منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

 مقارنة المواطنة الغربية بالمواطنة الإسلامية

 مقارنة المواطنة الغربية بالمواطنة الإسلامية/حميد نعيمي

0

 مقارنة المواطنة الغربية بالمواطنة الإسلامية

بقلم: حميد نعيمي

يمكنكم الاطلاع على الكتاب أو تحميله من الرابط التالي:

”المواطنة بين الإسلام والغرب دراسة مقارنة”

وقد تم الاقتصار على مقارنة الحرية والمساواة باعتبارهما أساسا المواطنة الغربية المتفق عليهما وأهم قضاياها اللتان تحضيان بتقدير واهتمام بالغين من المفكرين الغربيين.

المبحث الأول: المقارنة من حيث المصدر

التشريع في الإسلام رباني مما يمنحه الديمومة والعالمية والاستقرار، إن من المسلم به أن حق التشريع موحد بين يدي الله عز وجل في الوقت الذي تتعدد وتتباين منابع التشريع الغربي ويكثر مشرعو القوانين الغربية.[1]

في القانون الوضعي الجماعة هي التي تضع القانون وتصنعه لكن في الإسلام القانون جاء من قبل، فيوجه الجماعة وليس ينظمها فقط فتكون الجماعة من صنعه، وعظمته وسموه يجعله دائما نموذج الكمال فيحمل أتباعه على التسامي لمقاربة مستوى الشريعة السامي، وقد جاءت وقت نزولها أعلى من مستوى العالم كله ولا تزال كذلك إلا اليوم.[2]

فالقوانين الوضعية التي تحدد أسس المواطنة والتزاماتها يتعدد فيها المشرعون البشر، مما يجعلها دائما معرضة للتبديل والتغيير والإبطال كلما تغيرت الأحوال وظهرت مستجدات كانت غائبة عن المشرعين، بينما في الإسلام فهي من عند حكيم عليم.

وليس من شك أن وحدة المصدر الإلهي التشريعي هو السر القائم وراء خلود الأحكام الشرعية وصلاحيتها المطلقة للتطبيق في كل زمان ومكان…فالتبديل والتغيير آفة التشريعات القوانين الوضعية المتغيرة دائما والتي تتبدل فيها أوضاع ومراكز وحقوق المخاطبين بها دونما استقرار أو ثبات.[3]

ثم إن مفهوم المواطنة في جوهرها الغربي لا يعدو كونه ناتج حركة الفكر الأوروبي في سياقه التاريخي والاجتماعي والسياسي الذي مر به، إذ شهدت أوروبا في القرون المتأخرة حربا ضروسا بين الكنيسة والإقطاعيين من جهة وباقي فئات الشعب من جهة أخرى نتيجة للاستبداد الكبير والاستغفال الذي مارسته الكنيسة، وحرب بين السلطة البابوية وبين الأباطرة وحرب أخرى بين الكنيسة الكاتوليكية والبروتيستانتية، واشتهرت الكنيسة باضطهاد العلماء والفلاسفة والمفكرين الذين يخرجون من خطها الاعتقادي والفكري وعن آرائها في أي شيء وأي مجال، وأقيمت محاكم التفتيش لتعذيب المخالفين.[4]

وكذلك المواطنة في الإسلام تستحضر بقوة العامل القيمي والأخلاقي وليست فقط العامل القانوني، يقول طه عبد الرحمان: “ومما تتميز به المواطنة في الإسلام عن المواطنة في الفكر الغربي أنها ترتقي بالفرد من رتبة المواجدة في الوطن الواحد إلى رتبة المشاركة في الصلة الواحدة وهي رتبة المؤاخاة والتراحم وبهذا يكون للمواطنة بعد أخلاقي قيمي وعقدي فوق البعد القانوني والمادي الذي تقوم عليه المواطنة الغربية الليبيرالية، إذ تنبني على المصالح المادية والحظوظ الفردية التي تدفع المواطن إلى الانشغال بالحقوق الذاتية عن حق الجماعة. وإهمال خصوصية الأقلية لتذوب في خواص الأغلبية فتوصل الفرد إلى الانغلاق في الجماعة عوض الانفتاح على الإنسانية.[5]

المبحث الثاني: المقارنة من حيث مبدأ المساواة

إن المساواة في الإسلام تنفرد بسمات خاصة من حيث العمق والملائمة وكمال الغاية المستمدة من مصادر التشريع الإسلامي، لذا فقد جاءت في صورتها التشريعية مختلفة عما أفرزه الفكر الغربي المعاصر، فالمساواة في الإسلام واجب شرعي منذ بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم في حين أن الفكر الغربي المعاصر وبعد أربعة عشرا قرنا يوصي في المواثيق الدولية الصادرة عن الهيئات العالمية بإقرار مبدأ المساواة، ويؤكد ذلك البون الشاسع بين المنهج الإسلامي والفكر الغربي في تأسيس مبدأ المساواة باعتباره أبرز أبعاد المواطنة، فالإسلام أقر المساواة منهجا وتشريعا ملزما منذ نزول القرآن وإن اختلفت أو تفاوتت تطبيقاته من مكان لآخر أو من زمن لآخر، أم المساواة كمفهوم وممارسة فقد أسسها وكنهها وهذا ما أخضعه لمنطق الأقوياء.[6]

وهذا يؤكد حرص الشريعة الإسلامية ومطبقيها على إحلال المساواة العامة بين الناس جميعا -وليس المسلمين فقط- حكاما ومحكومين، أقوياء وضعفاء هو الأمر الذي لم تصل إليه أرقى التنظيمات التشريعية الوضعية وأطولها باعا في مجال تطبيق المساواة، إذ أن المساواة في نظر الإسلام ليست مساواة معطلة وليست مساواة سلبية، وإنما هي مساواة دافعة نحو السعي والعمل حتى يشعر كل إنسان في قرارة نفسه أنه أخ للإنسان ومن ثم ترفع الحواجز النفسية والمادية التي من شأنها أن تقدم واحدا وتؤخر آخر، ومساواة في الكفاية للأفراد عند الانطلاق والسعي والعمل حتى يكون الأفراد جميعا في نقطة واحدة.[7]

يلاحظ من التناول الغربي للمواطنة وأبعادها اعتماد الفكر على مفهومي الخطية والجبرية في تحقيق المساواة والديموقراطية، فكل دول العالم يجب أن تتبع الخط الغربي في هذا المجال، وأنه لا سبيل لتحقيق المساواة إلا باتباع هذا الخط الذي تمثل الديموقراطية الليبيرالية قمته، وتصنف المجتمعات البشرية طبقا لقربها أو بعدها عن هذا الخط.[8]

يجب أن تقام قاعدة المساواة الفعلية بين أفراد المجتمع في التمتع بالحقوق والتحلي بالواجبات على أساس مزدوج يتبلور من ناحية في المخاطبة على قدر المساواة بالأحكام القانونية بوصفها أداة عامة مجردة تسري بشأن كل من توافرت فيهم شروط تطبيقها عليهم، كما يتضح من ناحية أخرى في وجوب انعدام التمييز بين الأفراد في مجالات اللجوء للقضاء من أجل اقتضاء المصالح والحقوق الفردية أو المنافع العامة المجتمعية التي تقدمها الدولة مباشرة بواسطة أجهزتها السلطوية العامة.[9]

وقد جاء الإسلام بإقرار هذا التمايز بين الناس لما أبرز المساواة بينهم ثم بين معيار التفاضل حين قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى…”.[10]

ويوضح الإمام علي رضي الله عنه هذه الحقيقة حيث جاء في نهج البلاغة: “وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّعِيَّةَ طَبَقَاتٌ لاَ يَصْلُحُ بَعْضُهَا إلاَّ بِبَعْض، وَلاَ غِنَى بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْض: فَمِنْهَا جُنُودُ اللهِ، مِنْهَا كُتَّابُ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، وَمِنْهَا قُضَاةُ الْعَدْلِ، وَمِنهَا عُمَّالُ الإنْصَافِ وَالرِّفْقِ، وَمِنْهَا أَهْلُ الْجِزْيَةِ وَالْخَراجِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَمُسْلِمَةِ النَّاسِ، وَمِنْهَا التُّجَّارُ وَأَهْلُ الصِّنَاعَاتِ، وَمِنهَا الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ ذَوِي الْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ، وَكُلٌّ قَدْ سَمَّى اللهُ سَهْمَهُ، وَوَضَعَ عَلَى حَدِّهِ وَفَرِيضَتِهِ فِي كِتَابِهِ أَوْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم عَهْداً مِنْهُ عِنْدَنَا مَحْفُوظاً، فَالْجُنُودُ، بِإِذْنِ اللهِ، حُصُونُ الرَّعِيَّةِ، وَزَيْنُ الْوُلاَةِ، وعِزُّ الدِّينِ، وَسُبُلُ الأمن، وَلَيْسَ تَقُومُ الرَّعِيَّةُ إِلاَّ بِهِمْ، ثُمَّ لاَ قِوَامَ لِلْجُنُودِ إِلاَّ بِمَا يُخْرِجُ اللهُ لَهُمْ مِنَ الْخَرَاجِ الَّذِي يَقْوَوْنَ بِهِ فِي جِهَادِ عَدُوِهِمْ، وَيَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ فِيَما أصْلَحهُمْ، وَيَكُونُ مِنْ وَرَاءِ حَاجَتِهِمْ، ثُمَّ لاَ قِوَامَ لِهذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ إِلاَّ بِالصِّنْفِ الثَّالِثِ مِنَ الْقُضَاةِ وَالْعُمَّالِ وَالْكُتَّابِ، لِمَا يُحْكِمُونَ مِنَ الْمَعَاقِدِ، وَيَجْمَعُونَ مِنْ الْمَنَافِعِ، وَيُؤْتَمَنُونَ عَلَيْهِ مِنْ خَوَاصِّ الأمور وَعَوَامِّهَا، وَلاَ قِوَامَ لَهُمْ جَمِيعاً إِلاَّ بِالتُّجَّارِ وَذَوِي الصِّنَاعَاتِ، فِيَما يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ مِنْ مَرَافِقِهِمْ، وَيُقِيمُونَهُ مِنْ أَسْوَاقِهِمْ، وَيَكْفُونَهُمْ مِنَ التَّرَفُّقِ بِأَيْدِيهِمْ ممّا لاَ يَبْلُغُهُ رِفْقُ غَيْرِهِمْ، ثُمَّ الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ الَّذِينَ يَحِقُّ رِفْدُهُمْ وَمَعُونَتُهُمْ. وَفِي اللهِ لِكُلّ سَعَةٌ، وَلِكُلٍّ عَلَى الْوَالِي حَقٌ بِقَدْرِ مَا يُصْلِحُهُ.[11]

ويعلق محمد عمارة على كلمات علي رضي الله عنه بـ” فهي كلمات ترسم لوحة الحقيقة الاجتماعية لمذهب الإسلام الاجتماعي، التعددية القائمة أطرافها على على التوازن فلا قيام لطرف منها إلا بالاتفاق مع الجميع، ولهذه الحقيقة من حقائق معنى المساواة في مذهب الإسلام، كان “الدفع” وليس “الصراع” هو السبيل الذي يزكيه الإسلام طريقا لتصحيح الخلل الاجتماعي في علاقات الطبقات، فإذا حل “الخلل الاجتماعي” محل “التوازن الاجتماعي” في العلاقة بين الطبقات، كان “الدفع” الذي يزيل الخلل ويعيد التوازن بين الفرقاء، مع الاحتفاظ بسنة التعدد هو السبيل الإسلامي للحراك الاجتماعي وليس “الصراع”، الذي يعني صرع ونفي الآخر،والانفراد بالوجود والثمرات..فالصراع الاجتماعي والطبقي كما عرفته مذاهب الحضارة الغربية قد استهدف مساواة ينفرد فيها طرف -البورجوازية- في الليبيرالية والبروليتاريا في الشمولية الماركسية بالوجود والثمرات، بعد نفي النقيض.[12]

إن للمساواة في بعض أحوالها موانع تجعل المصلحة الراجحة في عدم اعتبارها، وهذه الموانع منها ما هو جبلي دائم كمنع المساواة المرأة للرجل في ما لا تستطيع أن تساويه فيه بموجب الخلقة مثل إمارة الجيش والقتال فهذا مما للرجال مزيد اختصاص به، وحضانة الأبناء الصغار من اختصاص النساء، ولا يمكن أن يقوم بها الرجال كقيام النساء، وقد قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ آل عمران:36، ومنها ما هو شرعي كعدم كفاءة الفاسق للزواج من المرأة الصالحة، وعدم مساواة غير المسلم للمسلم في إرث قريبه المسلم، فعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم.[13] ومنها ما هو مانع اجتماعي كالرق المعتبر، ومنها ما يكون سياسيا كجعل عمر العطاء على حسب السابقية في الإسلام ويكثر اعتبار التوقيت في الموانع السياسية لأنها تكون في أحوال خاصة لمصلحة الحكم، فهناك إذن (اعتبارات تلوح في أحوال الأشياء فتنبهنا إلى أن إجراء المساواة في بعض أحكام تلك الأشياء لا يعود بالصلاح في بابه).[14]

المبحث الثالث: المقارنة من حيث مبدأ الحرية

نظرة الإسلام إلى الحرية، ومن ثم مقامها فيه نظرة متميزة وخاصة إذا كانت المقارنة مستحضرة نظرة الحضارة الغربية وبعض الحضارات الشرقية القديمة إلى هذا الموضوع، فالحرية في النظرة الإسلامية ضرورة من الضرورات الإنسانية وفريضة إلهية وتكليف شرعي واجب وليست مجرد حق من الحقوق يجوز لصاحبها أن يتنازل عنها إن هو أراد.[15]

والحرية تحقيق لمعنى الحياة وإحياء بعد موت لمن كان يفتقدها، فقد قرر هذه الحقيقة النسفي في تفسيره[16] حيث قال: “فإنه أي -القاتل- لما أخرج نفساً مؤمنة من جملة الأحياء، لزمه أن يدخل نفساً مثلها في جملة الأحرار، لأن إطلاقها من قيد الرق كإحيائها، من قبل أن الرقيق ملحق بالأموات، إذ الرق أثر من آثار الكفر، والكفر موت حكماً ﴿أومن كان ميتاً فأحييناه﴾ الأنعام:122.

إن مفهوم الحرية عند الغربيين يختلف باختلاف الزمان والمكان بل والمذهب الفكري السائد، فمثلا كانت حروب أمريكا بين الشمال والجنوب من أجل الحرية، يقول أبراهام لنكولن:” إن الشمال كان يحارب من أجل حرية كل إنسان في أن يصنع بشخصه ما شاء، أما الحرية في الجنوب فكانت تعني حرية بعض الرجال في أن يصنعوا ما يشاءون بالرجال الآخرين”.[17]

ويعتبر الدكتور القرضاوي أن مبدأ الحرية لم يكن” قد جاء نتيجة تطور في المجتمع، أو ثورة طالبت به، أو نضح وصل إليه الناس، وإنما كان مبدأ أعلى من المجتمع في ذلك الحين…، جاء مبدأ من السماء ليرتفع به أهل الأرض، جاء الإسلام ليرقى بالبشرية بتقرير هذا المبدأ، مبدأ حرية الاعتقاد وحرية التدين، ولكن هذا المبدأ الذي أقره الإسلام مشروط ومقيد أيضا بألا يصبح في أيدي الناس..كما قال اليهود ﴿آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ آل عمران:72، آمنوا في الصبح وفي آخر النهار قولوا لقد وجدنا دين محمد صفته كذا وكذا فتركناه، أو آمنوا اليوم واكفروا غدا..أو بعد أسبوع…شنعوا على هذا الدين الجديد…، أراد الله ألا يكون هذا الدين ألعوبة، فمن دخل في الإسلام بعد اقتناع وبعد وعي وبصيرة فليلزمه، وإلا تعرض لعقوبة الردة، فالحرية الأولى حرية التدين والاعتقاد”.[18]

إن المناهج الوضعية على اختلاف مشاربها وأصولها الفكرية وتباين ثقافتها العالمية أو الداخلية، وتفاوت درجات الإلزام، تجعل مدلول الحرية يدور حول مفاهيم الاعتراف للإنسان بإمكانية القيام بجميع الأعمال التي لا يحظرها القانون شريطة الالتزام قانونا بعدم إضرار الآخرين، وهو ما يحصر الحقوق والحريات في مجال المراقبة القانونية، ويغيب عن تلك النماذج ما أقره المنهج الإسلامي من سمو ورقي بصدد عملتي الإباحة أو الحظر في الأعمال والتصرفات البشرية إلى مدارج أعلى من ذلك بحيث لا يقف عند حدود النصوص المدونة بوصفها شعارا حاميا للحرية، وإنما يجعل من الأخلاق والضمير الإنساني رادعا ووازعا داخليا وخارجيا في آن واحد، وهو بهذا يقر مبدأ التقويم والرقابة الذاتية إلى جانب التقويم والرقابة الخارجية.[19]

فالحريّة في المفهوم الغربي هي التي تصنع القوانين والتشريعات والدساتير والأعراف والثقافة، أمّا الحريّة في المفهوم الإسلامي فيصنعها الشرع والقانون وتخضع لهما.

الحريّة في الغرب مفهوم يتعالى عن النصّ الديني، فهو يرى أنّ قرار كلّ إنسان بيده، وأنّه ما من شيء يُلزم الإنسان إلا قناعاته الذاتية أو قناعاته المجتمعيّة في حدود حريّة الآخرين وحقوقهم، فللإنسان الحقّ في اختيار أيّ سلوك أو دين أو عقيدة، شرط أن لا يتنافى مع حريّة الآخرين وحقوقهم وفقاً لعقدٍ اجتماعي عام.

أمّا في الإسلام، فليس من حقّ الإنسان أن ينحرف عن الدين الصحيح، هذا ليس حقّاً له، بل من الواجب عليه أن ينضوي تحت لواء الدين الصحيح ويعمل بما تمليه عليه إرادة السماء وليس إرادته الشخصيّة ورغباته وقناعاته الخاصّة، فلا تنفتح حريّته على التعالي عن النصّ الديني، بل هو متعبّد بهذا النصّ خاضع له كخضوع الغربيّ للقانون الآتي من العقد الاجتماعي، فليست لي الحرية في الكذب على الله ورسوله، ولا في الزنا، ولا في شرب الخمر، ولا في ترك الصلاة، بل أنا ملزم بتطبيق ما أمرني الله به، ولا أستطيع أن أقول لله بأنّني أختلف معك في وجهة النظر، فلا أريد أن أقوم بما تريده منّي؛ لأنّ لي الحريّة في ذلك.[20]

فالحرية في الإسلام لا تعني الفوضى وارتكاب الموبقات والمنكرات باسم الحرية واستباحة محارم الله والانغماس في الشهوات المحرمة فالحرية التي تبيح هذه المحظورات هي فوضى، وتصور خاطئ للحرية، وقد صحح الإسلام هذا التصور الخاطئ وقرر حرية الناس منذ ولادتهم، وأنه لا يجوز استعبادهم كما لا يجوز تقييد حرياتهم، و كل حق لهم، يقابله واجب عليهم ليكون هناك توازن في الحياة والتعايش مع الآخرين، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه النعمان بن بشير قال سمعت رسول الله يقول: “مَثَلُ القَائِم في حُدُودِ اللَّه والْوَاقِع فيها، كَمثل قَومٍ اسْتَهَموا على سَفِينَةٍ، فَأَصابَ بَعْضُهم أعْلاهَا، وبعضُهم أَسْفلَهَا، فكان الذي في أَسفلها إذا استَقَوْا من الماء مَرُّوا على مَنْ فَوقَهمْ، فقالوا: لو أنا خَرَقْنا في نَصِيبِنَا خَرقا ولَمْ نُؤذِ مَنْ فَوقَنا؟ فإن تَرَكُوهُمْ وما أَرَادوا هَلَكوا وهلكوا جَميعا، وإنْ أخذُوا على أيديِهِمْ نَجَوْا ونَجَوْا جَميعا”.[21]

وخلافنا مع الغرب حيث الإنسان هو المحور في كلّ شيء، وحيث القرار بيده في كلّ الأمور، في مقابل الله الذي لا يعدو أن يكون مجرّد فكرة أو وجهة نظر، على خلاف الحال في الإسلام حيث المحور هو الله، والإنسان هو الكوكب الذي يدور في فلك الله تعالى، وقيمة الإنسان في عبوديّته لله ودورانه حول فلكه، لا في دوران الأفلاك حول الإنسان نفسه، بل إنّني قلت في أكثر من مناسبة بأنّ الثقافة الغربيّة هي نوع من تأليه الإنسان، وهي جعل الذات الفرديّة والجماعية إلهاً يُعبد من دون الله، فما تقوله أو تريده هذه الذات فهو المسموع، وهي التي نوجّه كلّ الاهتمام إليها لتظلّ مرتاحة تعيش اللذة والسرور، أمّا الله فهو تفصيل.. هو فكرة قد تنفع وقد تضرّ، ونحن نقترب منها أو نبتعد عنها تبعاً لمدى فائدتها لنا أو ضررها بمصالحنا ورغباتنا القائمة على الحريّة.[22]


[1] ( المواطنة في الفكر الغربي المعاصر دراسة نقدية من منظور إسلامي)، عثمان العامر، مجلة جامعة دمشق، المجلد 19، العدد 1، سنة 2003)، ص240.

[2] (التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي)، عبد القادر عودة، دار الكاتب العربي: بيروت، 1/22.

[3] (المواطنة في الفكر الغربي المعاصر دراسة نقدية من منظور إسلامي)، عثمان العامر، ص240.

[4] (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين)، أبو الحسن علي الحسني الندوي، ط5: 1987م، دار الشهاب: باتنة الجزائر، ص250.

[5] (روح الحداثة)، طه عبد الرحمن، ط1: 2006، المركز الثقافي العربي: الدار البيضاء، ص213-214.

[6] (المواطنة في الفكر الغربي المعاصر دراسة نقدية من منظور إسلامي)، عثمان العامر، ص241.

[7] (المواطنة في الفكر الغربي المعاصر دراسة نقدية من منظور إسلامي)، عثمان العامر، ص 244.

[8] نفسه، ص261.

[9] (الحقوق المضمونة للإنسان بين النظرية والتطبيق، دراسة مقارنة بين النظم الوضعية والشريعة الإسلامية)، مصطفى محمود عفيفي، دار الفكر العربي: القاهرة، ص25-26.

[10] سبق تخريجه.

[11] (نهج البلاغة)، علي بن أبي طالب، طبعة دار الشعب: القاهرة، ص337.

[12] (معركة المصطلحات بين الغرب والإسلام)، محمد عمارة، ط2: 2004، دار نهضة مصر: القاهرة، ص114.

[13] صحيح البخاري، كتاب الفرائض، باب لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم، ح6764، ص1675. وصحيح مسلم، كتاب الفرائض، باب لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم، ح1614، ص658.

[14] (أصول النظام الاجتماعي في الإسلام)، محمد الطاهر بن عاشور، ط2: 1985، الشركة التونسية للتوزيع: تونس، ص152.

[15] (معركة المصطلحات بين الغرب والإسلام)، محمد عمارة، ص98.

[16] (مدارك التنزيل وحقائق التأويل)، المعروف بتفسير النسفي، عبد الله بن أحمد النسفي، ضبطه وخرج آياته وأحاديثه الشيخ زكرياء عميرات، دار الكتب العلمية: بيروت، سورة النساء: الآية 96،1/267.

[17] (المواطنة في الفكر الغربي المعاصر دراسة نقدية من منظور إسلامي)، عثمان العامر، ص246.

[18] عن موقع

https://archive.islamonline.net/?p=6178،

مقالة بعنوان: الإسلام والحرية والإبداع حرية حقوق لا حرية فسوق.

[19] (المواطنة في الفكر الغربي المعاصر دراسة نقدية من منظور إسلامي)، عثمان العامر، ص257.

[20] (حرية الفكر في الإسلام)، عيد المتعال الصعيدي، ط2: 2009، مطبعة دار الفكر العربي: القاهرة، ص43-44.

[21] صحيح البخاري، كتاب الشركة، باب هل يقرع في القسمة والاستهام فيه؟، ح2493، ص604.

[22] (حرية الفكر في الإسلام)، عبد المتعال الصعيدي، ص49.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.