الموت … درس الحياة الأخير
الموت ... درس الحياة الأخير/ د. محمد السقا عيد
الموت … درس الحياة الأخير
بقلم: د. محمد السقا عيد
لم أكن أنوي أن أكتب عن الموت، ولم يخطر ببالي يومًا أن أجمع خواطر تدور حول هذه الحقيقة التي يهرب منها الإنسان وهو يعلم أنها تنتظره. كنت أظن أن الكتابة عن الموت تحتاج إلى ثقافة واسعة أو فلسفة عميقة، حتى جاء اليوم الذي علمني فيه الفقد ما لم تعلمنيه الكتب، وأوقفني أمام حقيقة الحياة في صورة لم أعرفها من قبل.
في ذلك اليوم ودعت أخًا عزيزًا على نفسي. كان رحيله حدثًا غيَّر كثيرًا من الأشياء داخلي، وأعاد ترتيب مفاهيم ظننتها ثابتة. شعرت أن الكلمات أصبحت أقل من أن تحمل ما في القلب، وأن الصمت أحيانًا أبلغ من البلاغة، وأن الدموع قد تكتب ما تعجز عنه الأقلام.
وقفت أمام هذا الحدث طويلًا، ثم وجدتني أمد يدي إلى القلم، لا لأرثي من رحل، فالرثاء لا يعيد غائبًا، وإنما لأخفف عن قلب أثقله الفقد، ولأصغي إلى الأسئلة التي استيقظت في أعماقي فجأة. أمسكت بالقلم، لكنني شعرت أن القلب هو الذي يكتب، وأن الذكريات هي التي تملي، وأن كل حرف يولد من مساحة تركها الغياب في الروح.
ولدت هذه الصفحات من رحم التجربة، لا من رفوف المكتبات. كتبتها وأنا أوقن أن الموت ليس موضوعًا أدبيًا فحسب، بل هو حقيقة تعيد تشكيل الإنسان، وتدفعه إلى مراجعة نفسه، وإعادة النظر في أولوياته، وتصحيح علاقته بالله، وبالناس، وبالدنيا التي كثيرًا ما تخدعنا بزخرفها، حتى نظن أنها المقصد الأخير.
حين يصمت كل شيء، يبدأ الموت في الحديث دون أن ينطق بحرف. يروي لنا حكاية الإنسان الذي ظن أن الأيام ملك يديه، وأن الغد وعد لا ينقطع، فإذا بلحظة واحدة تقلب كل الحسابات، وتغلق كتاب العمر عند الصفحة التي كتبها القدر منذ البداية. عندها ندرك أن الحياة لم تكن سوى رحلة قصيرة، وأن كل ما جمعناه سيبقى خلفنا، بينما نمضي وحدنا، لا نحمل معنا إلا ما قدمناه من خير أو شر.
وما أعجب الإنسان! يبني كأنه سيخلد، ويخاصم كأنه لن يفارق، ويؤجل الاعتذار والتوبة واللقاء والكلمة الطيبة، وكأن الزمن مملوك له. غير أن الموت يأتي ليعيد كل شيء إلى حجمه الحقيقي، فيكتشف المرء أن كثيرًا مما شغل قلبه لم يكن يستحق هذا الانشغال، وأن لحظات المحبة والرحمة والصدق كانت أثمن من سنوات طويلة أضاعها في سباق لا نهاية له.
كم تبدو الدنيا واسعة ونحن نسير في طرقاتها، وكم تبدو ضيقة حين نقف أمام قبر جديد. هناك تختفي أسماء المناصب، وتتلاشى الفوارق التي صنعها الناس بينهم، فلا الغني يحمل معه ماله، ولا صاحب الجاه يحتفظ بسلطانه، ولا المشهور ترافقه شهرته. الجميع يوارون في التراب نفسه، وينتظرون الحكم نفسه، ولا يبقى الفارق إلا بما امتلأت به القلوب من إيمان، وما امتدت به الأيدي من خير، وما خلفته الأرواح من أثر طيب.
لقد علمتني المقابر درسًا لا تنقله المحاضرات، وهو أن الحياة لا تقاس بعدد السنوات، وإنما بما امتلأت به تلك السنوات من معنى. فقد يعيش إنسان عمرًا قصيرًا، لكنه يترك من المحبة والذكر الحسن ما يجعله حيًا في قلوب الناس، بينما يعيش آخر طويلًا، ثم يرحل فلا يترك خلفه إلا فراغًا لا يفتقده أحد.
ولعل أكثر ما يوجع القلب ليس الموت ذاته، وإنما أن يرحل الإنسان وقد بقي في داخله خير لم يخرجه، أو كلمة جميلة بخل بها، أو يد كان يستطيع أن يمدها بالعون فتردد، أو توبة كان يؤجلها حتى باغته الأجل. لذلك فإن تذكر الموت ليس دعوة إلى التشاؤم، ولا إلى الانصراف عن عمارة الحياة، بل هو دعوة إلى أن نحيا بوعي، وأن نجعل لكل يوم قيمة، ولكل لقاء أثرًا، ولكل عمل نية صالحة.
إن الموت لا يعلمنا كيف نموت، بل يعلمنا كيف نحيا. يعلمنا أن نكون أكثر رحمة، وأكثر تواضعًا، وأكثر صدقًا مع أنفسنا. يعلمنا أن الخصومات مهما طالت ستنتهي، وأن الكراهية عبء لا يستحق أن نحمله، وأن أجمل ما يملكه الإنسان قلب يعرف الصفح، ولسان يختار الكلمة الطيبة، ويد تمتد بالعطاء دون انتظار مقابل.
وحين أسترجع صورة أخي الراحل، لا أتذكر لحظة الوداع وحدها، وإنما أتذكر ما تركه من أثر في النفوس، فأدرك أن الإنسان لا يغيب تمامًا ما دام الخير الذي صنعه ما يزال حيًا بين الناس. فالدعوة الصادقة، والابتسامة التي زرعها في قلب حزين، والمعروف الذي قدمه في صمت، كلها تبقى شاهدة له بعد أن يغيب الجسد.
ولعل هذا هو المعنى الحقيقي للخلود الذي يستطيع الإنسان أن يبلغه في الدنيا؛ أن يرحل ويبقى أثره، وأن يغيب ويبقى الدعاء له، وأن يصير ذكره باعثًا على المحبة والخير. فالناس لا تحفظ عدد السنوات التي عشناها، وإنما تحفظ كيف عشناها، وكيف عاملناهم، وماذا تركنا في قلوبهم بعد الرحيل.
لهذا لم أكتب هذه الكلمات لأزيد القلوب حزنًا، ولا لأستدعي الدموع، وإنما كتبتها لأذكر نفسي أولًا بأن الحياة أقصر مما نظن، وأن العمر مهما طال فهو إلى نهاية، وأن خير ما يستعد به الإنسان لتلك النهاية قلب سليم، وعمل صالح، وأثر طيب لا ينقطع بموته.
وربما يكون أجمل ما يتركه المرء خلفه دعوة صادقة تخرج من قلب أحبه، أو دمعة وفاء تنزل على ذكره، أو ابتسامة ترتسم على وجه إنسان كلما تذكر معروفًا صنعه له يومًا. تلك هي الثروة التي لا يسرقها الزمن، ولا تنقصها الأيام، بل تبدأ قيمتها الحقيقية حين ينتهي كل شيء.
رحم الله كل من سبقونا إلى الدار الآخرة، وجعل لنا من ذكراهم موعظة، ومن سيرتهم عبرة، ومن حسن خاتمتهم رجاءً يدفعنا إلى أن نحسن ما بقي من أعمارنا. فحين يصمت كل شيء، لا يبقى إلا صوت الحقيقة، ولا يبقى مع الإنسان إلا ما قدمه بين يدي ربه، وما تركه من نور في قلوب الناس.