منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾…التحدي الإلهي وعجز الإنسان

الدكتور محمد السقا عيد

0

﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾…

التحدي الإلهي وعجز الإنسان

بقلم: الدكتور محمد السقا عيد

يضرب القرآن الكريم في سورة الحج مثلًا فريدًا في عمقه ودلالته، حين يخاطب الله الناس كافة بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾، وهو نداء يحمل في طياته تنبيهًا للعقول أن ما سيُقال ليس عابرًا، بل حقيقة كبرى تتجاوز الزمان والمكان. ثم يأتي التحدي الصريح: إن كل ما يُعبد من دون الله، مهما عُظِّم أو قُدِّس، عاجز عن أن يخلق ذبابة واحدة، ولو اجتمع الخلق كلهم على ذلك.

ولم يكن اختيار الذباب في هذا المثل اعتباطًا، بل هو اختيار بالغ الدقة؛ فالذباب رمز للصغر والمهانة في نظر الإنسان، ومع ذلك جعله الله أداة لكشف أعظم صور العجز البشري. فالتحدي هنا ليس بخلق جبل أو نجم، وإنما بخلق كائن حقير مستصغر، ومع هذا يبقى الإنسان عاجزًا عجزًا مطلقًا، مهما بلغ من تقدم علمي أو تقني، لأن سر الحياة ليس في متناول البشر، بل هو من خصائص القدرة الإلهية وحدها.

ويزداد المثل عمقًا حين ينتقل الخطاب من عجز الخلق إلى عجز أدق وأوضح، فيقول تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾. فليس الأمر مقتصرًا على العجز عن الخلق، بل يتعداه إلى العجز عن استرداد شيء يسير اختطفته ذبابة. وهنا تتجلى لمحة إعجازية مدهشة؛ إذ أثبت العلم الحديث أن الذبابة تهضم طعامها خارج جسدها، فتفرز إنزيمات تحول ما تلتقطه إلى مادة أخرى خلال لحظات، فلا يعود الشيء المسلوب على هيئته الأولى، ولا يمكن استرجاعه بحال.

ويكشف هذا التعبير القرآني الدقيق عن سبق علمي لافت، إذ عبّر بالفعل «يسلبهم» الذي يدل على الأخذ قهرًا وبسرعة، ثم نفى إمكان «الاستنقاذ» نفيًا قاطعًا. فالمسلوب قد تغير، وفُقدت حقيقته، وكأن القرآن يقرر حقيقة علمية لم تُدرك إلا بعد قرون طويلة من نزوله، مما يزيد المؤمن إيمانًا، ويقيم الحجة على المنكرين.

ثم تأتي الخاتمة الحاسمة للمثل: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾، لتجسد مشهد العجز الكامل؛ ضعف من يطلب، وضعف من يُطلب منه، سواء أكان الطالب عابدًا أو إنسانًا متكبرًا بعلمه، أم المطلوب صنمًا أو قوة موهومة. إنها صورة تهدم كل دعوى للألوهية الزائفة، وترد الإنسان إلى حجمه الحقيقي أمام عظمة الخالق.

إن هذا المثل القرآني يظل قائمًا إلى قيام الساعة، يتحدى الإنسان في كل عصر، ويكشف أن التقدم المادي مهما بلغ لا يمنح صاحبه القدرة على الخلق، ولا يخرجه من دائرة الضعف. فالخلق لله وحده، والعجز صفة ملازمة للمخلوق، وما لم يدرك الإنسان هذه الحقيقة، فلن يقدّر الله حق قدره، ولن يعرف معنى العبودية الخالصة لله القوي العزيز.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.