نقد متن الحديث لمعارضته العقل
بقلم: سفيان الغانمي
تعد السنة النبوية ثاني مصادر التشريع في ديننا الحنيف، وهذا ما جعل العلماء يولونها اهتماما خاصا، فمنذ زمن النبي صلى الله عليه وسلم، اهتم الصحابة رضوان الله عليهم بالسنة النبوية، إن حفظا أو تثبتا من الأخبار التي يرويها بعضهم دون أن يسمعها آخرون، كما تدل على ذلك الكثير من الأخبار، غير أنه مع تطور الزمن، وكثرة المسلمين، وظهور الفرق، واختلاط الشعوب، سيزداد الاهتمام بتحري ونقد الأخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم، حيث أنه ظهرت الكثير من دواعي الوضع، ومن ثم بدأ العلماء في إرساء قواعد خاصة، يضبطون بها صحيح الأخبار من زيفها، غير أن الاهتمام الأكبر كان ينصب على سند الحديث دون المتن، وما ذلك إلا لأن السند هو الطريق الموصل إلى المتن، ولا يعني هذا أنهم لم يكونوا يولون المتن أي أهمية، بل على العكس من ذلك، فإن المتن بدوره كان يحظى بأهمية النقد مثل السند، وذلك خلاف ما حاول أن يروج له البعض من أن العلماء لم يهتموا بنقد المتن مثل السند، وقد تبنى هذا الأمر في القديم المعتزلة، وأحيى هذه الدعوة في الوقت الحاضر بعض المستشرقين، غير أن هذه الدعوة باطلة، من وجوه وسأبين ذلك، بعد تعريف معنى نقد المتن، وما هي أهم المقاييس لنقده، غير أني سأركز على مسلمة واحدة، وهي مخالفته للمسلمات العقلية.
معنى نقد متن الحديث
تعريف النقد: النقد لغة تمييز الدراهيم والدنانير، وتمييزها يكون بتمييز الجيد من الرديء، وإخراج الزيف منها، وهو أيضا تمييز الطيب من الخبيث، والحسن من القبيح.
وأما النقد اصطلاحا: هو معرفة حقيقة الرواية، وتمييز الأحاديث الصحيحة من سقيمها، وبيان عللها بألفاظ مخصوصة، ذات دلائل معلومة عند أهل هذا الفن.
وهذا العلم لا يتأتى لأي كان، فقد قال الخطيب البغدادي رحمه الله: إن المعرفة بالحديث ليست تلقينا، وإنما هو علم يحدثه الله في القلب، أشبه الأشياء بعلم الحديث معرفة الصرف، ونقد الدراهيم والدنانير، فإنه لا يعرف جودة الدينار، والدراهيم بلون ولا مس، ولا طراوة ولا دنس، ولا نقش ولا صفة تعود إلى صغر أو كبر ولا إلى ضيق أو سعة، وإنما يعرفه الناقد عند المعاينة فيعرف البهرج والزائف والخالص والمغشوش، وكذلك تمييز الحديث، فإنه علم يخلقه الله تعالى في القلوب بعد طول الممارسة والاعتناء به[1]
دعوى تقصير المحدثين في نقد المتن
كما سلف فإن هذه الدعوى بدأت بذورها الأولى مع المعتزلة، حيث رأوا أن هناك أحاديث معارضة للعقل، ولم يتم نقدها، وأعاد إحياء هذه الدعوى في العصر الحديث بعض المستشرقين، غير أن هذا الأمر غير مسلم، حيث أن من يطلع على كتب النقد للمحدثين سيدرك بطلان هذه الدعوى، وأن النقاد أولوا المتن عناية خاصة مثل السند، والأمثلة كثيرة في كتب النقد على هذا الأمر، وفيما يلي بعض الأمور تدل على بطلان هذه الدعوى، وهي كالآتي:
- إيلاء العلماء عناية خاصة لموضوع العلل، وهو من أدق العلوم، وقد رد العلماء بعض الأحاديث مع أن الإسناد صحيح، ومن مصطلحاتهم في هذا الباب، منكر المتن، شاذ، مضطرب…
- أن النقاد يستدلون على ضعف الأحاديث في غالب الأحيان من خلال المتن قبل السند، لأن جل الكذابين والوضاعين، كانوا يسرقون الأسانيد، ويركبون الإسناد الجيد على المتن الموضوع.
- أن المذاهب والمدارس الفقهية، والاختلاف بينها مبني في معظمه على نقد المتن، فهم وإن كانوا متفقين على صحة الحديث، إلا أنهم مختلفون في فهمه ودلالته.
- إن علم مختلف الحديث خير شاهد على اعتناء العلماء بنقد المتن، فهذا الحديث يعنى بالأحاديث النبوية الشريفة التي ظاهرها التعارض، وهناك عدة مؤلفات بدءا من كتاب الإمام الشافعي، اختلاف الحديث، وكتاب تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة.
- أن قسما كبيرا من المروي، مثل مرسل الصحابي، قبله كثير من المحدثين في الجملة رغم انقطاع السند، وأن النظر فيه يتركز على متنه من أجل تحقيق شروط الصحة كسلامته من النكارة والشذوذ والمخالفة.[2]
معايير ومقاييس نقد المتن
من خلال تتبع العلماء لكتب النقد، تبين أن العلماء رحمهم الله، كانت لهم معايير ومقاييس في رد الحديث، ومن ثم حاول العلماء الكشف عن تلك المعايير، وقد أوصلها بعضهم إلى عشرة، غير أني سأقتصر هنا على البعض منها فقط، وفيما يلي أهمها، مع بيان بسيط للمقصود بها:
أولا: عرض الحديث على القرآن: هذا هو المقياس الأول لنقد متون الحديث، لأن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخالف صريح القرآن باتفاق العلماء، إذ كلاهما وحي من عند الله، ومن أمثلة تطبيق هذا المقياس، عن أبي حسان أن رجلين دخلا على عائشة رضي الله عنها، فقالا: إن أبا هريرة يحدث أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: إنما الطيرة في المرأة، والدابة، والدار، قال: فطارت شقة منها في السماء وشقة منها في الأرض، وقالت: والذي أنزل القرآن على أبي القاسم ما هكذا كان يقول الطيرة في المرأة والدابة والدار ثم قرأت عائشة: { ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير، الحديد: 22}.
ثانيا: مخالفة المروي صحيح السنة: بما أن السنة مصدرها واحد فلا يمكن أن تتناقض، لأنها وحي من وحي الله، وما ناقضها مناقضة بينة، فهو مردود، ويشتمل هذا المقياس على عرض لفظ الحديث على لفظ حديث آخر، أو معنى حديث على معنى حديث آخر، ومن أمثلته قول الذهبي في حديث رشدين بن كريب، عن أبيه عن ابن عباس مرفوعا: لا تصل على قبر ولا إلى قبر. قال: وقد ثبت عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر.
ثالثا: عرض الحديث على الإجماع: لا يمكن أن يكون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مناقضا لإجماع الأمة، حيث أنها لا يمكن أن تجتمع على ما يخالف السنة، وقد صرح الكثير من العلماء المتأخرين، على أن عدم مخالفة الإجماع شرط من شروط الحديث الصحيح، مثل الشيرازي والزركشي، ومثال هذا المقياس، أن الإمام أحمد رد ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة صبي من الأنصار، فقالت: يا رسول الله طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه، قال: أوغير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وقال أحمد عن هذا: وأحد يشك أنهم في الجنة؟ هو يرجى لأبيه، كيف يشك فيه، إنما اختلفوا في أطفال المشركين، أي أن العلماء قد أجمعوا في دخول أطفال المسلمين الجنة.[3]
عرض الحديث على المسلمات العقلية
هذا هو المطلب الخاص في هذا العرض، ولذلك لا بد من أن نعمد إلى بيان ما المقصود عند المحدثين، بالمسلمات العقلية، وكيف أنهم يردون الحديث المعارض لها، لكن لا بد بداية من معرفة أن العلماء رحمهم الله، اتفقوا على أن آيات القرآن الكريم، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم لا يخالفان العقل، وبالتالي فإذا ورد من الأحاديث ما يخالف العقل، فإن العلماء إما يؤولونه أو يردونه لأنه يستبعد أن يكون من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، قال الشافعي في الرسالة رحمه الله، وذلك أن يستدل على الصدق والكذب فيه بأن يحدث المحدث ما لا يجوز، أي في العقل، متحدثا عن الحديث النبوي الشريف، وقال ابن الجوزي رحمه الله في كتابه الموضوعات: فكل حديث رأيته يخالف المعقول، أو يناقض الأصول، فاعلم أنه موضوع فلا تتكلف اعتباره، ويقصدون أن يكون في الحديث مستحيل عقلا، كما سيأتي بيان ذلك من الأمثلة.
منزلة العقل عند المحدثين
من يتتبع كتب المحدثين ويتبين مناهجهم نقد الحديث، يدرك جليا، مدى إيلائهم عناية خاصة للعقل، حيث أنهم يشترطون في تحمل الحديث، التمييز بين الأشياء، فهناك من اشترط سنا معينة، غير أن بعضهم قال يشترط التمييز فقط، وليس بالضرورة أن يكون ذا سن معينة، كما أنهم اشترطوا أيضا في الأداء العقل، فلا يصح الأداء من فاقده، وعدوا أيضا من موانع التحديث الاختلاط، فكل هذه المؤشرات والسمات تؤكد مدى اهتمامهم بمسألة العقل، وأنهم لا يتحملون ولا يؤدون إلا ما لم يتعارض معه، وذلك بطبيعة الحال لا يعني أنه مقياس لقبول الشرع، فالشرع هو الذي يوجه العقل أو يؤيده، ولكن يعني ذلك أن ما ثبت بالشرع لا يتنافى مع العقل السليم، قال ابن أبي حاتم الرازي رحمه الله في كتابه الجرح والتعديل: تقاس صحة الحديث بعدالة ناقليه، وأن يكون من كلام النبوة، وتمييز كلام النبوة من غيره من طرق الوصول إليه العقل، وقد اعتمده المحدثون في مراحل التحديث كلها، فقد قال المعلمي رحمه الله: راعى المحدثون العقل في أربعة مواطن: عند السماع، وعند التحديث، وعند الحكم على الرواة، وعند الحكم على الأحاديث، فالمتثبتون إذا سمعوا خبرا تمتنع صحته أو تبعد لم يكتبوه، ولم يحفظوه، فإن حفظوه لم يحدثوا به، فإن ظهرت مصلحة لذكره ذكروه مع القدح فيه، وفي الراوي الذي عليه تبعته، فكل هذا يدل على مدى أهمية العقل عندهم، وأنه معتبر في رد بعض الأحاديث إذا لم يوافق مضمونها المسلمات العقلية.[4]
نماذج من الأحاديث التي ردها العلماء لمخالفتها المسلمات العقلية
حدد ابن القيم الجوزية رحمه الله في كتابه المنار المنيف، عدة معايير لرد الحديث، وأغلبها يدخل ضمن المقياس العقلي، وإن كان رحمه الله لم يسمها بأنها مخالفة للمقياس العقلي، إلا أن معظم المعايير التي ذكرها هي من هذا القبيل، وفيما يلي بعض من هذه المعايير مع ذكر بعض الأحاديث التي تندرج تحت كل معيار على سبيل المثال:
- اشتمال الحديث على مجازفات لا يقول مثلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثل: من قال لا إله إلا الله خلق الله له من تلك الكلمة طائرا له سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة يستغفرون الله له…. فلفظ هذا الحديث ومعناه يستحيل عقلا أن يكون من كلام النبي صلى الله عليه وسلم.
- تكذيب الحس له، مثل حديث: الباذنجان لما أكل له.
- سماجة الحديث وكونه مما يسخر منه، مثل حديث: لو يعلم الناس ما في الحلبة لاشتروها بوزنها ذهبا.
- أن يكون الحديث باطلا في نفسه، فيدل بطلانه على أنه ليس من كلام النبوة، مثل حديث: الحجامة على القفا تورث النسيان.
- أن يكون الحديث بوصف الأطباء أشبه، مثل حديث: أكل السمك يوهن الجسد.
- أحاديث العقل، فكلها كذب، مثل: لما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل، ثم قال له أدبر فأدبر، فقال ما خلقت خلقا أكرم علي منك، بك آخذ وبك أعطي.
- ركاكة ألفاظ الحديث وسماجتها بحيث يمجها السمع ويدفعها الطبع، مثل حديث: ذم الحاكة والأساكفة والصواغين، أو أي صنعة من الصنائع المباحة، فإنه كذب وافتراء على الرسول صلى الله عليه وسلم.
هذه بعض العلامات الذي ذكرها ابن القيم رحمه الله في كتابه المنار المنيف، والتي تدل على وضع الأحاديث، وكما سبق بيان ذلك، فإن مجملها يعد معارضا للعقل، غير أن ابن القيم رحمه الله أكثر الأمثلة تحت كل قاعدة، واكتفيت بمثال واحد فقط مخافة التطويل، إذ الغرض هو بيان مضمون القاعدة، لا استيفاء الأحاديث الواردة تحتها.
خاتمة
كما سلف بيان ذلك في المقدمة، فقد تبين أن الدعوى التي روج لها بعض المستشرقين، من أن علماء نقد الحديث لم ينقدوا متن الحديث باطلة، وأنه على العكس من ذلك، فإن العلماء كما اهتموا بنقد السند اهتموا كذلك بنقد المتن، بل وضعوا عدة معايير لنقده، وقد بينا ذلك، مثل عرضه على القرآن والسنة، والإجماع، وكذلك المسلمات العقلية، وقد بينا ذلك بشيء من التفصيل، مع إيراد بعض الأمثلة.
المصادر
- محمد طاهر الجوابي، جهود المحدثين في نقد متن الحديث النبوي الشريف.
- شفيق ونغرا، نقد متن الحديث، تاريخه ومقاييسه ومناهج العلماء فيه.
- إبراهيم بن محمد السعوي، نقد المتن عند المحدثين، دراسة نظرية تطبيقية.
- ابن القيم الجوزية، المنار المنيف.
[1] إبراهيم بن محمد السعوي، نقد المتن عند المحدثين، ص 9
[2] نقد المتن عند المحدثين، ص 29
[3] شفيق ونغرا نقد المتن، تاريخه ومقاييسه ومناهج العلماء فيه ص 133
[4] محمد طاهر الجوابي، جهود المحدثين في نقد متن الحديث النبوي الشريف، ص 488