تقرير محاضرة: الإدمان الرقمي – المشكلة والآثار والعلاج
الفاتحي فاتحة باحثة في سلك الدكتوراه كلية اصول الدين _تطوان
تقرير محاضرة:
الإدمان الرقمي – المشكلة والآثار والعلاج
المحاضر: فضيلة الدكتور ماجد بن عبد الله العصيمي
أستاذ أصول التربية ومدير المركز الدولي
للاستراتيجيات التربوية والأسرية (ICEFS) – المملكة العربية السعودية
الباحثة الفاتحي فاتحة
الجهة المنظمة: المركز الدولي للاستراتيجيات التربوية والأسرية، بالتعاون مع تكوين دراسات الدكتوراه في أصول الدين وتاريخ الأديان وحوار الحضارات – كلية أصول الدين بتطوان التاريخ: 27 يونيو2026
مقدمة:
في عصر تتسارع فيه وتيرة التحولات الرقمية وتتشابك فيه حياة الإنسان مع الفضاء الافتراضي، أصبح الإدمان الرقمي ظاهرة تفرض نفسها بقوة على الأفراد والأسر والمجتمعات دون استثناء. وفي هذا السياق، نظم المركز الدولي للاستراتيجيات التربوية والأسرية ICEFS بالتعاون مع تکوین دراسات الدكتوراه في أصول الدين وتاريخ الأديان وحوار الحضارات بكلية أصول الدين بتطوان، محاضرة علمية عبر منصة Google Meet، بتاريخ 27 يونيو 2026، تحت عنوان: “الإدمان” الرقمي : المشكلة – الآثار -العلاج“.
أطر هذه المحاضرة فضيلة الدكتور ماجد بن عبدالله العصيمي، أستاذ أصول التربية ومدير المركز الدولي للاستراتيجيات التربوية والأسرية من المملكة العربية السعودية، وهو باحث متخصص له ما يزيد على 30 مؤلفاً ومنشوراً علمياً في مجال التربية والأسرة.
وتكتسب هذه المحاضرة أهميتها من كونها تتناول إشكالية راهنة تمس كل فرد في حياته اليومية، إذ لم تعد ظاهرة الإدمان الرقمي حكراً على فئة بعينها، بل باتت تطال المراهقين والبالغين على حد سواء، مخلفةً آثاراً نفسية واجتماعية وتربوية بالغة الخطورة.
وقد جاء إعداد هذا التقرير استجابةً لتوجيه أستاذنا الكريم الدكتور رشيد كهوس، الذي حرص على مشاركة رابط المحاضرة وحثنا على حضورها وتوثيق مضامينها، إيماناً منه بأهمية ربط الطالب بالمستجدات العلمية والقضايا المجتمعية الراهنة.
المحور الاول: تقديم وسياق المحاضرة
افتتحت المحاضرة بكلمة ترحيبية من الأستاذ الدكتور عبد الكريم القلالي، الذي أشاد بالدكتور المحاضر العصيمي.
أكد الدكتور العصيمي في مستهل حديثه أن هذه المحاضرة تستند في أصلها إلى ورقة علمية قدمت للمؤتمر العربي الدولي حول “التحديات التي تواجه العالم العربي“، المنعقد في جامعة إربد بالأردن، وأنه تفاجأ بضخامة الموضوع وحجم الاهتمام العالمي به.
بدأ المحاضر بسؤال موجه للحضور” من منكم يتناول هاتفه الذكي فور استيقاظه من النوم؟” فكانت الأيدي المرفوعة تتجاوز الغالية العظمى، وهو ما اعتبره مدخلاً عملياً للحديث عن ظل الإدمان الرقمي.
المحور الثاني: العصر الرقمي – السياق العام
استعرض الدكتور العصيمي مراحل تطور العصر الرقمي خلال الـ 25 سنة الماضية:
- مرحلة الاستخدام الوظيفي: تأسيس شبكات الإنترنت وقواعد البيانات
- مرحلة التوسع الفعلي (2010): دشنتها شركة Apple
بإطلاق أجهزة iPhone التي غيرت طريقة تعاملنا مع الهواتف الذكية، وتُسمى “مرحلة التحول الاجتماعي“
- مرحلة الاندماج الكلي (2014-2018): مع انطلاق التطبيقات الاجتماعية من
Les applications de Snapchat et Instagram
- المرحلة السيبرانية الراهنة: مع ظاهرة TikTok والاندماج الكلي في الفضاء الرقمي.
وأشار إلى أن نمو مستخدمي التواصل الاجتماعي يبلغ 10% سنوياً، أي ما يعادل نصف مليار إنسان جديد كل عام.
أرقام عالمية (2025):
إجمالي سكان العالم: 8.23 مليار نسمة
مشتركو الهاتف المحمول: 5.76 مليار (70%)
مستخدمو الإنترنت: 5.65 مليار (68.7%)
أصحاب حسابات التواصل الاجتماعي النشطة: 5.41 مليار (65.7%)
المحور الثالث: مفهوم الإدمان الرقمي
عرف الدكتور العصيمي الإدمان الرقمي بأنه:
“نقص القدرة على التحكم في استخدام الوسائط الرقمية، بطريقة تؤثر على الحياة الشخصية للمستخدم.”
ونوه إلى أن هذا المصطلح لا يزال محل جدل في أوساط المتخصصين في علم النفس، غير أنه يُصنف إدماناً من حيث حجم تأثيره وسيطرته على حياة الإنسان وعجزه عن التخلص منه. وأشار إلى أن نحو %50% من الشباب يُقرّون بأنهم مدمنون رقمياً وفق مـعاير الإدمان المعتمدة.
المحور الرابع:مظاهر الإدمان الرقمي
استند المحاضر إلى دراسة الباحث الصيني “يونغ”، الذي حدد ثمانية مظاهر للإدمان الرقمي، مشيراً إلى أن من تنطبق عليه خمسة منها فهو على عتبات الإدمان الرقمي.
1- الانشغال الدائم بالتفكير في الإنترنت والترقب للجلسة التالية.
2-ازدياد الوقت اللازم للوصول إلى نفس مستوى الرضا والسعادة.
3-فشل محاولات السيطرة على استخدام الإنترنت أو تقليله أو التوقف عنه.
4-الكذب على الأسرة وغيرهم لإخفاء التورط في الاستخدام.
5-البقاء على الإنترنت لفترة أطول من المخطط لها، سواء قبل النوم أو خلال اليوم.
6- تعريض العلاقات المهمة وفرص العمل والدراسة والحياة المهنية للخطر.
7-استخدام الإنترنت للهروب من المشكلات والضغوط النفسية.
8-الشعور بالقلق والتقلب المزاح والعصبية والاكتئاب عند الانقطاع عنه.
المحور الخامس: اثار الإدمان الرقمي
1-الآثار الاجتماعية:
- ضعف العلاقات الاجتماعية الحقيقية لصالح العلاقات الافتراضية، وقد بدأ هذا التأثير يظهر بجلاء بعد عام2004 مع انتشار فيسبوك.
- العزلة والاغتراب الأسري (التوحد الرقمي).
- التنكر للقيم والعادات الاجتماعية وتدني المسؤولية الاجتماعية، إذ تُكتسب القيم بالاحتكاك والنمذجة
الاجتماعية لا بالمعلومات النظرية.
2-الآثار التعليمية والمهنية:
- انخفاض التحصيل الدراسي لدى المراهقين.
- انخفاض الأداء المهني لدى البالغين نتيجة الغرق في الوسائط الرقمية.
3-الآثار النفسية:
- فقدان معنى الحياة: أشارت دراسة تتبعية أمريكية (2018-1990) إلى أن نسبة المراهقين الذين يعتقدون أن الحياة لا معنى لها ظلت مستقرة بين 15-20 في المئة لأكثر من 25 سنة، ثم قفزت بشكل. ملحوظ إلى 25% بين عامي 2010 و2018، وهو ما يتزامن مع الانتشار الواسع للهواتف الذكية والتطبيقات الاجتماعية. والأشد تأثراً هن الفتيات % 57 مقابل % 37 للفتيان.
- ارتفاع نسب الاكتئاب والقلق والانتحار المرتبطة بمؤشرات فقدان المعنى.
5-آثار على مهارات التواصل
- ضعف مهارات التواصل المباشر والتعاطف وفهم الإشارات غير اللفظية
حيث أوضح أيضا الدكتور العصيمي أن العلماء يعتبرون الإنسان الذي لا يستطيع تثبيت انتباهه لمدة 10 إلى 20 دقيقة إنساناً غير قادر على الانخراط في أي موضوع جاد.
المحور السادس: المرجعيات والمستجدات العالمية
- أشار المحاضر إلى كتاب ” الجيل القلق” (ترجم إلى العربية بعنوان “جيل الاضطراب”) للعالم الاجتماعي
الأمريكي “جوناثان هايدت” ، الذي أحدث موجة واسعة في أمريكا وتشكلت على إثره حركة شعبية بنفس الاسم ضمت حكام ولايات وسياسيين ومثقفين للحد من سيطرة العالم الرقمي على الأطفال.
- ذكر محاضرات الدكتور خالد ميار الإدريسي حول مفهوم “حروب الانتباه“، مشيراً إلى أن المقاطع القصيرة (Reels/TikTok) هي “أسوأ ما وصل إليه العالم الرقمي”، إذ تدمر القدرة على التركيز.
- لفت إلى أن أستراليا سبقت العالم بإقرار قانون يحظر على من هم دون سن المراهقة استخدام التواصل الاجتماعي، دخل حيز التنفيذ في ديسمبر 2025، وأن أكثر من 15 دولة تسير في نفس الاتجاه.
- كشف أن مؤسسي هذه التقنيات من أباطرة الشركات الكبرى لا يسمحون لأبنائهم بهذه الأجهزة، ويلحقونهم بمدارس تقليدية بعيدة عن التكنولوجيا.
المحور السابع: التصور المقترح للعلاج
اقترح الدكتور العصيمي منظومة علاجية مؤسسية متكاملة على ثلاثة مستويات
- المستوى الأول: الوقائي (التحصين الاجتماعي)
يستهدف الأسرة والبيئة المدرسية والأفراد، ويشمل:
- التوعية الاجتماعية المستمرة داخل الأسر والمنتديات الثقافية.
- التفريق بين التواصل الرقمي والتفاعل الاجتماعي الحقيقي.
- تنمية مهارات الحوار والعمل الجماعي وإدارة الوقت.
- تحديد قواعد استخدام واضحة لا هواتف على مائدة الطعام، ولا في الجلسات العائلية، ولا داخل المدارس.
- منع الأطفال دون 14 سنة من الهواتف الذكية، ودون 16سنة من التواصل الاجتماعي.
- المستوى الثاني: العلاجي التدخل الاجتماعي- السلوكي
يطبق عند ظهور مؤشرات الإدمان الواضحة، ويعتمد على:
- التدخل السلوكي المتخصص .
- براء علاجية مؤسسية منهجية .
- المستوى الثالث: التمكيني إعادة الاندماج الاجتماعي
يهدف إلى إعادة الفرد إلى محيطه الاجتماعي عبر:
- برامج تطوعية وأنشطة جماعية غير رقمية.
- جلسات متابعة دورية
- زيادة الأنشطة المحيطة بالفرد.
المحور الثامن: خاتمة المحاضرة
ختم الدكتور العصيمي بثلاثة استنتاجات جوهرية
التحدي قائم – الإدمان الرقمي واقع متنام لا يمكن تجاهله، وسيتفاقم مع اندماج الذكاء الاصطناعي في الوسائط الرقمية.
المؤسسات مسؤولة – التغيير يجب أن يكون مؤسسياً لا فردياً.
المشاريع هي الحل – وكما أثبتت حركة “الجيل القلق” في أمريكا، فإن الفرد الواعي يمكنه أن يكون مشروعاً يُلتف حوله الناس.
القراءة الشخصية:
أوقفتني هذه المحاضرة أمام مرآة حقيقية، فالسؤال الاستهلالي الذي طرحه الدكتور العصيمي حول تفقد الهاتف فور الاستيقاظ جعلني أعيد النظر في كثير من عاداتي اليومية.
وأبرز ما استفدته أنني اكتسبت فهماً علمياً دقيقاً لظاهرة الإدمان الرقمي، ودفعت إلى مساءلة نفسي عن علاقتي بالوسائط الرقمية. كما عزمت على تطبيق التصور الوقائي الذي قدمه المحاضر بوضع حدود واضحة لاستخدامي الرقمي اليومي.
وأرى أن هذا الموضوع يستحق أن يدمج في البرامج التكوينية الجامعية نظراً لتقاطعه مع قضايا الصحة النفسية والتماسك الأسري والأداء الأكاديمي.
خاتمة
يبقى الإدمان الرقمي من أخطر التحديات التي يواجهها الإنسان المعاصر في ظل ثورة رقمية متسارعة لا تهدأ، وقد كشفت هذه المحاضرة القيمة أن الأمر لا يتعلق بظاهرة هامشية بل بأزمة حقيقية تمس جوهر العلاقات الإنسانية والتوازن النفسي والمسار التربوي للأجيال.
وقد أثبت الدكتور العصيمي بأسلوبه العلمي الرصين والمعطيات الإحصائية الموثقة أن الحل ليس في رفض التكنولوجيا بل في ترشيد استخدامها وبناء وعي فردي ومؤسسي حقيقي بمخاطرها. وإن كان ثمة ما يمكن استخلاصه من هذا اللقاء العلمي فهو أن الوعي هو أول خطوات العلاج، وأن المسؤولية مشتركة بين الفرد والأسرة والمؤسسة التربوية والمجتمع بأسره.
وفي الختام نتوجه بالشكر الجزيل للدكتور ماجد العصيمي على ما أثراه من معرفة، وللدكتور رشيد كهوس على حرصه الدائم على تزويدنا بمثل هذه الفرص العلمية القيمة.
والله ولي التوفيق.