منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“عشر الدهر فهل من مشمر؟”؛ مع معالي د. عصام البشير

عبد العزيز ثابت

0

نظمت لجنة التزكية والتعليم الشرعي التابعة للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، لقاء تربويا تحت مسمى “ترويحة رمضانية”، مع سماحة الدكتور عصام البشير، نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، حول العشر الأواخر من رمضان بعنوان: ” عشر الدهر فهل من مشمر؟” وذلك يوم الجمعة 30 أبريل 2021 ميلادية، وسير اللقاء التربوي وقدم له فضيلة الدكتور وصفي عاشور رئيس اللجنة، وإيمانا من موقع منار الإسلام بأهمية مثل هاته الأنشطة في تغيير سلوك المؤمنين، وتجديد الإيمان في قلوبهم، ورفع همهم لاغتنام مواسم الخير، انتدب الموقع من يحضر عنه لهذا النشاط، وصياغة تقرير عنه، لكن بعد الاستماع للقاء التربوي عن وبدا لهيئة التحرير، أن تعيد نشر منطوق الكلمة كاملة، بعد تفريغها دون تصرف إلا ما كان من تدقيق استوجبه التمايز بين المسموع والمكتوب، ومن تصميم اقتضته الحاجة التنظيمية، وإليكم نص المحاضرة، ونضرب لكم موعدا آخر مع حصة المدارسة والإجابة على التساؤلات.

أولا: دلالات الاصطفاء واغتنام العشر الأواخر من رمضان.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، و أزكى صلوات الله و تسليماته الزاكيات المباركات على سيد الأولين و الآخرين، نبي الرحمة و إمام الهدى عليه أفضل الصلاة و أتم التسليم، ثم أحيي جمعكم الكريم أحبتي الفضلاء و سادتي العلماء جميعا أحييكم أنِ السلام عليكم و رحمة الله و بركاته، و شكر الله لأخي الحبيب سعادة الدكتور العالم الجليل المقاصدي الأصولي صاحب الإبداعات المتنوعة و التواليف النافعة الأستاذ الدكتور وصفي أن بادرنا بهذه السانحة الكريمة، لنلتقي بهذا الجمع الطيب في بركة هذا اليوم و بحبوحته عسى أن نكون إن شاء الله، ممن اصطفاهم الله تعالى لقبول رحماته و فيوضاته. أنتم أهل علم وفضل ولا أود أن أخوض في المعلوم كثيرا إلا من قبيل الإشارات العجلى. والشاعر العربي يقول:

تكفي اللبيب إشارة مرموزة *** وسواه يدعى بالنداء العالي.

1) اصطفاءات الإنسان

تعددت تجليات وأبعاد الاصطفاء، وتوحد المصدر فكلها ربانية، {وربك يخلق ما يشاء ويختار}. فكما اصطفى الله تعالى بني الإنسان، فخلقه بيديه ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه الأسماء التي هي مفاتيح العلوم واللغات، وسخر له ما في السماوات والأرض جميعا منه. واصطفى على الإنسان الرسل والأنبياء فجعلهم صفوة خلقه، واصطفى من بينهم أولي العزم، واصطفى الخليلين، واصطفى نبينا صلى الله عليه وسلم، فما حملت ناقة فوق ظهرها أبر وأوفى ذمة من سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، اصطفى كذلك الأزمنة والأمكنة والأعمال.

2) اصطفاءات الزمان

في اصطفاءات الزمان ما هو معلوم لديكم مبسوط في الكتب من اصطفاء العشر من ذي الحجة، واصطفاء شهر رمضان، واصطفاء ليلة القدر، واصطفاء العشر الأواخر من رمضان، ويوم الحج الأكبر ويوم عرفة، كلها تدور في اصطفاءات الزمان. وفي العشر الأواخر يختلف أهل العلم في التفضيل بينها وبين العشر من ذي الحجة، بينما يرجح بعضهم أن أيام ذي الحجة أفضل من أيام العشر، وأن ليالي العشر أفضل من ليالي ذي الحجة، والأمر على كل فيه سعة. والأصل أن يجتهد الإنسان ليحصل الكمال فيما هو متاح من هذه الاصطفاءات، إن كان في عشر ذي الحجة وإن كان في عشر الأواخر من رمضان وإن كان في يوم عرفة وإن كان في يوم الحج الأكبر، فكلها من اصطفاءات الزمان.

3) اصطفاءات المكان

اصطفى الله تعالى المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى، وجعل الله تعالى المسجد الأقصى محوطا بالبركة، حيث ذكره في خمسة مواضع من كتاب الله الكريم.

4) اصطفاءات الأعمال

ذكر الله تعالى في الاصطفاء السابقين بالخيرات، والمقتصدين والظالمين لأنفسهم، هؤلاء كلهم وقعوا من جملة أهل الاصطفاء، بمعنى من يتقرب إلى الله تعالى بمزيد الطاعات، و لا يقتصر على الفرائض، فهم أهل السبق و التفرد، و من يقتصر على أداء الواجب و ترك المحرم و هؤلاء هم المقتصدون كذلك ، ومن يخلط عملا صالحا و آخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم، هؤلاء أيضا ذكرهم الله تعالى و قال: { جنات عدن يدخلونها}، الشيخ العلامة الشنقيطي يقول: ” إن هذه الواو هي أعظم واو في القرآن الكريم لأنها شملت الأصناف الثلاثة، شملت السابقين بالخيرات و المقتصدين و الظالمين لأنفسهم”، كلهم يدخلون في هذه الواو: {جنات عدن يدخلونها}. فإذن الاصطفاء درجات.

ثانيا: مداخل وقواعد تحقيق مدارك الكمال البشري

  • المدخل الأول: تصحيح النية واستشعار الإرادة

أول مدخل للتعلق وتحقيق مدارك الكمال البشري الميسور لهذه الاصطفاءات الزمانية بالنسبة لنا، في العشر الأواخر من رمضان التي نستقبلها ونعيشها، هي أن نستشعر مسألة الإرادة، النية. العلماء عظموا حديث: (إنما الأعمال بالنيات)، هذا الحديث أورده البخاري في سبعة مواضع من كتابه الجامع الصحيح. وقال الإمام أحمد إنه ثلث الدين، وقال الشافعي إنه يدخل في سبعين بابا من أبواب الفقه. ثلث الدين في حديث (إنما الأعمال بالنيات)، مصداقُ قوله تعالى: {ألا لله الدين الخالص}، {و ما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين}. يقول ابن القيم: “يعني مبدأ الأعمال هي الخاطرة التي تخطر على قلب الإنسان، فتستحيل الخاطرة هما، فيكون الهم عزما، فيتحول العزم من بعد ذلك إلى إرادة و فعل، إذن فإصلاح الإعمال يكون بإصلاح الخواطر”. قال: “و قد خلق الله تعالى النفس الإنسانية كالرحى التي تدور و لا تسكن، و لا بد لهذا الرحى من حب تقوم بطحنه، فالخواطر التي تقع في القلوب و التي هي مبتدأ الأعمال هي بمثابة هذا الحب الذي يوضع على الرحى.” قال: “فمن الناس من تطحن رحاه دقيقا ينفع نفسه وغيره، ومن الناس من تطحن رحاه رملا وتبنا وحصى”.      

إذن فالقاعدة الأولى التي ننطلق منها لتحقيق التفاعل مع معنى الاصطفاء واستثمار هذا الاصطفاء في هذه الأيام المباركة أن يكون المنطلق من خلال هذه الإرادة، من خلال هذه النية.

صحيح النية لها إطلاقان:

النية عند الفقهاء يقصدون بها تمييز العادة عن العبادة، ويقصدون بها تمييز العبادة عن بعضها البعض، قد تكون العبادة نفلا وقد تكون فرضا. وأما النية في مصطلح أهل السلوك والعرفان فإنهم يقصدون بها الإخلاص. ولذلك كان السلف يعظمون أمر النية لأنها هي المبتدأ. وكان من دعاء مطرف بن عبد الله الشخير، كان يقول: “اللهم إني أستغفرك مما زعمت أني أردت به وجهك فخالط قلبي منه ما قد علمت”. وكان بعضهم يقول: ” كم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي وكأنه ينبت فيه على لون آخر”. ولذلك قالوا: “العمل لأجل الناس شرك، وترك العمل خوف الرياء رياء، والإخلاص أن يعافيك الله منهما”. هذا التعظيم لأمر النية، أمر المقصد التي هي مبتدأ الأعمال هو المدخل لتحقيق الواجب في دائرة ما اصطفاه الله تعالى من الأقوال والأعمال إن كانت تتعلق بالزمان أو كانت تتعلق بالمكان.

المدخل الثاني: الهمة المتوثبة

النية إن توفرت تحتاج إلى أمر آخر يعززها ويعضدها ويناصرها ويؤازرها هو أن تكون الهمة المتوثبة. سمع النبي صلى الله عليه وسلم نابغة بني جعدة يقول: “بلغنا السماء مجدنا وسناءنا وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا”، قال: إلى أين يا ابن أبي ليلى؟ قال: إلى الجنة بك يا رسول الله. ابن القيم يقول: ” من أراد أن ينظر إلى همة رجل يسعى فلينظر إلى همة أبي برزة الأسلم، سأله النبي عليه الصلاة والسلام: سلني. قال: أسألك مرافقتك في الجنة. قال: لم يسأله ما يواري بهما جسده أو يملأ به بطنه”:

إذا غامرت في شرف مروم *** فلا تقنع بما دون النجوم

فطعم الموت في أمر حقير *** كطعم الموت في أمر عظيم

يرى الجبناء أن العجز عقل *** وتلك خديعة الطبع اللئيم

أَلَذُّ مِنَ المُدامِ الخَندَريسِ *** وَأَحلى مِن مُعاطاةِ الكُؤوسِ

مُعاطاةُ الصَفائِحِ وَالعَوالي *** وَإِقحامي خَميساً في خَميسِ

فَمَوتي في الوَغى عيشي لِأَنّي *** رَأَيتُ العَيشَ في أَرَبِ النُفوسِ

وكما تعلمون الأبيات المشهورة في همة الزمخشري المتوثبة:

سَهَرِي لتنقيح العلوم ألذُّ لي *** من وصل غانيةٍ وطيب عناق

وتمايلي طَربًا لحلّ عويصةٍ *** أحلى وأشْهَى من مدامة ساقي

وصرير أقلامي على أوراقها *** أحلى من الدوكاء والعشاق

وألذ من نَقْرِ الفتاة لدفِّها *** نَقْرِي لألقي الرمل عن أوراقي

أأبيت سهران الدجى وتبيته *** نومًا وتبغي بعد ذاك لحاقي؟

ولذلك خرج من زمخشر وهي قرية من قرى خوارزم، وإحدى رجليه تعثرت بسبب السلت، فلم تقعده الهمة المتوثبة، بل أشهد من كان معه من علماء عصره أنها ما قطعت في ريبة أو في حد من حدود الله وأنشد قصيدته تلك:

سيري تماضر حيث شئت وحدثي *** أني إلى بطحاء مكة سائر

متعوذ بالركن يدعو ربه *** يشكو جرائر بعضهن جرائر

يشكو جرائر لا يكاثرها الحصى *** لكنها مثل الجبال كبائر

فعسى المليك بفضله وبطوله *** يكسو لباس البر من هو فاجر

يا من يسافر في البلاد منقبا *** إني إلى البلد الحرام مسافر

إن هاجر الإنسان عن أوطانه *** فالله أولى من إليه يهاجر

خربت هذا العمر غير بقية *** فلعلني لك يا بقية عامر

وعهدتني في كل شر أولا *** فلعلني في بعض خير آخر

 

ثم ذكر بعد ذلك بقية رحلته. فانظر إلى هذه الهمة المتوثبة التي هي الضميمة الضرورية لتوافر النية التي ينعقد فيها الإخلاص: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)، إذن إخلاص متوهج وهمة متوثبة.

المدخل الثالث: التكامل بين الظاهر والباطن

الأمر الثالث أن نعرف أن المطلوب في هذا الاغتنام لتحقيق الاصطفاء في هذه الأيام المباركة ليس الوقوف عند ظاهر الشعائر، وإنما أن ننفذ إلى لبها ومضمونها وجوهرها حتى نحقق آثارها المرجوة على السلوك. القرآن الكريم حدثنا عن الصلاة قال: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر}، وفي الزكاة قال: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها}، وفي الصوم قال: {لعلكم تتقون}، وفي الحج اقل: {ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات}. إذن هذه لها غايات ولها ثمرات، ولا تتحقق هذه الغايات والثمرات إلا بأن نزاوج بين الظاهر والباطن، بين أعمال القلوب وأعمال الجوارح. وكثير من المسلمين يعنون بأعمال الجوارح أكثر من عنايتهم بأعمال القلوب، مع أن أعمال القلوب هي التي عليها المعول. كما قال الله تعالى: {ولكن يواخذكم بما كسبت قلوبكم}، {بما عقدتم الأيمان}، وهي لا تنعقد إلا في سويداء القلوب. ولذلك الأمانة، أمانة التكليف، أول ما تتنزل، أين تتنزل؟ تتنزل على القلوب، إن الأمانة نزلت في جذر القلوب، في جذر قلوب الرجال فعلموا من القرآن وعلموا من السنة. ثم بعد ذلك ذكر رفع الأمانة التي تكون بالغفلة التي تسري على القلوب فإذن هي كذلك تنطلق من القلوب. والقلب أيضا يصح وكذلك يمرض، وأمراض القلوب نوعان: شبهات وشهوات، فالشهوات تخلد بالإنسان إلى الأرض، والشبهات تفسد اليقين، ولذلك جعل الله الخلاص من هذين الداءين بالصبر واليقين. قال ابن القيم: “بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين”، فإن الصبر يدفع داء الشهوات، وإن اليقين يدفع داء الشبهات: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون}. والقلوب أيضا تتعرض للفتن: (إن الفتن تعرض على القلوب كعرض الحصير عُودا عُودا، وفي رواية عَوْدا عَوْدا أو عَوْذا عَوْذا، فأي قلب أشربها نكت في قلبه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت في قلبه نكتة بيضاء، حتى تعود القلوب على قلبين: قلب أبيض لا تضره فتنة مادامت السماوات والأرض، وقلب أسود مرابدا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه).

إذن القلوب تعتريها صحة، مرض، فتن، تتنزل عليها الأمانة، تترفع الأمانة عنها بالغفلة التي تسري عليها. ولذلك التعويل ابتداء ينبغي أن يكون على العناية بأعمال القلوب، ثم العناية بأعمال الجوارح، وتحصيل الكمال في كليهما هو المطلوب. يعني لا نجعل تعارض بين أن تكون أعمال القلوب خصما على أعمال الجوارح، ولا أعمال الجوارح خصما على أعمال القلوب، وإنما الأصل هو التكامل بينهما، ولكن ينبغي أن ننزل كل أمر حسب ميزان الشريعة، حسب أهميته وحسب أولويته وحسب الثقل المعنوي الذي حددته النصوص الشرعية والمقاصد المرعية، ولذلك التكامل بين الظاهر والباطن هو الذي يثمر أفضل علم لهذه التزكية التي نتغياها في هذه الأيام المباركة وهي مسألة العلم بالله. كثيرون يحملون العلم بأمر الله، ولكنهم لا يحققون معنى العلم بالله. فكم من عالم بأمر الله ليس عالما بالله، والأصل كما قال ابن المبارك: “العلم علمان: علم في اللسان فذلك حجة الله على ابن آدم، وعلم في القلب فذلك هو العلم النافع”. وابن تيمية أيضا يقول: “العلم علمان: علم بالله وعلم بأمر الله، العلم بالله هو العلم الذي يورث محبته وخشيته وخوفه ورجاءه والرضى بقضائه والشوق إلى لقائه والأنس به سبحانه”، وهو العلم الذي كان به يتلذذ العارفون (نحن في نعمة لو علمها الملوك وأبناء الملوك لجالدونا عليها بالسيوف)، (إنه لتمر بالقلب أوقات يرقص فيها طربا ويقول إن كان أهل الجنة في مثل ما نحن فيه من النعيم إنهم لفي عيش طيب)، فإذن هذا هو العلم بالله.

أما العلم بأمر الله فهو المعرفة بشرعه، وبأحكام دينه، وبالتفقه في الحلال والحرام، وهو أمر مطلوب، لكن ينبغي أن نحرص على تحقيق المزاوجة بين العلم بالله والعلم بأمر الله، وهذا هو ثمرة التكامل بين أعمال القلوب وأعمال الجوارح. فهذا البعد مهم جدا لتحقيق مقاصد الاصطفاء في هذه الأيام المباركة.

المدخل الرابع: الصحبة والكينونة مع الصادقين

الأمر الرابع من المعينات أيضا لتحقيق الاصطفاء في هذه الأجواء أن يكون الإنسان في رحاب الصالحين الذين يستمد منهم من بعد عون الله تعالى وإلطافه، ويستمد جانبا من المدد الروحي والمعنوي في سيرتهم وهديهم وبذلهم الذي كانوا عليه، سواء كان هؤلاء الصالحون الذين يصحبهم من الأموات من السلف الذي مات ولكنه حي بذكراه، أو من الخلف. صحبة هؤلاء الأخيار هي من المعينات الكبرى لتحقيق جودة الاصطفاء في هذه الأيام المباركة، ولذلك قال الله تعالى: {وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك}، وقال: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده}. وسمعت شيخنا، الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله كان يقول: ” الإمام أبو حنيفة يقول: الحكايات عن العلماء ومحاسنهم أحب إلي من كثير الفقه لأنها آداب القوم”. وشاهد ذلك قوله تعالى: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده}.

قالوا إن الحكايات عن الصالحين ومحاسنهم هي جند من جنود الله تعالى يثبت الله تعالى بها قلوب أوليائه. ولذلك هذه الصحبة، كان عبد الله بن المبارك إذا فرغ من الصلاة انصرف إلى داره، فإذا سئل قال: إني أريد أن أحادث الصحابة، يعني أقف على سيرتهم وعلى أخبارهم لأنهم القدوة والأسوة وهم مناط خير القرون. وكان ابن القيم يقول: “كان بعض الصالحين يقول: أقول إن أحدنا ليلقى أخاه فيكون برؤيته عاقلا أياما، يراه فيعقل:

رأيت الطين في الحمام يوماً *** بكف الحب أثر ثم نسم

فقلت أذاك مسك أم عبير؟ *** لقد صيرتني بالحب مغرم

أجاب الطين أني كنت ترباً *** صحبت الورد صيرني مكرم

ألفت أكابراً وازددت علـــــماً *** كذا من عاشر العلماء يكرم.

إذن هذه الصحبة الحية إن كانت للأموات تقرأ سيرتهم وتقف على عبرة عظتهم، وإن كان من الأحياء ممن تذكركم بالله رؤيتهم، أو تأخذون من عالي همتهم، أو من قوي منطقهم، أو من واسع علمهم، أو من تنوع عطائهم. كل هذه من الأشياء التي تعين على جودة المناخ وتهيئته لتحقيق الكمال البشري الميسور في تحقيق الاصطفاء في هذه الأيام المباركة.

المدخل الخامس: معرفة شرف هذه الأيام

المعرفة بالشرف الذي أراده الله تعالى لهذه الأيام الفاضلة، معرفتها تزيد علوا في الهمة وسعيا لتحقيق المطلوب منها. فهي ليلة قال الله تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر}، وهذه الكلمة تحتمل ثلاثة معاني: إما من القدر بمعنى المنزلة والشرف الرفيع، أي نزل أمر ذو شرف على نبي ذي قدر بواسطة ملك ذي قدر في ليلة ذات قدر. القدر بمعنى المنزلة والشرف الرفيع، هذا معنى وهو ينطبق على هذه الليلة. أو بمعنى التضييق، أن الأرض تضيق: {فمن قدر عليه رزقه}، أنها تضيق في تلك الليلة لكثرة الملائكة النازلين على الأرض في تلك الليلة، فهم أكثر من عدد الحصى. أو بمعنى التقدير، فإما بمعنى التقدير أو بمعنى القدر أو بمعنى التضييق، كلها معاني تلتئم، فمعرفة شرف هذه الليلة، وأن أعظم شرف فيها هو تنزل القرآن الكريم، تنزل الوحي الذي جعله الله تعالى خاتما للكتب، مهيمنا عليها، الذي هو المعجزة والمنهج بالنسبة لنبينا عليه الصلاة والسلام، والذي نستمد منه صفاء عقيدتنا وشعائرنا وشرائعنا وقيمنا ومنهاج حياتنا. هو كتاب الزمن وكتاب الخلود وهو الحقيقة المطلقة العابرة للزمان والمكان، فنستشعر هذا النزول الذي وصفه الله تعالى بقوله: {إنا أنزلناه في ليلة مباركة}، فهي موصوفة بالبركة، والبركة الشيء الذي يكثر الله فيه ثبوت الخير الإلهي في الأشياء، فهي موصوفة بالبركة. و هذا النزول إن كان المراد به نزول أوله، أو نزوله جملة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم بعد ذلك تنزله منجما في زهاء ثلاثة و عشرين سنة، تحمله الملائكة و هم المطهرون، هذا هو التفسير الصحيح لمعنى: {لا يمسه إلا المطهرون}، فالمطهرون هم الملائكة، و المؤمنون في الدنيا متطهرون، أي أن المسلم يسعى للتطهر : {إن الله يحب التوابين و يحب المتطهرين}، أما الملائكة فهم مطهرون في أصل خلقتهم، و لكن كما قال بعض أهل العلم: إذا كان حملته في السماء من المطهرين فينبغي أن يكون حملته في الدنيا من أهل الطهر، من أهل الطهر الحسي  و كذلك من أهل الطهر المعنوي. فإذن معرفة قدر هذه الليالي وشرفها وفضلها، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد فيها ما لا يجتهد في غيرها، وكان يوقظ أهله، وكان يشد المئزر، وكان يحقق فيها الاجتهاد، ويحقق فيها المدارسة للقرآن الكريم، فهي فرصة أيضا أن نجعل شرف هذه الليالي بتحقيق مضمون الاصطفاء، والاصطفاء إما أن تكون مخلِصا وإما أن تكون مخلَصا. قال الله تعالى عن موسى عليه السلام: {واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلَصا وكان رسولا نبيا}. هذا اصطفاء من الله، المخلَص هو المصطفى، والمخلِص هو الذي يجتهد ويتدرج ويبذل الغالي والنفيس والمهج والأرواح ليحقق درجة من الاصطفاء، يكون أهلا لأن يصبح مخلَصا.

المدخل السادس: الجمع بين التدبر في الكتابين المسطور والمنظور

فمن أعظم المعينات على اغتنام شرف هذه الأيام أن نجدد الصلة بالقرآن الكريم، الذي نزل فيها، هو الدعوة لتحقيق القراءتين: {اقرأ باسم ربك الذي خلق}، هذه قراءة لكتاب الله المسطور، وقراءة لكون الله المنظور، وهذان هما مصدرا المعرفة. فنجدد كذلك المعرفة من خلال الكتاب المسطور، ومن خلال الكون المنظور. والأمة كانت حضارتها فاعلة لأنها زاوجت بين هذين العلمين. ورأينا ابن رشد الفقيه الذي ألف كتاب “بداية المجتهد ونهاية المقتصد”، وهو كذلك الذي ألف كتاب “الكليات في الطب”، واعتمدت عليه أوروبا لعدة قرون من الزمان، وهو الذي رد على الفلاسفة. فمطلع هذا النزول يدعون اإلى مسألة التعلم والقراءة ببعديها في الكون المنظور وفي الكتاب المسطور، وأن نجدد الصلة بهذين المصدرين في المعرفة. هذا جزء من تحقيق مراد الاصطفاء في هذه الأيام المباركة. الصلة بالكتاب المسطور أولا في قوله تعالى” {وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا}، يقول ابن القيم: “وهجره أنواع، فترك الاستماع إليه نوع من هجره، وترك إنصاته نوع من هجره، وترك تدبره نوع من هجره، وترك التحاكم إليه نوع من هجره، وترك تصديق خبره على وجه اليقين الثابت نوع من هجره، وترك الاستشفاء به نوع من هجره”. فإن القرآن شفاء للقلوب والأبدان وشفاء للأرواح: {وننزل من القرآن ما هو شفاء}، و”مِنْ” هاهنا ليست للتبعيض، وإنما لبيان الجنس، فجنس القرآن كله شفاء.

فينبغي أن نجدد الصلة بالقرآن الكريم في كل أبعاده ومشتملاته من خلال هذا المعنى القلبي. كان بعض السلف يقول: “ختمت القرآن كذا وكذا ولكن بيد أن لي ختمة واحدة لم أكملها بعد”، فكيف نحقق هذا المعنى، يقول ابن مسعود: “اقرؤوا القرآن لا تنثروه نثر الرمل، ولاتهزوه هز الشعر، قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة”. فهذه الآفاق التي يحتاج الإنسان إلى أن يرتادها، كثير من الناس يحرسون على كثرة الختمات، وهذا طيب، ولكنه يكون خصما على تحقيق التأمل والتدبر في آي الذكر الحكيم، وهذا معنى ينبغي أن يكون حاضرا. وكذلك تأمل في قراءة الكون المنظور بأبعاده الخمسة: الكون المنظور هو مصدر من مصادر المعرفة: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق}. ومصدر كذلك من مصادر التسخير: {وسخر لكم ما في السماوات والارض جميعا منه}، ومصدر من مصادر العبادة الروحية، كما قال الله تعالى: {تسبح له السماوات السبع والارض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم}. هذا رحم، ويستشعر المسلم في هذه الأيام وفي غيرها هذا التلازم بين نوعين من الأرحام: بين رحم المسبحات في الكون تسخيرا وبين رحم المسبحين من عباد الله اختيارا. المؤمنون يسبحون الله تعالى اختيارا، والكون يسبح الله تسخيرا، فهذا رحم موصول بين هذين العنصرين، ولذلك السماوات والأرض لا تتحسر على من لم يسبح الله تعالى اختيارا: {كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين. كذلك وأورثناها قوما آخرين. فما بكت عليهم السماء والارض وما كانوا منظرين}.

إذا مات المسلم بكى له موضعان: موضعه في السماء وموضعه في الأرض، موضعه في السماء مصعد عمله الطيب، وموضعه في الأرض موضع سجوده وصلاته لأنه يكون قد فقد الذاكر والمسبح لله، ثم العلاقة، علاقة المحبة: (أحد جبل نحبه ويحبنا)، ثم العلاقة جمالية. فإذن استهلال هذا القرآن جاء في هذه الليلة المباركة التي نستمطر شآبيب رحمات الله تعالى فيها، نستشعر معنى القراءتين في الكتاب المسطور تدبرا وتفقها. والحارث المحاسبي يقول: “فريضة العمل في كتاب الله أن نعمل بما جاء في محكمه من الأمر والنهي، وأن نؤمن بمتشابهه، وأن نرجو ونخاف من وعده ووعيده، وأن نعتبر بقصصه وأمثاله”، مع ما ذكر من العناية بالكون المنظور.

المدخل السابع: تصفية القلوب وتزكية النفوس

الأمر الأخير وبه أختم هو الحاجة الملحة التي نتغياها في تحقيق صفاء النفوس، يعني أن نخرج الأضغان والأحقاد لتكون هذه النفوس وهي تتلقى هذا الهدي الرباني وهذه المنح الإلهية في هذه الاصطفاءات، أن تكون متهيئة ومتقبلة، وأن تخرج كل ألوان الهواء الساخن من نفسها حتى تكون أهلا لهذا التكريم الإلهي: {قد أفلح من زكاها}، {قد أفلح من تزكى}، {يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم}،

والنفس كالطفل إن تهمله شب على *** حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم

فاصرف هواها وحاذر أن توليه *** إن الهوى ما تولى يصم أو يصم

وراعها وهي في الأعمال سائمة *** وإن هي استحلت المرعى فلا تسم

كم حسنت لذة للمرء قاتلة *** من حيث لم يدر أن السم في الدسم

واخشى الدسائس من جوع ومن سبع *** فرب مخمصة شر من التخم

واستفرغ الدمع من عين قد امتلأت *** من المحارم والزم حمية الندم

وخالف النفس والشيطان واعصهما *** وإن هما محضاك النصح فاتهم

ولا تطع منهما خصما ولا حكما *** فأنت تعرف كيد الخصم والحكم

أستغفر الله من قول بلا عمل *** لقد اصبت به نسلا لذي عقم.

الخاتمة

إن هذ الأبعاد حين تتحقق تحقق لنا الربانية، الربانية في الهدي والسمت والسلوك: {ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون}. وتتحقق القدوة والأسوة التي تزاوج بين العلم النافع والعمل الصالح، ويكون الإنسان دالا على الخير بدلالة أفعاله قبل أقواله. تعلمون أن القدوة إنما هي جماع الأمرين، وإذا وقع الانفصال بين العلم والعمل وقعت الطامة:

” إذا نصبوا للقول قالوا فأحسنوا *** ولكن حسن القول خالفه الفعل

وذموا لنا الدنيا وهم يرضعونها *** أفاويق حتى ما يدر لها ثعل”.

هذه بعض خواطر سقتها عجلى وبينكم الشيخ وصفي وعاء ملئ علما، وإنما أحببت أن أستجيب لدعوته التي لا يسعني دوما إلا أن أستجيب لها.

فنسأل الله تعالى أن يعرضنا لنفحات هذه الأيام المباركة، وأن يجعلنا من أهل ليلة القدر، وأن يجعلنا من العتقاء، وأن يجعل عاقبتنا أعالي الجنان وتحقيق الرضوان، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.