منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

معالم السنن الربانية

معالم السنن الربانية/ د. رمضان خميس

0

معالم السنن الربانية

د. رمضان خميس

تمهيد

أحمد الله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة وهداية للعالمين، محمدٍ ﷺ وآله وصحبه والتابعين، اللهم إن نبرأ من حولنا وطولنا وقواتنا، ونلوذ بحولك وطولك وقوتك، فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا قبضتها يا أرحم الراحمين، اللهم إنا نسألك يا حنان يا منا يا بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام أن تجعل أقوالنا وأعمالنا وحركاتنا وسكناتنا فيك لك خالصة؛ إنك على كل شيء قدير، اللهم إنا نسألك إيمانا لا يرتد، ونعيما لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، ونسألك مرافقة النبيين في الجنة…

أما بعد فإن المسلمين اليوم، وكل يوم في أمسِّ الحاجة إلى استلهام رأي القرآن الكريم في قضاياهم وتصوراتهم، وهم اليوم يعيشون عصرا تتنازعه الأفكار من كل صوب، وتتناوشه النظريات البشرية من كل حدب، والواقع العربي عامة والمصري خاصة تغير تغيرا يغري بالوقوف أمامه والنظر إليه نظرة جديدة مناسبة لما يمر به فقد شغل القريب والبعيد والعدو والصديق بما حدث في مصر من ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011، الموافق 21 صفر 1432هـ بين: سعيد هانئ، ومتخوف شانئ، والدراسات القرآنية -وفي العمق منها علم السنن لابد أن يكون له أثر فاعل في تبين خطوط الأحداث في ضوء سنن الله الكائنة، القدرية منها والسببية، الجارية منها والخارقة، وإلا فما يفيد إذا تحرك العالم من حولنا يدرسون رقميا وإحصائيا أحوالنا وأحداثنا، ويبنون على ذلك قرارات فاصلة، ومواقف حاكمة، والدراسات القرآنية والإسلامية تلوك قضايا قد لا يكون هذا الزمان زمانها، ولا المكان مكانها؛ من هنا كانت هذه الدراسة الاستشرافية السننية، التي تعتمد رؤية قرآنية في مبناها ومنهاجها، وتتغيا رسم صورة واضحة المعالم، بينة القسمات، في ضوء القرآن الكريم، ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، يفيد منها عالمنا العربي والإسلامي عامة والصحوة الإسلامية خاصة والله المستعان.

أهمية الموضوع وأسباب اختياره

تبدو أهمية الموضوع من خلال النقاط الآتية:

– أثر الوعي بسنن الله (تعالى) عامة وبيان معالم وملامح السنن الربانية في أحداث الثورة المصرية خاصة، في تغير مفاهيم الناس وأفكارهم، بما يترتب عليه التغيير في رؤاهم وتصوراتهم، ومن ثم في سلوكهم وأفعالهم.

– تقديم التفسير القرآني الصحيح لما تمر به بلادنا وأمتنا من ثورات في ضوء عطاءات القرآن الكريم الصادقة ورؤيته الحاكمة.
– حاجة الأمة اليوم إلى هذه الريادة الفكرية العلمية والعملية التي تأخذ بيدها لتنهض من الوهدة، وتقال من العثرة، وتقوم من تلك الكبوة التي تردت فيها إثر بعدها: كلاً أو بعضا عن منهاج الصلاح والفلاح في الدنيا والآخرة.

– الإفادة من علم السنن في معرفة مهمة المسلمين اليوم بعد الأحداث التي غيرت وستغير وجه مصر خاصة، والعالم العربي عامة لما لمصر من ريادة تاريخية وكلمة حاكمة في مقررات مصيرية كثيرة، لا ينكرها إلا جاهل أو حاقد.

– بيان سبق القرآن وصدقه في حكمه على الحياة والأحياء من خلال واقع الثورة المصرية وأحداثها، مقدمات وأسبابا، ونتائج.
ولدراسة هذه القضية أسباب دفعتني إليها، منها:

– التأكيد الذي لا يُمل منه: أن المرجعية العليا للمسلمين في تصوراتهم ومنطلقاتهم، ومعاشهم، ومعادهم، هي القرآن الكريم، يفيدون منه حُكمَه في كل قضية، وفصله في كل مسألة، والثورة المصرية المعاصرة من أهم الأحداث التي تحتاج إلى دراسة سننية مفردة.

– أثر غياب هذه المرجعية من أذهان بعض المسلمين في الهزيمة النفسية، والتراجع الفكري، وبدئهم من الصفر، دون الإفادة من عطاء القرآن وهديه مما يوفر عليهم تجارب بشرية ثبت فشلها حتى عند أصحابها.

– وضوح السنن الجارية في أحداث الثورة المصرية بصورة لا يتأتى معها ترك الحديث عنها، والإفادة من هذا العلم الاستشرافي النافع في تبين مواطئ أقدامنا، وتطلعا لمستقبل راشد واعد بالخير الكثير إن شاء الله.

– عدم وجود دراسة سننية مفردة -على حد علمي- تتناول التوصيف السنني للثورة المصرية ومن ثم تكييفه وتوظيفه لإفادة الأمة منه.

مفهوم الثورة وموقف القرآن منها

إذا تأملنا النصوص وجدنا تشابكا بين دلالتها اللغوية ودلالتها الواقعية العصرية في كل مفردة من مفرداتها، فالثورة التي عرفها الفيروز آبادي بأنها: ( تغيير أساسي في الأوضاع السياسية والاجتماعية يقوم به الشعب في دولة ما)، هي دالة على المعاني السبعة التي حوتها المادة اللغوية تماما، فهي هيج وهياج، وهي تنقيب وإخراج لما في كمائن النفوس من رغبة، وما في القلوب من عاطفة، وما في العقول من أفكار، وهي تنقيب عن أسباب الفساد الذي يصبر الناس عليه حينا من الدهر، حتى إذا بلغ السيل الزبى، وجاوز الأمر حده، ثارت الجماهير جامحة، منقبة عن القديم والجديد، وفيها من معاني الوثب والنهوض الكثير، وفيها من السطوع وكشف الحقائق ما فيها، كما لا يخفى ظهور دلالة العدد الكثير ووجوده في الثورات.
فالثورة إذا: هي: (التغيير الجذري والمفاجئ، في الأوضاع السياسية، والنظم الاجتماعية، والواقع الاقتصادي، بوسائل تخرج عن التدرج المألوف، ولا تخلو عادة من العنف والهياج)

(الثورة)، ومرادفاتها في القرآن الكريم

وردت مفردة الثورة، ومرادفاتها في القرآن الكريم، في المواد الآتية:

  • مادة ثار

وورودها في قوله تعالى:

(قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ)

يقول صاحب التحرير والتنوير: (وإثارة الأرض حرثها وقلب داخل ترابها ظاهرا، وظاهره باطنا، أطلق على الحرث فعل الإثارة تشبيها لانقلاب أجزاء الأرض بثورة الشيء من مكانه إلى مكان آخر)

ووردت المادة في قوله (تعالى): (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)و{أَثَارُوا}: فعل مشتق من الإثارة بكسر الهمزة، وهي تحريك أجزاء الشيء، فالإثارة: رفع الشيء المستقر وقلبه بعد استقراره قال تعالى {اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً} أي تسوقه وتدفعه من مكان إلى مكان.

وأطلقت الإثارة هنا على قلب تراب الأرض بجعل ما كان باطنا ظاهرا وهو الحرث… ويجوز أن يكون {أَثَارُوا} هنا تمثيلا لحال شدة تصرفهم في الأرض وتغلبهم على من سواهم بحال من يثير ساكنا ويهيجه، ومنه أطلقت الثورة على الخروج عن الجماعة. وهذا الاحتمال أنسب بالمقصود الذي هو وصف الأمم بالقوة والمقدرة من احتمال أن تكون الإثارة بمعنى حرث الأرض لأنه يدخل في العمارة)

  • التغيير

ومن مرادفات الثورة مادة التغيير الذي هو جوهر الثورات ولبها، ومخها وعظامها، وقد وردت المفردة في القرآن الكريم في قوله تعالى على لسان الشيطان المريد وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا)
وفي قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)
وقوله تعالى: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ)

  • موقف القرآن الكريم من الثورات

يَعدُّ القرآن الكريم أحد أهم عوامل الثورة البشرية، إن لم يكن أهمها بلا نزاع، على تطاول التاريخ وتباعد الأيام إذا حددنا معنى الثورة بأنها الجرأة على الإلف الخاطئ والعرف الفاسد والواقع الـأليم.

فالأنبياء والمرسلون أكبر من صدعوا بالحق في وجوه الباطل، وأعظم من رفعوا لواء التغيير المنهجي، والإصلاح الإنساني على مدار التاريخ، وكل المجتمعات التي نشئوا فيها، والأمم التي أرسلوا إليها كان لها من العادات الفاسدة والتقاليد السيئة، والأعراف الباطلة، والموروثات الخاطئة، ما يستدعي أن يرسل الله إليهم رسلا، ويبعث لهم نُذُرا، مؤيدين بالبرهان، الساطع والدليل القاطع والحجة الباهرة، والمحجة القاهرة، بل إمعانا في إرادة هدايتهم كانت الحجة المقامة عليهم من جنس ما تميزوا فيه، والمعجزة المؤيدة لرسلهم من جنس ما تفردوا هم به وصاروا لا يُبارَوْن فيه ولا يٌغْلبون عليه.

لقد هز القرآن العقل البشري هِزة أقلقته من سباته، وأطارت النوم من عينه، وأقضت مضجعه؛ فلم يقو على عدم الاهتمام بمعطياته وأحكامه، والوقوف عند مفرداته وبيانه، جاءهم بكل جديد لم يعرفوه، وحق لم يألفوه، فحاروا في تسميته: سحراً، شعراً، كهانةً، وهم لم يدروا أنه الوحي الذي يغير ويبدل، ويهدم ويبني، ويقوض ويقيم، ويمحو ويثبت: أعرافاً، وعاداتٍ، وتقاليد وموروثات، وربَّى القرآن أتباعه -إذا فهموا مقاصده وسننه على الصدع بالحق، ومغادرة الإلف، زمانا ومكانا وعقيدة، وكشف عن العيون غشاوات بات الناس فيها قرونا متطاولة وأحقابا متتالية، وَرَّثها السالفُ للخالف، ووَرِثها الأحفادُ عن الآباء والأجداد.
فالقرآن مصدر أساس من مصادر الثورة الحقيقية، والإصلاح المتدرج، والبناء الهادف الحثيث، للإنسان والبنيان والعمران، والمتتبع لمنهجيات القرآن الكريم، وتناوله، وطرحه للقضايا الأساسية يجد بوضوح وجلاء كيف يغير من فكر أتباعه، وإلفهم وعاداتهم، حتى يصير الفرد شخصا جديدا في منهجية تفكيره وفهمه للأشياء، والراصد لموقف العرب قبل الإسلام في حياتهم الاجتماعية، يجد كيف كان العربي يثأر ويُغِير، ويعتدي ويتجاوز، حتى على أقرب الناس له نسبا، وألصقهم به صلة، حتى قالوا:وأحيانا على بكر أخينا إذا لم نجد إلا أخانا

وقالوا:ونشرب إن وردنا الماء صفواً ويشرب غيرنا كدِرا وطينا
وقالوا:ومن لا يزد عن حوضه بسلاحه يهدم ومن لا يَظلم الناس يُظلمِ

فجاء الإسلام والقرآن فإذا بلال الحبشي، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي، وأبو بكر التيمي، وعمر القرشي إخوة متحابون، وهذا تغيير القرآن وصنع القرآن، وبناء القرآن.

وهم الذين جمعهم الإسلام وألف بينهم فكانوا (فئة)، يفئ بعضهم إلى بعض، ويتضام كل أخ إلى أخيه، حتى يصير به وله عضدا وأَزْرا، حتى أذاب هذا الدين فوارق الجنس، واللون، والعرق، واللسان، والزمان، والمكان، فصارت جنسيتهم دينهم كما يقول حكيم الإسلام الأستاذ الإمام محمد عبده، (رحمه الله).

إن العروبة في بدر قد اقتتلت سيفا لسيف وكان الكل عربانا
فهل أبو جهلٍ في غيه وأبو لهبٍ كخالدٍ قاد باسم الله فرسانا
عروبتان فذي نور وذي ظلم شتان بينهما، شتان، شتانا
فإن نضح به يا أهل أمتنا فإن أمتنا أولى ضحايانا

أليس هذا تغييراً جِذريا حقيقيا في الحياة والأحياء؟، إنهم يقولون: إن الثورات تحدث التغيير، والحق في نظري أن التغيير هو الذي يحدث الثورات؛ فالله تعالى يقول:(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)

فالأنبياء والمرسلون ثوار حقيقيون، ثوار على الخرافة العقلية، والبدع السلوكية، ثوار على الاستبداد، وقهر الإنسان للإنسان، ثوار على الإلف الخاطئ الذي يظل الناس يدورون في فَلْكه، ولا يخرون عن سبحه، (فليست السياسة هي الميدان الوحيد للثورة، وليس ثوارها هم أعلام هذا الميدان، ففي الاجتهاد ثورة على التقليد، وفي الجهاد ثورة على الاستسلام، وفي التجديد ثورة على الجمود، وفي الإبداع ثورة على المحاكاة، وفي التقدم ثورة على الرجعية والاستبداد، وفي العقلية ثورة على بلادة النصوصيين)

فالدين كله ثورة صادقة، بانية لا هادمة، مصلحة لا مفسدة، وأعلامه ومصلحوه ثوار حقيقيون، بهذا المفهوم الشامل للثورة.

فعمر بن عبد العزيز بالنموذج الذي قدمه في عدل الحاكم ثائر على الظلم والإسراف في مال الرعية، والشافعي في فقهه وأصوله، وفي وعيه وتألقه، ثائر بالعلم على الجهل وبالفكر على التيه والضلال، وبالعقل على الخرافة، والعز بن عبد السلام ثائر على الجمود والطغيان، والغزالي في تراثه وإحيائه ثائر على جفاف الروحي، والخواء الإيماني، والأفغاني ثائر على استبداد الغرب للشرق، ونهبه لخيره، وقهره لإرادته وبَهره بتقنيته الغليظة العنق النحيفة الخلق، والكواكبي ثائر ضد الاستبداد والفساد، وابن باديس ثائر بتربيته للجيل الذي حمى الجزائر من قهر الاستعمار، ورغبته في إزهاق هوية الشعب العربي الأبي ولغته وفكره، والبنا ثائر في تربيته لجيل رائد يعيد للناس معنى جديدا للدين والحياة، ويؤسس مدرسة شمولية تسعى لإصلاح الدنيا بالدين، ولا يزال سيل المصلحين يتجدد ولا يتبدد ويبقى ولا ينفد؛ لأن بقاءه بقاء أمته والأمة باقية ما بقي الجديدان وما تعاقب الملوان، صحيح هي تمرض لكنها لا تموت، وكيف تموت، وهي تستمد قوتها من الحق، والحق حي لا يموت.

من كتاب معالم السنن الربانية في الثورة المصرية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.