منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

دموع التماسيح: بين الحقيقة والمجاز

الدكتور محمد السقا عيد

0

دموع التماسيح: بين الحقيقة والمجاز

بقلم: الدكتور محمد السقا عيد

البكاء لغة عالمية، يتجاوز الكلمات، ويعكس أعمق المشاعر في الإنسان. ففي كل ثقافة، وفي كل زمن، شكلت الدموع وسيلة للتعبير عن الحزن، الفرح، الفقد، وحتى الفرح الممزوج بالأسى. لكن هل كل دمعة تحمل شعورًا حقيقيًا؟ أم أن بعضها مجرد تعبير خارجي بلا إحساس؟ هذا التساؤل يقودنا إلى استكشاف ظاهرة دموع التماسيح، بين الحقيقة البيولوجية والمجاز اللغوي.

الدموع ليست مجرد قطرات ماء تنساب من العيون، بل هي لغة الجسد التي تعبّر عن أعماق المشاعر وتفرّغ الشحنات العاطفية المكبوتة. الإنسان، رجلاً كان أو امرأة، خُلق بقدرة فريدة على البكاء، وسيلة طبيعية لتخفيف التوتر النفسي الناتج عن ضغوط الحياة. فالدموع تحمل إنزيمات تحمي العين من الميكروبات، وتساعد الجسم على التخلص من السموم الكيميائية التي تتراكم خلال الحزن أو الغضب.

أظهرت الدراسات الحديثة، أن البكاء يزيد معدل ضربات القلب مؤقتًا، ما يشكّل تمرينًا طبيعيًا لعضلات الصدر والكتفين والحجاب الحاجز، وعند انتهاء نوبة البكاء يعود الجسم إلى حالة من الاسترخاء والراحة النفسية. كما قال الأديب الإنجليزي تشارلز ديكنز: “البكاء يغسل النفس، ويمدّ الرئة، ويهدئ المزاج”، مؤكدًا أن الدموع وسيلة طبيعية لإعادة التوازن النفسي وإطلاق المشاعر المكبوتة. “ومع ذلك، ليست كل دمعة بنفس المعنى…”

ويعود مصطلح “دموع التماسيح” إلى العصور الوسطى، حين لاحظ بعض الرحالة الأوروبيين خروج دموع التماسيح أثناء تناول فرائسها. ومع مرور الزمن، انتقل هذا التعبير إلى اللغات الأوروبية ثم إلى العربية، ليصبح مجازًا شائعًا يرمز إلى التظاهر بالحزن أو الأسى الكاذب. غير أن الحقيقة العلمية تكشف جانبًا مختلفًا؛ فالتمساح لا يبكي بدافع عاطفي كما يفعل الإنسان. (نعم، تخرج من عينيه دموع، لكنها ليست دموع شعور). فهي ناتجة عن ضغط عضلي على الغدد الدمعية عند فتح الفم لفترات طويلة أثناء الأكل، وتؤدي وظيفة فسيولوجية بحتة تتمثل في ترطيب العين والتخلص من الأملاح الزائدة. ومن هنا، فدموع التماسيح حقيقية من الناحية البيولوجية، لكنها خالية تمامًا من أي إحساس.

على النقيض من ذلك، يمتلك الإنسان القدرة على تحويل الدموع إلى وسيلة للتنفيس عن ضغوط الحياة اليومية. فهي تساعد على تقليل التوتر والقلق النفسي، وتحسين المزاج واستعادة الطاقة، وحماية العين من الالتهابات، وتدعم الجهاز القلبي التنفسي بشكل غير مباشر. البكاء إذن ليس علامة ضعف، بل هو قوة صحية ونفسية تمنح الإنسان القدرة على مواجهة ضغوط العصر الحديث، وتجعل من الدموع وسيلة للتواصل مع الذات والتصالح مع المشاعر المكبوتة.

ختامًا، دموع التماسيح حقيقية من الناحية البيولوجية، لكنها لا تعكس أي شعور. أما دموع الإنسان، فهي لغة الروح والجسد، وسيلة للتوازن النفسي والجسدي، وللتعبير عن المشاعر الحقيقية. ومجاز “دموع التماسيح” يذكّرنا بضرورة التمييز بين العاطفة الصادقة والزيف العاطفي، وبين دموع البشر الحقيقية ودموع التماسيح التي لا تحسّ ولا تبكي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.