منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

جِنايَةُ “نْـصْـرَاني” (قصّة قصيرة)

جِنايَةُ "نْـصْـرَاني" (قصّة قصيرة)/ عبد الهادي المهادي

0

جِنايَةُ “نْـصْـرَاني” (قصّة قصيرة)

بقلم: عبد الهادي المهادي

قال لي الرّاوي: كنتُ صغيرا عندما حضرتُ ذات شتاء ببني عروس مشهدا لا يزال لحدّ الآن، وقد بلغت الخمسين، يعتمل أثره في نفسي. فقد خرجتُ رفقة مجموعة من نساء عائلتي في اتجاه أرض لنا غُرستْ بأشجار زيتون من أجل قطفها، أتذكّر أنه كان موسمَ خيرٍ عميم، وسمعتُ الجميع يتحدث بفرح وانتشاء أنّ “خير هذا العام” لم يسبق له مثيل منذ “عام المْلَحْ”، وهو العام ـ كما سيشرح لي عمّي فيما بعد ـ الذي انفجرت فيه بعض العيون في مدشرنا مِلْحا وافرا حتى حمله بعض الشباب فوق ظهور البغال وخرجوا يطوفون على القرى الأخرى يُقايضونه بغيره من المنتوجات الفلاحية وهم يرفعون أصواتهم بالنّداء: “ها بْدّال الملاح”.

تسلّقت نسوة فروع شجرة مباركة معمّرة، وشرعن يهززن أغصانها بقصبات طويلة في إتقان، وانطلقت حبّات الزيتون تتساقط زخّات، بينما جلست أخريات يجمعن ما يتناثر منها خارج الحصير المفروش أسفل الشجرة.

كانت السّماء غامقة الرّماد، والهواء يهبُّ من الغرب باردا، والسّحب تبدو مثقلة بالرطوبة المبشّرة بأمطار قد تصُبّ زمن الغروب، لذلك كُنّ يُسْرِعْنَ في اللّقط حتى يصلن البيتَ قبل أن يلحقهنّ الليل والمطر.

وحينما تأكّد الجميع من أنه لم يتبقى في رأس الشجرة سوى حبّات تعوّد البدوي أن يبقيها هناك طعاما للطيور، بدأ الجميع يتعاون على وضع الغلّة في الشكاير.

ارتفعت عقيرة إحداهنّ بالغناء؛ كان صوتها بديعا، وطفقت تتفنّن في تمويجه، وكانت لحظات الصّمت التي تقطع بها لحنَها تفضحُ وقوفَ الكونِ بأسره يُنصتُ لصَدْحها بحبور. صغيرا كنتُ يومها، ولكنّ ذلك الصّوت السّماوي الرّهيف ما فتئ يسحرني كلّما نهض أمامي ما يُذكّرني به.

فجأة، اقترب منهنّ رجل واضح من ملامحه وهندامه أنه غريب، لا بدّ أن الغناء جذبه؛ أشقر، وعيناه زرقاوان. عرفن منذ البداية أنّه “نْصْراني”، كما تعوّد العامّة أن يسمّوا هذا النوع من الناس، تحدّث معهنّ بأدب، وخاطبهُنّ بكلام لم يفهمنَ منه شيئا. ولكنّ النّساء أسرعن بالفرار، وتركن كل شيء خلفهنّ، ولم تبق هناك سوى امرأة واحدة منعتها سُمنتها عن الهرولة مثلهن.
وهنّ يبتعدن عن الشجرة في رهبة وخوف سمعن صديقتهنّ تنادي بصوت مُتهدّج، يقطر خوفا، ولكنّه مُلحّن: آآآآجِــوْ أَلْـعْـوَاوْلْ أجِـوْ، هـو قـال والله ما يْـعْـمْـلْـكُـمْ شِـي”!

انتشر الخبر في القرية سريعا حتى وصل إلى سمع زوج رحيمو، وهذا هو اسم المرأة البدينة. أمسك بشاقوره وانحدر يجري في اتجاه الوادي. عندما وصل إلى الشجرة التي عُيّنت له كان النّصراني قد ذاب، هرول يبحث عنه في الاتجاهات الأربع، وحينما صعد تلّة تطلّ على الطّريق المؤدّية إلى المدينة شاهد سيارة تختفي في آخر منعطف يظهر من هناك.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.