هل الإسلام انتشر بالسيف؟
بقلم: عبد الإله الزربة
الحمد لله الذي منح أولياءه جزيل عطائه، ووهب أصفياءه جليل حِبائه، وأظهر دينه في أرضه وأسمائه “وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٨٥” (آل عمران.الآية 85) وأشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد عبده ورسوله أفضل رسله وأنبيائه، أرسله ربه بالحجة والبرهان، وأيده بالنور والفرقان، صلى الله عليه وسلّم صلاةً وسلاماً خالدين مع خلود الدهر، ورضي الله عن آله الكرام وأصحابه الفخام حُماة الدين، الدافعين عنه كل فرية بالدليل والرأي السديد والبرهان، والتابعين لهم بإحسانٍ إلى قيام الساعة وساعة القيام.
وبعد؛
فهذا بحث متناثر الأجزاء متنوع الزوايا يكمل أوله آخره كما أظن، إنني في هذا البحث سعيت جاهدا للرد على مسألة واحدة ستظهر للقارئ عند آخر سطر منه.
تقرير لا بد منه
على سبيل التنبيه أقول: مما يعاب على الباحثين في حقل الكتابة العلمية تقريرَ النتائج قبل بسط المقدمات وتتبع الجزئيات للوصول إلى النتائج والخلاصات، وتجنبا لهذا الخلل المنهجي أبني المقدمات حتى نصل إلى خلاصة لأجيب فيها عن تلك الشبهات، التي بنيت عليه هذا المقال، على هذا أسير وبهذا المنهج أخطو، وإن كنت موقنا يقينا قطعيا بأن الإسلام بريء من شبهة انتشار دعوته بالسيف براءة الذئب من ثوب سيدنا يوسف عليه السلام.
أقول قبل أن أَبْسُط الكلام عن الموضوع وأقرر نفي الشبهة عن صفاء هذا الدين:
كل الأمم التي مرت قبل أمة الإسلام لم تفرق بين الأخلاق والسلاح، حتى جاءت الأمة الإسلامية فكان في سلاحها أخلاقا، بل الأكثر من ذلك أن أصبح سلاحها نفسه أخلاقا.
مواقع التواصل الاجتماعي ونشر السموم
نقل أحد الفضلاء نصا للدكتور محمود شلتوت يقول فيه: ” لا توجد آية واحدة في القرآن الكريم تدل أو تشير إلى أن القتال في الإسلام لحمل الناس على اعتناقه”. القرآن والقتال. ص35.
وقد علقت في صفحته بما يليق بالموضوع، فاعترض علي معترض وادعى ما نصه:” أن الإسلام انتشر بالسيف، وأن الفتوحات الإسلامية كان القصد منها النهب والقتل والعدوان….” إلى آخر ما قال مجزئا نصوص الوحي وباترا مضامينها، ومستشهدا بما يشوش على القارئ، و يقصم ظهر النصوص و يمزقها، ويأخذ منها جزء و يترك أجزاء، على طريقة ذلك الشاعر المخمور:
ما قال ربك ويلٌ للأي سكروا ***** لكنه قال: ويل للمصلينا
وصاحبنا المعلق هذا من زمرة ‘المثقفين” عندنا، بل ممن يشتغلون في وزارة التربية والتعليم، و يا للأسف الشديد أن مثل هؤلاء بدؤوا يبثون سمومهم على مواقع التواصل الاجتماعي نهارا جهارا و بصراخ مرتفع، و بعد أن أعياهم التستر و التخفي وراء الجدار، و الطرد و الرفض المطلق من المغاربة الأخيار؛ أصحاب العقول النيرة و القلوب الصافية السليمة، أرادوا نشر تلك السموم و الشبهات على مواقع التواصل الاجتماعي.
و لبطلان ما ذكرَ أحببت أن أفصل شيئا ما في الموضوع.
أقول وبالله التوفيق:
توضيحا لمقولته
عندما يقول المغرضون والذين في قلوبهم مرض وفي عقولهم خبل وفي طريقتهم لاكتساب المعرفة تحيز وشطط بأن الإسلام انتشر بالسيف، فهم يقصدون بذلك أن الإسلام أرغم الناس على الدخول فيه بقوة السلاح والإكراه، غير تارك لهم حرية الاختيار، و يزيدون على ذلك بأن دخولهم فيه إنما حصل بسبب الخوف من القتل والاضطهاد و سلب ما بيدهم من ممتلكات.
مقولة خاطئة أم صحيحة؟
هذه المقولة [انتشار الإسلام بالسيف] مما يقال فيها حق أريد به باطل، ذلك أن نفي القوة مطلقا عن الإسلام، وحماية عرين دولته و الذود عنها لا يمكن نفيه مطلقا؛ بل لا يتصور عقلا و لا شرعا و لا واقعا، فنفيها مطلقا مشعر بتأثر نافيها بواقع المسلمين الحالي الضعيف و محاولة إرضاء أطراف معينة و الخضوع لما يروجونه قصدا أو جهلا!!
ذكر الفقيه المؤرخ صاحب كتاب شجرة النور الزكية أنه ” من المعلوم أن مؤازرة القوة للشرائع قاعدة كلية لا تتخلف سواء عن الشرائع الإلهية أو الأوضاع البشرية و قد ترتب عليها-مؤازرة القوة- قيام الدول في كل ملة من الملل لضرورة وجود الوازع الذي يزع الناس بالكتاب والميزان ويردهم ولو بالقوة إلى حدود الشرع وذلك بدليل قوله تعالى فيمن سبق عن الرسل أولي الشرائع ﵟلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَنزَلۡنَا ٱلۡحَدِيدَ فِيهِ بَأۡسٞ شَدِيدٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٞ ٢٥ ﵞ الحديد.الآية 25) وفي ذلك من الإشارة إلى ملازمة القوة للدين ما لا يخفى إرهابا للناس و كبحا للنفوس التي يقودها مجرد الإرشاد و اللين و هاته القوة إنما تقوم بالوازع و أعوانه و منهم التي يقودها مجرد الإرشاد و اللين و هاته القوة إنما تقوم بالوازع و أعوانه و منهم تتألف الدولة.” شجرة النور الزكية في تراجم المالكية ص28.
في حين أن قبولها – الشبهة- مطلقا كذب وبهتان وجهل بفلسفة الإسلام وتصوره للجهاد، ذلك أن الجهاد لم يكن يوما ما للقتل والنهب والاضطهاد، يقول ابن القيم رحمه الله:
« وكثير من الجهلة يظن .. أن الدين إنما قام بالسيف وهذا جهل قبيح إن الدين إنما قام بالوحي، وأما السيف فلمحق أهل الضلال والشرك، ومدينة النبي صلى الله عليه وسلم التي كان يخطب فيها إنما فتحت بالقرآن ولم تفتح بالسيف»زاد المعاد1\179.
وإلى هذه الحقيقة تفطن ( توماس كارليل ) صاحب كتاب الأبطال وعبادة البطولة حين اتخذ نبينا محمداً عليه الصلاة والسلام مثلاً لبطولة النبوة حيث قال ما معناه : ” إن اتهامه ـ أي سيدنا محمد ـ بالتعويل على السيف في حمل الناس على الاستجابة لدعوته سخف غير مفهوم ؛ إذ ليس مما يجوز في الفهم أن يشهر رجل فرد سيفه ليقتل به الناس ، أو يستجيبوا له ، فإذا آمن به من لا يقدرون على حرب خصومهم ، فقد آمنوا به طائعين مصدقين ، وتعرضوا للحرب من غيرهم قبل أن يقدروا عليها “ حقائق الإسلام وأباطيل خصومة للعقاد صـ227 .
حقائق تاريخية تفند الشبهة
كثيرة هي الحقائق التاريخية التي تفند قول القائل إن الغرض من الفتوحات الإسلامية هو السلب والربح المادي واستغلال الشعوب، ومن تلك الحقائق التي نقتصر على ذكرها:
– ما روى البلاذري في فتوح البلدان أنه لما جمع هرقل للمسلمين الجموع ، وبلغ المسلمين إقبالهم إليهم لواقعة اليرموك، ردوا على أهل حمص ما كانوا أخذوا منهم من الجزية وقالوا : ( قد شُغلنا عن نصرتكم والدفع عنكم فأنتم على أمركم ) فقال أهل حمص : ( لولايتكم وعدلكم أحب إلينا مما كنا فيه من الظلم والغشم ، ولندفعن جند هرقل ـ مع أنه على دينهم ـ عن المدينة مع عاملكم ) ، وكذلك فعل أهل المدن التي صولحت من النصارى واليهود .
وقالوا: إن ظهر الروم وأتباعهم على المسلمين صرنا إلى ما كنا عليه، وإلا فإنا على أمرنا ما بقي للمسلمين عدد …
صناعة الشبهات وترويج المغالطات
لا ينازع أحد أن للثقافة الغالبة سطوة و أي سطوة؛ يصعب الانفكاك عنها أو إزاحة مفاهيمها التي قعدها وهيمن بها أصحابها، بل وفرضوها على النفوس والعقول بشكل صريح أو ضمني؛ إلا بتربية وتحلية سليمة مبكرة، وبتخلية ممنهجة مسددة للعقول من الخرافات، و للنفوس من تلك الضلالات، وقد كان من ذلك المكر الذي سلكته تلك الثقافة، إزاحة تأثير الدين على النفوس، وإلصاق كل نقيصة به، تمهيدا لإزالته بعد النقص من شأنه …. ولما كان الإسلام دين الله القويم الذي لم يأته الباطل في نصه المؤسس، و كذا في فهمه المسيج بالقواعد والضوابط، وباجتهاد علمائه المبني على النظر إلى مصادره التشريعية قرآنا وسنة وإجماعا واجتهادا ومصلحة عامة وخاصة، ونظرا في الواقع بأدواته ففهموه فهما صحيحا منضبطا، فحازوا بذلك السبق وجمعوا بين فقه النص وفقه الواقع، وبإحكامهم للأول سار صعبا اختراق نصوص الوحي من هذه الطريق إن لم نقل مستحيلا، قال الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[الحجر: الآية 9] ،قال العلامة السعدي رحمه الله: “…حفظ اللهُ ألفاظَه من التغيير فيها والزيادة والنقص، ومعانيه من التبديل، فلا يحرِّف محرِّف معنى من معانيه إلا وقيّض اللهُ له من يبيّن الحقّ المبين، وهذا من أعظم آيات الله ونعمه على عباده المؤمنين..” تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبد الرحمن بن ناصر السعدي، ص429.
عالمية رسالة الإسلام
اتفق العقلاء من كل الأمم على عالمية رسالة الإسلام وشموليتها لكل الكائنات التي خلقها خالق الكون قمرا وشجرا و بشرا، خلقا وتدبيرا وتشريعا، ولما كانت هي الرسالة التي تحقق لجنس الإنسان أرقى المراتب على جميع المستويات، وترتقي به في مدارج السعادة والفلاح؛ سعت كل قوى الشر جاهدة في محاولة إلصاق كل أزمة بها، وإلباسها لباس الديمومة، ولم يقتصر الأمر على الأمم القديمة، و لكن الأمر اشتد وتظافر في هذا العصر الحديث أكثر.
وقد اتهم الإسلام بكل التهم عمدا مثل التطرف والإرهاب والقتل والتخلف ….وغيرها من التهم التي لا تقوم على أساس ولا تنهض على حجة.
و الإسلام عقيدة وشريعة لا يدعو إلا إلى التسامح والتعايش وتكريم الإنسان في سياق محكم و بفهم دقيق.
كلام للإمام الشاطبي
قبل أن أفصل في الموضوع، وأورد الأمثلة الواضحة البينة، قبل هذا و ذاك أسوق كلاما للإمام الشاطبي رحمه الله دقيقا وعميقا يصلح أن يكون أصلا ينزّل في كل الجزئيات التي قد يستشكل فهمها مفردة عند البعض، فإذا ردت إلى كليات الشرع ومقاصده المحكمة زال الإشكال لمن وفقه الله وفتح قلبه لنور الشريعة، وقد لا أخطىئ إذا ما قلت إن هذا النص يحتاج في قراءته إلى العقلاء النبغاء المنصفين، و أما أنصاف المثقفين المدبدبين، فقد يصعب عليهم قراءته قراءة سليمة سالمة من اللحن بله أن يدركوا مراميه ومقاصده، ولكن لابأس بأن يستعينوا بغيرهم في قراءته وفهمه.
يقول الشاطبي رحمه الله في موافقاته: ” فإذا نظرت في كلية الشريعة، فتأملها تجدها حاملة على التوسط، فإن رأيت ميلا إلى جهة طرف من الأطراف، فذلك في مقابلة واقع أو متوقع في الطرف الآخر.
فطرف التشديد- وعامة ما يكون في التخويف والترهيب والزجر- يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الانحلال في الدين.
وطرف التخفيف- وعامة ما يكون في الترجية والترغيب والترخيص- يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الحرج في التشديد.
فإذا لم يكن هذا ولا ذاك، رأيت التوسط لائحا، ومسلك الاعتدال واضحا، وهو الأصل الذي يرجع إليه، والمعقل الذي يلجأ إليه”. الموافقات. ج2/286.
جوابا على الشبهة
بداية لابد أن أذّكر بأن هذا البهتان والكذب والتزوير للحقيقة ليس بالأمر الجديد، فالسبق فيه كان للمستشرقين ويكفيك أن تقرأ لكتبهم لتقف على الحقيقة فقديما قيل: ” ليس من رأى كمن سمع” ، وقد تبعهم في ذلك بعض من بني جلدتنا ممن حرموا فقه الدين ومنهج قراءة التاريخ و أرادوا تدليس الحقيقة ونهج منهج التجزيء، لكن المؤسف حقًّا أن يقدمُوا باعتبارهم أصحاب مشروعات تجديدية، وأذكر لك نموذجا واحدا ولك أن تقيس عليه، فهذا صاحب كتاب “قبل السقوط ” يقول :” دع عنك إذن حديث الساعة عن المصحف و السيف، فالمصحف في القلب، أما السيف فاسأل التاريخ عنه، وما ينبئك مثل التاريخ، فقد أطار السيف من رؤوس المسلمين أضعاف ما أطار من رؤوس أهل الشرك، وقل للمتشدقين بحديثه أن الرحمة في عالم اليوم أقرب إلى القلب، وأن سبيل السماحة ألصق بالوجدان وحدثهم بحديث سعد بن أبي وقاص، حين اعتزل الفتنة قائلا:《ائتوني بسيف يميز بين الحق و الباطل》” فرج فودة. كتاب قبل السقوط.ص١٣ .
ها أنت قرأت هذا البهتان، و لا أظنك تطالبني بالتعليق عليه أو شرحه وبيان مقاصده، فحجم الحقد الذي يحمل صاحبه لهذا الدين واضح من كل جملة من جمل هذا النص، وكلامه هذا يفوق أضعافا مضاعفة كلام المستشرقين، و فيه يصدق قول طرفة بن العبد:
وظُلمُ ذوي القربى أشد مضاضةً .. على المرء من وقع الحسامِ المهنّدِ.[1]
أما المستشرقون الذين زعموا أن الإسلام انتشر بحد السيف، فالرد عليهم لا يحتاج إلى كبير عناء, لأنهم تميزوا في ساحة النقاش وأبانوا على ما عندهم من الأفكار، و لم يختبئوا مثل الفئران، وقد قيل: إنّ الشيء من معدنه لا يُستغرب.
ونسوق لهم كلام المنصفين منهم، لأنهم كفونا مؤونة الرد، فهذا صاحب كتاب حضارة العرب غوستاف لوبون يقول: “ولم يشأ السلطان صلاح الدين أن يفعل في الصليبيين مثل ما فعله الصليبيون الأولون من ضروب التوحش فيبيد النصارى على بكرة أبيهم، فقد اكتفى بفرض جزية طفيفة عليهم مانعا سلب شيء منهم “ حضارة العرب ص341.
وقد ذكر قبل ذلك ما تعرض له المسلمون بعد أن تمكن الصليبيون من الأندلس، يقول:
” وعاهد فيرنارد العرب على منحهم حرية التدين واللغة ولكنه في سنة1499 م، لم تكد تحل حتى حل بالعرب دور الاضطهاد والتعذيب الذي دام قرونا، والذي لم ينته إلا بطرد العرب من إسبانية، وكان تعميد العرب كرها فاتحة ذلك الدور، ثم صارت محاكم التفتيش تأمر بإحراق كثير من المعمدين على أنهم من النصارى، ولم تتم عملية التطهر بالنار إلا بالتدريج، لتعذر إحراق الملايين من العرب دفعة واحدة، ونصح كردينال طليطلة التقي! الذي كان رئيسا لمحاكم التفتيش، بقطع رؤوس جميع من لم يتنصر من العرب رجالا ونساء وشيوخا وولدانا، ولم ير الراهب الدومينيكي “بليدا” الكفاية في ذلك، فأشار بضرب رقاب من تنصر من العرب، ومن بقي على دينه منهم، وحجته في ذلك أن من المستحيل معرفة صدق إيمان من تنصر من العرب، فمن المستحب إذن، قتل جميع العرب بحد السيف، لكي يحكم الرب بينهم في الحياة الأخرى أو يُدخل النار من لم يكن صادق النصرانية منهم، ولم تر الحكومة الإسبانية أن تعمل بما أشار به هذا الدومينيكي الذي أيده الأكليروس في رأيه، لما قد يبديه الضحايا من مقاومة، وإنما أمرت في سنة1610 م بإجلاء العرب عن إسبانية ، فقتل أكثر مهاجري العرب في الطريق، وأبدى ذلك الراهب البارع “بليدا ” ارتياحه لقتل ثلاثة أرباع هؤلاء المهاجرين في أثناء هجرتهم، وهو الذي قتل مائة ألف مهاجر ( من قافلة واحدة، كانت مؤلفة من أربعين ألفا ومائة ألف مهاجر140000) مسلم حينما كانت متجهة إلى إفريقية “.حضارة العرب. ص284.
فانظر إلى كلام هذا المنصف منهم، ولك أن تقارن بين ما فعله فيرنارد وغيره من الصلبيين الحاقدين الذين تمتلئ كتب التاريخ بإجرامهم.
وهذا التعامل مع المخالف لم يكن طفرة في التاريخ بل هو منهج تأسس عليه الحكم الإسلامي وصار عليه الخلف من بعد أن وجدوه منهجه نبيهم صلى الله عليه وسلم، ومنهج الخلفاء من بعده، ولك أن تنظر إلى ما قام به الخليفة عمر رضي الله عنه عندما دخل القدس وكيف تعامل مع المخالف في الدين، يقول الأستاذ روم لاندو مقارنا بين ما قبل وما بعد الفتح العربي الإسلامي فيقول:
” وعلى نقيض الإمبراطورية النصرانية التي حاولت أن تفرض المسيحية على جميع رعايها فرضا، اعترف العرب بالأقليات الدينية وقبلوا بوجودها، كان النصارى واليهود والزرادشتيون يعرف عندهم بأهل الذمة، أو الشعوب المتمتعة بالحماية لقد ضمنت حرية العبادة لهم عن طريق الجزية، وهي ضريبة على الرؤوس ما لبثت بعد أن أمست ضريبة تدفع بدلا عن الخدمة العسكرية، وكانت هذه الضريبة مضافا إليها الخراج، أو ضريبة الأراضي أقل في مجموعها من الضرائب التي كانت مفروضة في ظل الحكم البيزنطي.
كانت كل فرقة من الفرق الدينية تعامل كملة، أو كطائفة نصف مستقلة استقلالا ذاتيا، ضمن الدولة، وكانت كل ملة تخضع لرئيسها الديني الذي كان بدوره مسئولا عن مسلكها أمام الحكومة العربية” الإسلام والعرب، تأليف الأستاذ روم لاندو. ترجمة منير البعلبكي. ص١١٩.
هذان نموذجان ولك أن تنظر في حياة المجاهد صلاح الدين الذي استعاد القدس أعادها الله لحوزة المسلمين، ومحمد الفاتح عندما فتح القسطنطنية، وباقي الفاتحين عندما فتحوا البلدان، لتعرف الحقائق التاريخية وتقف على الخبر، فليس من رأى كمن سمع!!
الإسلام دين الرحمة
إن الباحث المنصف صاحب المنهج القويم والعقل السليم، والذوق الرفيع؛ يعلم علم اليقين أن النصوص الشرعية والوقائع التاريخية تقر بسماحة هذا الدين وشموليته ورحمته للعالمين، وأنبهك أن الوقائع التاريخية لم تكن يوما ما حاكمة على نصوص الوحي، فالدين جوهر ثابت والوقائع تدخل في إطار فهم الدين وتنزيل مضامينه، وبما أنها كذلك فمُتمثلها قد يخطأ وقد يصيب، ومعلوم بداهة الفرق الكبير بين الدين والتدين، فلا يمكن أن نحكم على فساد الدين ببعض وقائع التاريخ إن صحت، إلا بفهم سياقها وجعله في حدود نطاق التدين لا أقل ولا أكثر.
إن دين الإسلام باعتباره الرسالة الخاتمة دعا إلى الاستخلاف في الأرض والرحمة بين أهله والمودة والحب والتعايش الإنساني بينهم وبين باقي البشر. إن الرقي الأخلاقي الذي نظم حياتهم، والتاريخ والواقع يشهدان بذلك، ولعله إحدى الأسباب وأبرزها والتي جعلت كثيرا من الشعوب قديما والأفراد حديثا يعتنقون الإسلام بسبب رقي أخلاق معتنقيه وحسن تعاملهم، وما فتح بلاد الهند إلا خير مثال.
الاستخلاف في الأرض ينافي الفساد
لا يشك عاقل في أن الإسلام هو الدين الذي جاءت آياته صريحة في دعوة الإنسان إلى الاستخلاف وإعمار الأرض خيرا ونفعنا، يقول تعالى:” إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ” البقرة.الآية30. يقول ابن عباس رضي الله عنه في تفسير هذه الآية ” أنَّهُ أرادَ قَوْمًا يَخْلُفُ بَعْضُهم بَعْضًا مِن ولَدِ آدَمَ، الَّذِينَ يَخْلُفُونَ أباهم آدَمَ في إقامَةِ الحَقِّ وعِمارَةِ الأرْضِ.” النكت والعيون للماوردي. ج1/ص90.
يقول الله تعالى: ” مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٧” سورة النحل / 97 .
وقال تعالى: “وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ” سورة النور/55.
فهاتان الآيتان وغيرهما كثير في القرآن تدلان دلالة قاطعة على أن مهمة الإنسان في هذه الحياة هي النفع والرحمة وتحقيق الاستخلاف، أو بالتعبير القرآني العبودية يقول الله تعالى: “وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ ٥٦” سورة الذاريات/56.
والعبودية مفهوم شامل لعلاقة العبد مع ربه ومع نفسه ومع الغير، ومعلوم أن الإسلام عقيدة وشريعة، والشريعة جزءها الأكبر معاملات بل تشكل ثلثي الدين، ودين يدعوا إلى الاستخلاف وهداية أهله وإعمار الأرض ونفع الناس لهو أحق بالاتباع وقيادة البشرية نحو الأمن والأمان.
الإسلام دين الرحمة كما اعترف بذلك المستشرقون
يستطيع الإنسان أن يعلم قيمة خلق الرحمة ومنزلته في الإسلام من خلال النظر في دستوره، ومصدر تشريعه الأول وهو القرآن الكريم، فبالإضافة إلى ما تمّ ذكره من تصدير القرآن الكريم بأسماء الله تعالى المتعلقة بالرحمة و العفو والتسامح و التعايش ، إضافة إلى ذلك تأكيده مطلع كلّ سورةٍ و بين ثنايا كل آية على تلك القيمة، ومع ذلك لم يكتف بهذا الأمر وجعله المظهر الوحيد لاهتمام القرآن الكريم بخلق الرحمة وتجلياتها على مستوى الفرد والجماعة، بل يُضاف إلى ذلك مظاهر أخرى، فقد توصل أحد الباحثين إلى أنّ إحصاء عدد المرات التي ذُكرت فيها صفة الرحمة في آيات القرآن مقابل غيرها من الصفات لهو برهان على ما قيل ، فقد توصل إلى أن صفة الرحمة بمشتقاتها في القرآن الكريم ذكر ثلاثمئةٍ وخمس عشرة مرة، وقد كان هذا العدد هو الأكبر في تكرار ذكر صفةٍ من الصفات في القرآن الكريم، كما أنّ القرآن الكريم جاء مُخبراً بأنّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم مبلغ هذا الدين وناشره؛ إنّما جاء بالإسلام رحمةً للعالمين، يقول الله تعالى: “وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ ١٠٧” الأنبياء. الآية 107. فدلّ ذلك على أنّ رسالة الإسلام الأولى هي الرحمة.
لقد جعل أحد المفكرين المستشرقين البارزين هذا السبب أحد العوامل المهمة في انتشار الإسلام وذيوع صيته يقول المفكر ” سير توماس أرنولد” في كتابه الدعوة إلى الإسلام: يرجع انتشار هذا الدين في تلك الرقعة الفسيحة من الأرض إلى أسباب شتى: اجتماعية و سياسية و دينية، على أن هناك عاملا أقوى العوامل الفعالة التي أدت إلى هذه النتيجة العظيمة، تلك هي الأعمال المطردة التي قام بها دعاة الإسلام، و أوقفوا حياتهم على الدعوة إلى الإسلام، متخذين من هدي النبي الرسول صلى الله عليه وسلم، مثلا أعلى وقدوة صالحة”. الدعوة إلى الإسلام بحث في نشر العقيدة الإسلامية، ترجمه إلى العربية وعلق عليه: د.حسن إبراهيم حسن/د. عبدالمجيد عابدين .
وهذا الذي أشار إليه أرلوند، قد قرره القرآن الكريم في قول الله تعالى: {وإنك لعلى خلق عظيم} سورة القلم/ 4. فكيف بمن اتصف خلقه بالعظمة أن تكون الشريعة التي أرسل بها تدعو إلى القتل والنهب وغيرها مما هو مرفوض بين العقلاء !!!
- يقول الفيلسوف الإنجليزي توماس كارليل: ” لدى محمد ذلك الرجل الكبير العظيم النفس المملوءة رحمة وخيراً وحناناً أفكـار غـير الطـمع الدنيـوي ونوايا خـلاف طلـب السلطة والجاه “.
- يقول المفكر اللورد هدلي وهو يعلق على معاملة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأسرى معركة بدر: ” أفلا يدل هذا على أن محمداً لم يكن متصفاً بالقسوة، ولا متعطشاً للدماء، كما يقول خصومه، بل كان دائماً يعمل على حقن الدماء قدر المستطاع “.
- يقول الألماني برتلي سانت هيلر: ” كان النبي داعياً إلى ديانة الإله الواحد، وكان في دعوته هذه لطيفاً ورحيماً حتى مع أعدائه، وإن في شخصيته صفتين هما من أجَّل الصفات، التي تحملها النفس البشرية، وهما العدالة والرحمة “.
– يقول غوستاف لوبن“لم يعرف التاريخ فاتحا أرحم من العرب”.
مظاهر الرحمة وصورها في التشريع الإسلامي
إنّ مظاهر الرحمة وصورها في التشريع الإسلامي كثيرةٌ جدا، ولسعة تقريرها نذكر ما له علاقة بموضوعنا، فمن ذلك:
- الأمر بتبليغ الدين للكفار، ودعوتهم إلى الله تعالى، فإنّ الرحمة في الإسلام تشمل الكافر أيضاً، باستحباب حصول الخير له من خلال دخوله في الإسلام، فقد أوجب على المسلمين قبل البدء بقتال الكفار أن يخيروهم بين أمور ثلاثة، ففي صحيح مسلم “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبعض قواده: إذا لقيت عدوك من المشركين فادعوهم إلى إحدى ثلاث فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم: الإسلام أو الجزية أو القتال” صحيح مسلم 1731.
- الرحمة في مواجهة العدو، فقد دعا إليها صلوات ربي عليه في أحلك المواقف والأحداث وأشدها، وهي الحرب حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مرشدا الصحابة رضي الله عنهم إليها – الرحمة- روى الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ قال: كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إذا بعث جيوشه قال: ( اخرجوا بسم الله، تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الولدان، ولا أصحاب الصوامع ).
- الأمر بالإحسان إلى الأسرى وعدم تعذيبهم، أو إهانتهم أو غير ذلك من أنواع الإساءة، قال الله تعالى: “وَيُطۡعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسۡكِينٗا وَيَتِيمٗا وَأَسِيرًا ٨ إِنَّمَا نُطۡعِمُكُمۡ لِوَجۡهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمۡ جَزَآءٗ وَلَا شُكُورًا ٩”سورة الإنسان:8-9.
- الرحمة بالحيوان عند فتح الأمصار، يروي المؤرخون أن عمرو بن العاص في فتح مصر نزلت حمامة بفسطاطه (خيمته) فاتخذت من أعلاه عُشًّا، وحين أراد عمرو الرحيل رآها، فلم يشأ أن يهيجها بتقويضه، فتركه وتكاثر العمران من حوله، فكانت مدينة (الفسطاط).
تلك إذن كانت بعض الإشارات التي حاولت أن أبينها قدر المستطاع على أن الإسلام دين رحمة و تعايش وحياة، وأن الذين ينعتونه بأوصاف لا تليق به، لم يفهموا جوهره و لا أدركوا مراميه و غاياته.
فقد أيمعتُ لو ناديت حيا *** ولكن لا حياة لمن تنادي
اللهم لك الحمد والمنة والفضل على ما أرشدت وهديت وأنعمت وأسديت وعصمت من ورطات الردى.
“مَّا يَفۡتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحۡمَةٖ فَلَا مُمۡسِكَ لَهَاۖ وَمَا يُمۡسِكۡ فَلَا مُرۡسِلَ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢ “فاطر.الآية 3.
والحمدلله رب العالمين.
ثبت المصادر والمراجع
- القرآن الكريم برواية ورش عن نافع من طريق الأزرق.
- الجامع الصحيح، مسلم: ابن الحجاج القشيري النيسابوري. تحقيق فؤاد عبدالباقي. بيروت: دار إحياء التراث العربي.
- الموافقات، الشاطبي: إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي أبو إسحاق. تحقيق مشهور بن حسن آل سلمان.ط1. المملكة العربية السعودية: دار ابن عفان1417ه/1997م.
- الإسلام والعرب، تأليف الأستاذ روم لاندو. ترجمة منير البعلبكي.
- حضارة العرب، لغوستاف لوبون. ترجمة عادل زعيتر، مؤسسة هنداوي، صدر الكتاب باللغة الفرنسية سنة 1884م/ وترجم سنة 1945م/2012صدرت نسخة هنداوي سنة 2013م.
- كتاب قبل السقوط، فرج فودة.
- تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبد الرحمن بن ناصر السعدي، مؤسسة الرسالة.
- حقائق الإسلام وأباطيل خصومة، عباس محمود العقاد، صدر الكتاب سنة 1957م، مؤسسة هنداوي عام 2014م،
- زاد المعاد في هدي خير العباد، ابن قيم الجوزية، تحقيق شعيب الأرناؤوط وعبدالقادر الأرناؤوط. مؤسسة الرسالة1418م/1998ه، الطبعة 3.
- شجرة النور الزكية في طبقات المالكية، لمحمد بن محمد بن عمر قاسم مخلوف، خرج حواشيه وعلق عليه عبدالمجيد خيالي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 2003م/1424ه.
- القرآن والقتال، محمد شلتوت، مطبعة دار الكتاب العربي1951م.
[1] ) البيت من ديوان طرفة بن العبد، من قصيدة: لخولة أطلال ببرقة ثهمد.