إن المتتبع للشأن التعليمي بالمغرب يدرك بوضوح معالم توجيهه وتوجهه، ويعلم أنه يعيش كبوة حضارية قد تورده موارد الهلاك إن لم ينهض لها وبها الغيورون من مختلف الطبقات بغية إنقاذه وإنجاحه، والتحليق به بعيدا عن مخططات الأعداء الرامية إلى إفشاله وإقباره وتوجيهه نحو اهداف لا تليق بأمة ضاربة الجذور في العلم والقيم والحضارة..
وإن كبوة التعليم ليست عرضا طارئا أو نشازا في جسم الأمة، بل هي تجل لانهزام نفسي تاريخي اجتماعي حضاري في كل المجالات..وإن الامة لتعيش كل مظاهر الانهزام من استبداد وضعف وتخلف وجهل وظلم وكراهية وفرقة وفقر وتبعية وطبقية وتبضيع..
وإذا استحضرنا الجذور التاريخية للأزمة، نجد أن هناك مخططا مقصودا لإفشال التعليم الذي هو عدو المستبد والمستعمر اللذوذ، وتحجيم دوره ليخدم مصالح المستبد وتوجهاته، بل إنه استمرار للمشروع الاستعماري الذي يهدف إلى تمزيق الامة وتشتيتها كي يسهل عليه التحكم فيها وفي مواردها الجمة التي حباها الله به..
وهكذا عمل المستبد والمستعمر على إرساء مناهج دراسية هدفه منها:
- غرس الولاء المبكر له في نفوس الناشئة وذلك لاستمرار الاستبداد وهيمنته المطلقة على الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
- استمرار التحكم والاستفراد في تدبير ملف التعليم وقضاياه ومشاكله التي لا تنتهي.
- استمرار التوجه العالمي الذي يعتبر التعليم سلعة تباع وتشترى والتخطيط للتملص من المسؤولية المادية والاجتماعية مع بقاء التوجيه والتخطيط والتسيير.
- استمرار منطق الاستعجال والارتجالية والفجائية وارتباك القرارات واللجوء إلى الحلول الترقيعية
- تشتيت التعليم وتفكيكه وتفريغه من العمق الحضاري للامة وذلك بتنقيح مناهجه وتلقيحها بما يستهدف تحجيم مقوماتها الحضارية وأهمها اللغة العربية والتربية الاسلامية وانفتاحه على الثقافات المعادية للامة.
- فصل التكوين عن التوظيف وجعل التعليم أذاة لصناعة موظفين صغارا خداما للسيد مقابل اجر زهيد وحوالة تستعبدهم طوال العمر..
- تنمية اقتصاد الريع الذي يحقق تحكم الأسر المتغولة في الحركة الاقتصادية ولبناتها
- احتكار الجودة في مدارس خاصة يتعلم فيها ابناء الأسياد والمحظوظين من الأغنياء ويحصلون على شهادات عليا تمكنهم من الاندماج في الطبقة الحاكمة
- تمزيق الموارد البشرية وتشتيت مصالحها ومطالبها بتقسيمها إلى متعاقدين ورسميين لكل منهم مشاكل خاصة ومطالب محددة..
- التحكم في الجسم النقابي وتدجينه وتليينه وتطويعه لقبول الفتات والتنازل على المبادئ وخدمة مصالحه الخاصة..
ومع ذلك يبقى الجسم التعليمي هو اذاة الرقي والنهوض والتغيير والفاعلية الإيجابية في المجتمع ما ادرك الفاعلون فيه نوايا المخطط وافشلوها بالوحدة والتضامن والجدية والتاثير الإيجابي في الحياة..وعلموا أن رجل التعليم حامل أمانة ورسالة وليس عبد مهنة وحوالة..