الشاعر المطبوع (قراءة في ديوان شعر في حجر للشاعر منير الركراكي)
الشاعر هشام كمال
الشاعر المطبوع
(قراءة في ديوان شعر في حجر للشاعر منير الركراكي)
بقلم: الشاعر هشام كمال
تقديم
يقول شاعرنا الكبير الأستاذ منير الركراكي في الصفحة 68 عن سبب إنشائه لقصيدة “واحسرتي وافرحتي” : قصيدة أعقبت سماع أخرى من قبل شاعر مطبوع … فمن هو الشاعر وكيف يكون مطبوعا؟
من هو الشاعر المطبوع؟
قال العقاد رحمه الله : “الشاعر من يشعر فيشعر” ، أي من يحس ثم ينقل إحساسه للمتلقي ، من يمتلك القدرة اللغوية على التعبير عما يختلج في النفس ويعبر عنه بأسلوب موزون مقفى له إيقاع خاص ووقع على العام والخاص .
ويقول عميد الأدب العربي وأستاذه بلا منازع مصطفى صادق الرافعي رحمه الله في وحي القلم : “وليست الفكرة شعرًا إذا جاءت كما هي في العلم والمعرفة، فهي في ذلك علم وفلسفة، وإنما الشعر في تصوير خصائص الجمال الكامنة في هذه الفكرة على دقةٍ ولطافة كما تتحول في ذهن الشاعر الذي يُلوِّنها بعمل نفسه فيها ويتناولها من ناحية أسرارها” فالأفكار مما تعانيه الأذهان كلها ويتواطأ فيه قلب كل إنسان ولسانه، بَيْدَ أن فن الشاعر هو فن خصائصها الجميلة المؤثِّرة، وكأن “الخيال الشعري نِحْلَةٌ من النِّحَل تُلِمُّ بالأشياء لتبدع فيها المادة الحلوة للذوق والشعور، والأشياء باقية بعُد كما هي لم يغيرها الخيال، وجاء منها بما لا تحسبه منها؛ وهذه القوة وحدها هي الشاعرية”
مما يحكى عن الشاعر العراقى محمد مهدى الجواهرى( أبي فرات) أنه تعرض لموقف حساس عندما قالت له إحدى المذيعات: يقولون إنك امرؤ القيس العرب فهل يمكن أن تقول فىَّ شعرا؟
وكانت هذه المذيعة الجميلة ترتدى تنورة سوداء قصيرة، فأنشد الجواهرى قائلا:
وقَصَّرَتْهُ إلى ما فوق رُكْبَتِهَا ليعلمَ الصَّبُ بعد الساقِ ما الباقي
وأسْكَرَتْهُ بلا خَمْرٍ ولا قَدَحٍ وتفعلُ السـاقُ ما لا يفعلُ الســاقي
لقد صنع الجواهرى فى لحظة واحدة مشهدا دراميا ممتدا فى البيتين يبدأ بتخيل سبب تقصير الفتاة للتنورة، مرورا بوصف صورتها وهى ترتديها، عبورا إلى وصف تأثيرها فى وجدان الناظر إليها، وانتهاء بمقارنة تأثير رؤيتها فى هذه الصورة بتأثير ما تصنعه الخمر فى رأس شاربها، منتصرا للنشوة الأولى على حساب الثانية.
فالشعر المطبوع هو الشعر الذي يخرج من غير تكلف، على الطبيعة والسجية، ويكون مع جودته وجماله لا تصنع فيه “لا يظهر فيه تعمد الاستفادة من صنعة البلاغة”، وغالبا ما يكون شعر الأعراب كذلك،
وليس كل الشعراء المجيدين مطبوعين، ولا كل شاعر مطبوع شعره جيد، لكن الشعر المصنوع منه ما بلغ القمة، كشعر النابغة في الجاهليين، وشعر المتنبي في الإسلاميين، ومنه ما لا يُطاق سماجة كأكثر شعر القرون المتأخرة.
وأما الشعر المطبوع : فكله حسن مقبول ، ومنه ما يصل القمة، وقليل جدا في المحدثين والمعاصرين أن تقرأ لهم شعرا مطبوعا .
ومن أمثلة الشعر المطبوع ، قول أحدهم :
إذا قلتَ إن الشعر بحر غبنته •• متى يستقيم البحر من غير ساحلِ
قرائحنا منها بحور خضارم •• ومنها إذا جربت رشح الجداول
وأجمع أقوال الرجال أسدّها •• معان كبارٌ في حروف قلائل
فهل تصدقون أن هذا الشعر لشاعر محدث ، فلو نسبته لبشار بن برد لكان مقبولا !! إنه لشاعر عراقي محدث هو الشاعر محمد رضا الشبيبي (المتوفي سنة 1956 م) !!
“لـمّا كان ابن عُنَين بخوارزم، حضر يومًا درس فخر الدين الرازي. وكان بين الحاضرين السلطان محمود ابن أخت شهاب الدّين الغوري. وتكلّم الشيخ في النفس بكلام عظيم وفصاحة بليغة. وكان يومًا باردًا، سقط فيه الثلج. وبردُ خوارزم شديد…
وبينا هم كذلك، أقبلت حمامةٌ تحت قُبّة الجامع، ووراءها صقرٌ يكاد يقتنصها، وهي تطير في جوانب الجامع إلى أن أعْيَتْ، فدخلَت الإيوانَ الذي فيه الشيخ، ومرَّتْ طائرةً بين الصفَّيْن إلى أنْ رَمَت بنفسها في حِجْرِه عائذةً به. فخاف الصقر وطار، ورَقَّ الشيخ للحمامة وأخذها بيده.
فقام ابن عُنَين، وقال هذه القصيدة ارتجالاً:
جاءت سُلَيْمانَ الزّمانِ حمامةٌ — والموتُ يَلْمَعُ في جناحَيْ خاطِفِ
قَرِمٌ يُطارِدُها فلمّا استأمَنَتْ — بجنابه ولّى بقلبٍ واجِفِ
مَنْ نَبَّأَ الوَرقَاءَ أنّ مقامَكم — حَرَمٌ وأنّكَ مَلجَأٌ للخائفِ؟!
يا ابْنَ الكِرامِ الـمُطْعِمين إذا شَتوا — في كُلِّ مَخْمصَةٍ(1) وثَلْجٍ خاشِفِ
العاصِمِينَ إذا النُّفُوسُ تطايَرَتْ — بَينَ الصَّوارِمِ والوَشِيجِ الرَّاعِفِ
وَافَتْ إِلَيْكَ وَقَدْ تَدانَى حَتْفُها — فحَبَوْتَها بِبقائها الـمُسْتانِفِ
لَوْ أنَّها تُحْبَى بِمالٍ لانْثَنَتْ — مِنْ راحَتَيْكَ بِنائلٍ متضاعِفِ
فرَمَى عليه الفخرُ الرازيُّ جميعَ ما كان عليه، وفَعَلَ الحاضرون كذلك. فبَلَغَ قيمةُ ذلك أربعةَ آلاف دينار! وكتب معه كتاباً إلى الملك الناصر، وكتابًا إلى الملك العادل، يشفع فيه. فقبل الملك شفاعته. قال ابنُ عُنَيْن: “وخَلَع عليَّ جُبّةً كانت عليه، فكان هذا سببًا لإقبال السّعود عَلَيَّ، وتَسَنِّي الآمال لَدَيّ”
مواضيع الديوان وسمات الشاعر
ولنرجع إلى شاعرنا وأستاذنا المربي الكبير والداعية الشهير الأستاذ منير الركراكي حفظه الله لنجده في ديوانه الموسوم ب “شعر في حجر” يتحدث عن الوباء وتجلياته، وعن الحجر الصحي واحتياطاته، وعن الأمن وتجاوزاته، وعن المرض وآفاته، وعن طائف الموت الذي طاف بأخته، وعن الداعية عصام العطار وزيارته، وعن سيدنا رسول الله ومولده، وربيع النور وموعده، وعن أستاذه ومرشده، وعن الصحبة في الجماعة، وعن حملة الصلة، ومعاني الصلاة، وفضل الأطباء والأساة……
يتحدث عن كل هذا بأسلوب أخاذ وشعر نفاذ ، ينساب كأنه نهر جاري ، فتشعر كأن المعاني تتسابق إليه وتزدحم عليه فيختار أرشقها وينتقي أدقها ويستعمل أعمقها في لغة تمتح من قاموس الدعوة وتجنح لمعجم الجماعة…بعين ملاحظة ، وذاكرة مؤرخة ، ونصيحة موبخة ، وطرفة بديعة ، وصنيعة من المخزن شنيعة ، وموعظة بليغة وغيرها من الأغراض .
الإصابة بداء كورونا
أصيب حفظه الله بلمة من هذا الداء وملمة من هذا الوباء فلله ما قاسى ولله ما عانى ولنستمع إليه إذ يقول في قصيدة “لا شفاء إلا لاشفاؤك”: “كلمة من صديق رفيق عليك شفيق ، عاش أياما وليالي في هم وضيق ما لا يطيق ، لولا أن تداركته رحمة من يجعل له من الضيق أوسع طريق ، ومن البعيد أقرب صديق ، ومن إخوان طه الألباء والأطباء والممرضين والتقنيين جنود الخفاء ، تجدهم عند كل شدة وبلاء ، برهان وفاء ودرع فداء وحصن التجاء ، دون من أو أذى أو رياء ،والصلاة والسلام على خير الأنام أحلى كلام وأغلى كلام وأشفى كلام والحمد لله مسك الختام”
الشاعر منير الركراكي وولعه بالحكاية والرواية
شاعرنا مولع بالحكاية شغوف بالقصة والرواية ، لا كجنس أدبي ولكن كأسلوب في سوق العبر ومبتدئ لخبر ، وأخبرنا أنه أخذ ذلك من والده رحمه الله الذي كان حكواتيا بارعا ونحن بالأشواق لكتابه عن والده والذي أحسبه قد عنونه ب “ها أنذا أقول كان أبي” ومن خلال شعره نعرف أن أخته الكبرى اسمها “آسية” وكنيتها “الغزالة” وأنها صاحبة رؤى صادقة عوضت قصر النظر الذي تعاني منه ، وأنها حجت واعتمرت مرارا مع زوجها عبد الحق ، الذي رزق منها بوئام ونهى وزهير وسعدى … يسوق لك هذه المعلومات الخاصة والتفاصيل الشخصية في قالب شعري رصين وبأسلوب أدبي متين دون تكلف أو تصنع ….
الشاعر منير الركراكي وفن الارتجال
ومن يعرف الرجل يعرف أن ارتجاله وكلامه على البديهة حلو لا يشبع منه، جميل عليه مسحة من جمال وجهه وبديع حسنه ، وكثيرا ما كنت أستمع إليه فأحسب كلامه شعرا مأثورا وسجعه لؤلؤا منثورا فأقول هو عطاء إلهي وفضل رباني فسبحان من ألان له القريض كما ألان لداود عليه السلام الحديد ، فيعمل منه ما يشاء من قصائد رائقات ومعاني فائقات …
ولنستمع إليه كيف أرخ ووثق لزيارته للداعية عصام العطار بمدينة “آخن” الألمانية فنعرف من خلال شعره أن نظام البعث نفاه وقرب أخته وضاعف حزنه فقد عرسه ومصدر أنسه ثم عيشه كسيحا غريبا حاملا من أعباء الطليعة أمثال الجبال مما تنوء بحمله عصبة الرجال …..
وقرب أختا بقصد التشفي وأبعد نفيا أخاها عصام
وضاعف من حزن صب غريب غياب مصون وخير دعام
وعاش الوفي كسيحا قعيدا بروح تروم العلا والسنام
لدفع البلايا بعز النشامى وحفظ الطليعة من كل طام.
التصوير الجمالي للوقائع والأحداث
كما يوثق لجريمة من جرائم المخزن الحقود ، وواقعة من وقائعه السود ، عند إرادته القيام بنزهة ربيعية مع الوالدة الشريفة العلمية إلى منطقة “راس الما” السياحية وكيف استوقفهم حاجز الدرك وعن الحوار معهم وعن المحاضر والعرض على الوكيل ….وحكاية كل ذلك نثرا مما يصعب وصفه ويتعذر رصفه ….لكن شاعرنا المطبوع يحكي كل ذلك شعرا رائعا ونظما ماتعا وقصيدا يانعا .
ويوثق للحظة خروج المعتقل عمر محب من سجنه بعد عشر سنوات من الاعتقال الظالم والسجن الغاشم ليصادف فترة الحجر الصحي فينتقل من “سجن لحجر” يقول :
عشر مضت ببلائها وعنائها آلت إلى ما لا يحب السافل
عمر المحب أحالها جسرا إلى نيل المنى ، عشر بخير حامل
مولودها فرح يعم صفوفنا عمر المحب ومن فدوه وكافلوا
والزوج والولدان كل فائز بخروجه والجار رفد باذل
حتى السراح أتى بحجر باهتا بل لافتا ، درس ، وأنت الماهل
هذي الدنى كدح وكد لازم سجن هي الدنيا وحجر عازل….
ختاما
وعلى العموم ، أدعوكم لقراءة هذا السفر البديع والديوان الفريد العامر بالدرر الجامع للفوائد والغرر ، ومما وقع لي أني كنت زمانا أعاني من ارتفاع الضغط وأثر ذلك كثيرا على بصري وشوش على نظري ، فمكثت دهرا لا أمسك كتابا ولا أنظر في رق حتى أذن لي الطبيب في استعمال النظارات ….فكان أول كتاب أمسكته بعد سنتين هو هذا الديوان فالتهمته في سويعة وقلت ليته زاد ، فقد أجاد وأفاد وذكرنا بالفحول الأطواد والشعراء الأفذاد فلله دره وعليه أجره وعلينا شكره .
في انتظار بقية الدواوين وقادم القصائد نتمنى للشاعر الأستاذ منير الركراكي شفاء عاجلا وبرءا شاملا وإبلالا كاملا ، وأن يمتعه الله تعالى بالصحة والعافية، ويمن عليه بالسلامة الوافية ومتعنا بكم ما دام في العمر بقية.