تيارات التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر
تيارات التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر/ د. فتحي حسن ملكاوي
تيارات التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر
بقلم: الدكتور فتحي حسن ملكاوي
تنويه:
هذه المقالة القصيرة جزء من بحث طويل بعنوان: المراجعة والتجديد في الفكر الإسلامي المعاصر.
اجتهدنا في هذا الجزء من البحث في تصنيف تيارات التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر في ثلاثة أصناف رئيسة، أوّلهما: صنف يحاول التجديد من داخل الدائرة الإسلامية، وثانيها: صنف يريد التجديد من خارج هذه الدائرة، بصورة صريحة معلنة، وثالثها: صنف يريد التجديد من داخل الدائرة الإسلامية ادعاءً ومن خارجها حقيقةً. وهذا التصنيف الثلاثي قد لا يكون كافياً في فهم حقيقة معيار التصنيف (من داخل النص أو من خارجه)، كما سيتبيّن لنا بعد قليل، لكنه اجتهاد قد يكون مفيداً في مواصلة التفكير في الموضوع.
أولاً: الصنف الأول الذي يحاول التجديد من داخل الدائرة الإسلامية، بجهود لا نجد مبرراً للشك في أنَّ أصحابها يجتهدون في ابتغاء الرشد والسعي إلى الحقيقة، وهؤلاء يؤمنون بثبات النص واحتوائه على ما فيه من الهداية لتوجيه بوصَلَة التجديد لمواجهة التحديات المتجدِّدة، ونجد في هذا الصنف درجات من التطرف والتوسط. ومنه فئة شديدة المحافظة تتطرف في تضييق معنى التجديد لتعود بالممارسة الدينية إلى تجارب تاريخية محددة، ربما تُفقد الدين والتدين من الحضور الفاعل في حياة العالم المعاصر، وتحاول هذه الفئة أن تعتصم بمفهوم السلف والسلفية وربط الخبرة الدينية بالقرون الثلاثة الأولى وهي قرون الخيرية، استئناساً بنص الحديث المتفق عليه: “خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذي يلونهم…” (1) ومن جوانب هذا التجديد من الداخل ما تقوم به فئات تهتم بالتزكية والتربية النفسية والروحية وضبط السلوك الفردي، وبعض مظاهر التصوّف السنّي الجيد، بوصف ذلك جانباً محدداً متخصصاً من التجديد، يتكامل مع الجهود التجديدية في المجالات الأخرى.
وبعض هذه الجهود التجديدية من الداخل يتخذ من مقاصد النصوص الدينية منطلقاً لفهمٍ متجدِّد بصورة دائمة لهذه النصوص، لمواجهة القضايا والمسائل والمستجدات. ويتوزع مثل هذا التيار على التجديد في جوانب متنوعة منها: طريقة عرض العلوم الإسلامية وتعليمها من فقه وتفسير وعقائد، والاجتهاد في الطرائق المناسبة لتخريج العلماء الفقهاء، والعلماء المفسرين، بدلاً من قصر هذه الطرائق على تخريج من يحسن عرض تاريخ العلوم أو إعادة تديرها بتعليم نصوصها للآخرين، أو حفظ متونها. ومن جوانب هذا التجديد الاهتمام بمنهجية التفكير الإسلامي المعاصر، تفكراً وتدبراً وتذكراً وتفقهاً…، يأخذ بالحسبان القدرة على التحليل والنقد والموازنة، وممارسة الاستقراء والاستنتاج كلٍ في سياقه المناسب، وربط النتائج بأسبابها، وربط النصوص بمقاصدها، وفهم السياقات المحتفّة بالنصوص وأسباب الورود ومناسباتها…، وكل ذلك من أجل التعامل مع الحالة الراهنة للأمة الإسلامية في المجالات المختلفة، سعياً لنهوضها وتحقيق عمرانها.
ومنها أيضاً ما يقوم به بعض الدعاة والباحثين والإعلاميين من التوعية بحكم الإسلام ومقاصده في قضايا محددة تتم معالجتها بصورة تصحح سوء الفهم، وتدفع الشبهات المثارة حولها، مثل قضايا المواطنة، والتعايش مع الآخر، والمرأة، والجنس، والميراث. لكن هذا الصنف يجتهد في أن تبقى النصوص هي الحاكمة لكل اجتهاد وتجديد، فلا تخالف معهود العرب في فهم لغة النصوص، ولا تعطل أي نص عن إعماله في مجاله وسياقه، ولا تلوي عنق النص لينسجم المعنى مع مصلحة غير مشروعه؛ خاصة أو عامة، ولا تحمِّل النص ما لا يحتمل من المعاني الخارجة عن دلالاته المباشرة أو الضمنية.
ثانياً: والصنف الثالث الذين يتحدثون عن “التجديد في الإسلام” من خارج الدائرة الإسلامية، بصورة صريحة معلنة، ينطلقون من موقف يرونه علمياً موضوعياً، ويعملون الرؤية التاريخية للدين عموماً، فكل الأديان السابقة خضعت إلى تجديد في مفاهيمها الأساسية، كما حصل في الإصلاح الديني للمسيحية، مثلاً، وهو ما فتح الباب للنهوض الأوروبي. وسوف يبقى المسلمون على ما هم عليه من تخلف حضاري إذا لم يجددوا في دينهم على الطريقة الأوروبية. وقد نجد في هذا الصنف ثلاث فئات كذلك:
نجد في الفئة الأولى علماء وباحثون لا ينطلقون من رؤية دينية محددة، وإنما يمارسون ما يسمّونه المنهج العلمي وتطبيقاته في التحليل التاريخي وربط الظواهر بما يرونها من أسبابها، ومن ثم استشراف ما قد يكون عليه الحال في ضوء ما يتوصلون إليه.
ونجد في الفئة الثانية، باحثون وخبراء في الشؤون السياسية والإعلامية يخدمون التوجهات السياسية لمراكز القوى العالمية، ويسوغون مصالحها في البلدان الإسلامية، ويقدمون ما يرونه خبرات وتوصيات للتجديد في الإسلام الذي ليس فيه مقاومة للمصالح الأجنبية، ولا رفضاً للوافد الفكري والعملي الأجنبي.
أما الفئة الثالثة، فنجد فيها شخصيات صريحة في توجهها العلماني،(2) أو اللاديني، أو الرافض للدين. وقد تكون هذه الشخصيات مستقلة أو ضمن أحزاب سياسية محلية، أو مؤسسات بحثية حكومية أو غير حكومية، لا تنكر أنها تتجاوز الدين جملة وتفصيلاً. والموقف المعلن لهؤلاء هو ضرورة التحديث والتجديد والنهوض من خارج المرجعية الدينية، لأنَّ هذه المرجعية في فهمهم هي نقيض تاريخي ودائم لكل نهوض وتجديد حضاري. ومع ذلك فليس عند هذه الفئة ما يمنع من التدين الشخصي الذي لا علاقة لها بالحياة وتشريعاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فالناس في هذه المجالات أعلم بشؤون دنياهم.
ثالثاً: أما الصنف الثالث الذين يرون أنفسهم يتحدثون عن التجديد من داخل الدائرة الإسلامية، وقد لا يكونون كذلك، فإنهم يدّعون -عادة- حماية روح الإسلام ومقاصده التي تستجيب لحاجات الإنسان مع تغيرات الزمان والمكان. فيجتهدون في ذلك، فيصيبون ويخطئون، وعندما يخطئ هؤلاء فإنهم -في رأي كاتب هذه السطور- مجددون من خارج الدائرة الإسلامية. وربما نجد في هذا الصنف فئات متعددة نقصر الحديث عن ثلاث منها، كما يأتي:
الفئة الأولى تُخرج هذه نصوص الإسلام من مفهوم التراث، وتنزهها عن إمكانية التغيير، ولكن هذه النصوص تخضع لإمكانية تجديد الفهم، وهذا صحيح، لكن هؤلاء لديهم معطيات قائمة يريدون تسويغها تحت مسمّى التجديد، فيحمِّلون النص المعنى الذين يريدون الوصول إليه، وبذلك يكون المعني عندهم خارج النص لا داخله.
وفئة ثانية تخرج النصوص من مفهوم التراث وتنزهها عن إمكانية التغيير مثل الفئة الأولى، لكن النصوص عند هؤلاء كانت مناسبة لزمانها ومكانها وكانت كافية للحاجات والظروف التي جاءت من أجل التعامل معها. ومع تبدل الأزمنة والأمكنة، وتغير الظروف والحاجات، تظهر الحاجة إلى نصوص جديدة، لا سبيل للإنسان إلا أن يبتدعها وفقاً لتطور خبرته وحكمته وما يتفضل الله به عليه من علم! وتبقى النصوص الأولى على حالها مصدراً للقيمة التاريخية، وللإشباع الروحي والوجداني.
وفئة ثالثة تجعل نصوص الإسلام في القرآن والسنة جزءاً من التراث البشري؛ لأنَّ البشر هم الذي دوّنوه وكتبوه حتى لو كان أصله وحياً إلهياً، لكنَّ الناس تناقلوه من جيل إلى جيل، وتعرَّض كما يتعرَّض أيُّ عمل بشري إلى النقص أو التبديل أو التحريف بقصد أو دون قصد، ومن ثم يلزم إعمالُ النقد والتحليل في هذه النصوص وتجديدُها كما في أي منتج تراثي بشري آخر، وكل جديد يصلون إليه لا يخرج عن دائرة الإسلام، الذي يدعو أتباعه إلى التجديد والتحديث والتطور.
دعاة التجديد في هذه الفئات الثلاث على تفاوت بينهم، في أغراضهم ومناهجهم وخلفياتهم الفكرية يرون أنفسهم داخل الدائرة الإسلامية، وأنهم ينتسبون إلى الإسلام ديناً، أو ثقافة وحضارة، وينطلقون من مصطلح التجديد الوارد في السنة النبويّة للدخول في عملية تغيير وتبديل وحذف وإضافة، مع درجات متفاوتة من التطرف والتوسط، لتنسجم من توجهات تُخرج مفاهيم الإسلام -في رأينا- عن مجالاتها وسياقاتها، للتوصل إلى نتائج أو مواقف مقررةٍ سلفاً، ليس من السهل تبرئتُها من الزيغ والهوى، أو من رِقّة في اعتبار الدين أو التدين، او الاجتهاد الخطأ في أحسن الأحوال، وإن كانوا يدّعون غيرتهم على الدين وعلى الأمة.
وأظنُّ أنَّ الحديث عن هذه التيارات في أصنافها الثلاثة متشعِّب وطويل الذيل لكنه قد يكون كثير النيْل، في أهميته وفائدته، ويستحق كتابات ومناقشات متخصصة.
سوف يلاحظ القارئ أنَّنا لم نعط أمثلة على هذه الفئات المختلفة، من أسماء الشخصيات أو الحركات أو المؤسسات. لأن ذكر الأسماء ربما يوجه التفكير إلى التنويه بها أو التنديد بها، وليس من أهدافنا شيئٌ من ذلك. ولكنَّ القارئ يمكنه بنفسه أن يقوم بتدريب قد يكون مفيداً له، في فهم المحيط الذي يعيش فيه واختبار ثقافته في هذا الفهم، فيضع بنفسه ما قد يراه من الشخصيات أو الحركات أو المؤسسات ضمن أيّ من هذه الفئات. كما قد يتضمن هذا التدريب التفكيرَ في تصنيفات أخرى ربما تكون -في رأيه- أقرب إلى وصف الحقيقة في هذا الموضوع.
ودعوة القارئ إلى التفكُّر فيما يقرأه ويتفاعل معه بمثل هذه الصورة، هو أحد طرق القراءة النافعة إن شاء الله.