منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التعلم عن بعد بين الانتقاد وسبل الرشاد

 ذ. الحسين بوجبر

0

 

لا يخفى على كل دارس وباحث في مجال التربية على أهمية التواصل في العملية التعليمية التعلمية وقيمته في إنجاحها وجني ثمارها، إلا أن ما يعانيه العالم من ظرفية استثنائية فرضها تفشي وباء كورونا 19-covidأرخى بظلاله على معظم المرافق الحيوية لم تسلم المدرسة من تداعياته وانعكاساته السلبية، فاقتضت الحكمة الاجتهاد لهذا النازل – بلغة الفقه – لضمان الدوام والاستمرارية في العملية التعليمية التعلمية، اجتهاد التطوير واجتهاد التبديل أو خلق البديل من خلال عملية – التعلم عن بعد – التي أصبحت اليوم تشارك بل تنافس وتنازع بوجودها وجودتها عملية التلقي والتعلم المباشر وخصوصا عند إشداد الأزمات وكيف لا وهي جزء منها وتحب في بحيرتها.

ورغم أن العملية بكر لم تخضع للدراسة ومازال لم يشبعها العلماء بحثا، ومن ثم فليس الغرض من هذه الدراسة إثبات وجود هذا البديل، لأنها مسلمة الثبوت، وإنما الكشف عن طبيعتها وبيان بعض وجوهها، والتنبيه على أهم مسالك إحكامها خاصة وأنها تجربة تطرح عدة تخوفات تولدت منها عدة تساؤلات لعل من أهمها:

  • هل هذه التجربة ولدت ميتة؟
  • وهل حقا أريد لهذه التجربة المضي قدما بهذا المشروع حتى يأخذ مساره في السكة التربوية أم أنه مجرد رتق لفتق ظرفي؟
  • و هل أتت هذه العملية أكلها حتى تترقب موعد حصاد ثمارها؟

وغير ذلك من التخوفات والتساؤلات التي تأتينا يمنة ويسرة من خلال النزوع التلقائي لهذه التجربة نحو تقمص يرقة الاستمرار وذلك في معركة التطور الكفيل بخلق البديل.

1 – دراسة كخيار إستراتيجي لجأت إليه الوزارة الوصية في هذه الظرفية الراهنة.

 

 

إن أي قضية تربوية معاصرة إلا ويصاحبها جدال طويل حول صلاحيتها أو عبثيتها ومستوى الثقة بمضمونها، والاطمئنان إلى فعاليتها، وينسحب ذلك كله على ” التعلم عن بعد.”

فالمنظومة التربوية المغربية لم تنفرد بهذا المسلك في التعليم، وإنما ألفيناه متغلغلا في أعماق المنظومات الغربية، حيث وجدت فيه ما تتوخاه من أغراض في ري الجميع من ينا بيع العلم والمعرفة وأوغلت في

الدعوة إلى اعتماده، والتحويل عليه لتلبيته لاحتياجات الأفراد التعليمية والمهنية من غير ارتباط أو تقيد بمكان أو زمان معينين لإعتماده على وسائط تكنولوجية عديدة مثل الهاتف والتلفزيون، والحاسوب، والشبكة العنكبوتية…

وقد ساهمت هذه التكنولوجيا الحديثة في تكوين بيئة جديدة للتعلم عن بعد؛ بيئة تتيح للمتعلمين إمكانية التفاعل مع الدوس والتحكم في مسار العملية التعليمية بصورة كبيرة بحيث يكون المتعلم هو محور العملية التعليمية، ويبقى المدرس مجرد موجه أو مشرف ويتحول مقياس النجاح من تخزين واسترجاع

المعلومات إلى اكتساب مهارات التعلم والفهم والاستيعاب والتفكير السليم بل والابتكار، لأن هذا النوع من التعلم يكسر قاعدة المُرسل والتلقي المعمول بها في جملة من الطرق البيداغوجية التقليدية، لتصبح المعادلة أقرب إلى ” الكل صانع للمعرفة والكل متلق لها “.

ومن الإشارات التي لا يمكن إهمالها أو إسقاطها في نجاعة هذا المشروع التربوي ذلك التجاوب والتفاعل للتلاميذ مع هذه التكنولوجيا الرقمية سريعا، نظرا لسهولة الاستخدام من جهة ولسعة وتنوع المعلومات التي يتاح الوصول إليها من جهة أخرى حيث فتحت أمامهم آفاقا واسعة ورحبة.

أمر آخر جد هام وجب الإلتفات إليه في ملامسة نجاعة هذا المشروع، وهو أنه يحقق مفهوما جديدا للتربية، يتلاءم مع الانفجار المعرفي والثورة العلمية والتكنولوجية التي يعايشها العصر الحديث ويلبي ميول واهتمامات واحتياطات النمو للمتعلمين من خلال تنمية ملكة التعلم الذاتي لديهم حيث الإعتماد على نشاط المتعلم الفردي وعلى قدرته واستعداده.

كما أن من حسناته فسح المجال واسعا للمتعلم للنقاش وإبداء الرأي في حل المشكلات، لأن المتعلم في هذا النظام لا يتعرض لأي ضغوط نفسية من أي جهة كانت لأنه يتعلم تعلما ذاتيا في معزل عما يدور عادة داخل المؤسسة التعليمية من تواجد للمعلمين والمتعلمين الزملاء. أو البيئة التعليمية وعليه فإنه يتحرر كثير منهم – المتعلمين – من قيد الخجل والوجل الذي يربط على ألسنتهم داخل الفصل الدراسي فيؤثر سلبا على تحصيلهم.

 

و من عوامل قوة هذا البرنامج وما يشهد بنجاح العملية التعليمية التعلمية رحابة الزمن الذي يتيحه للمتعلم حيث يجعله يستوعب المادة الدراسية حسب قدرته، ولا يفرض عليه فرضا. كما ينمي في المتعلم مهارات عالية أبسطها كيفية إستخدام وسائط التكنولوجيا، التي أصبحت جزءا من المادة الدراسية وليست فقط مساندة كما هو الحال في نظام التعليم التقليدي.

و لا يكاد يختلف إثنان في أهمية هذا البديل الإستراتيجي وقيمته، ولا ينقص من ذلك تتبع بعض اللمزات التي يمكن الإيماء باقتضاب إلى أهمها ومنها:

– أن التعليم عن بعد يفتقد إل الخصائص التربوية والبيداغوجية التي يتم توظيفها داخل القسم، حيث التفاعل قابل للملاحظة والتقويم والتقييم والدعم.

و منها أيضا أن نجاح هذا النظام التعليمي يتوقف على عوامل عدة يجب توفرها حتى يتسنى له بلوغ الأهداف التعليمية المخطط لها وخاصة ما يتعلق بتوفير أجهزة الإرسال والاستقبال التي يمكن للمتعلم من خلالها التفاعل مع مصدر التعلم ( المؤسسة التعليمية، المدرس ) ومدى كفاءة هذه الأجهزة وانخفاض تكلفة الاتصال مراعاة للظروف الاجتماعية لأغلب الأسر المغربية وخاصة في المناطق النائية، ليبقى بعد ذلك رغبة المتعلم وجديته في التعلم ومدى المتابعة مع الأخذ بعين الاعتبار تنويع المثيرات لاستقطاب ولجذب انتباهه وزيادة تشويقه.

ومن مهام النقد الموجهة لهذه العملية أنها تكاد تحصر مهمة التربية في نقل المعلومة والمعرفة محرومة من قوة التفاعل، نائية عن التمثل السلوكي الطبيعي، فتأتي بمظهر شاذ غريب لغياب الإقناع العقلي والوجداني للمستهدف (المتعلم)….

ليبقى بعد هذا التجاذب في الأنظار والتباين في الأفكار جدال وسؤال لإثبات نشاطه، هل بإمكان العملية أن تعبر عن خصوبتها وقابليتها للاتساع عند توافر بيئتها المشروطة، بما يومئ من تمكنها من احتواء هذا الفراغ والانقطاع الذي خلفه إغلاق المدارس، وما مدى قدرتها على تحقيق الغاية منها كبديل وقت الأزمات او مصاحب للعملية التعليمية في جميع الأوقات.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.