِدت أوقاف للموسيقيين الذين يعزفون للمرضى كل أسبوع ليخففوا عنهم آلامهم، ويُنفَق من هذه الأوقاف على ما يتطلَّبه غسل الموتى الغرباء وتكفينهم وإقبارهم[5].

كما خُصِّصت محلات حبسية أخرى بفاس، تأوي بعض أصناف المعاقين، والمصابين بالأمراض المُعدية المُستعصية العلاج، فكان هناك ربضٌ يَسكنه المجذومون، ولهم رئيس يَجمع مداخيل العقارات الموقوفة عليهم، ويوفر لهؤلاء المرضى كلَّ الضرورات، بحيث لا يحتاجون إلى شيء[6].

ومارستانمحمد الغازيبالرباط، كان يؤمه المجانين من أنحاء المغرب، بقصْد العلاج والاستشفاء، وكان له أوقاف خاصة لهذا الغرض[7].

مارستان أبي العباس السبتي بمراكش، وقد حبسه أبي العياس السبتي على فاقدي البصر وذوو الأمراض المزمنة والمستعصية [8]، ويرى الباحث المغربي العلامة محمد بن عبد العزيز بنعبد الله أن أول بيمارستان عُرف بإفريقيا الشمالية هو الذي أسسه المنصور الموحدي بمراكش.

إن اعتناء المغاربة بالأوقاف المخصصة للمجال الصحي ينم عن وعي كبير بضرورة الاهتمام بالمجالات الحيوية التي تتوقف عليها مصالح البلاد والعباد، ويلح في نفس الوقت على ضرورة إعادة إحياء هذه المبادرات القيمة، وإعادة نشر ثقافة الوقف برؤية تجديدية لتحقيق المقصد الأساس الذي من أجله أوقف المحبس املاكه وامواله.


مقالات أخرى للكاتب
1 من 4

[1] – أثر الوقف في تنمية المجتمع؛ نعمت عبد اللطيف مشهور، مركز صالح عبد الله كامل للاقتصاد الإسلامي، جامعة الأزهر 1997م. ص 89 -90 .

[2] – أنشأه السلطان أبو يعقوب يوسف سنة 685هـ، وجدده السلطان أبوعنان سنة 766هـ.

[3] – أوقاف النساء، نماذج لمشاركة المرأة في النهضة الحضارية، دراسة للحالة المصرية في النصف الأول من القرن العشرين؛ ريهام أحمد خفاجي، مجلة أوقاف، العدد (4)، السنة 1424 هـ – 2003م. ص 34.

[4] -نقلا عن كتاب الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس ، ابن أبي زرع سنة1326 ص 216.

[5] — مقال حول تاريخ البيمارستانات في المغرب ، الدكتور البشير بنجلون بالمستشفى الجامعي الجسن الثاني بفاس ، مجلة الجمعية المغربية للتواصل الصحي.

[6] – المرجع السابق ص 35.

[7] – أوقاف النساء، نماذج لمشاركة المرأة في النهضة الحضارية، مجلة أوقاف،ص 35 .

[8] – المرجع السابق ص 35.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.