نجم أكتوبر الساطع
بقلم: الأستاذ عثمان غفاري
رحم الله المجاهد المقاوم، والقائد المقدام، والرجل الهمام، والرجل البطل، والشاهد الشهيد، رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) وقائد معركة طوفان الأقصى، أبو ابراهيم يحيى إبراهيم حسن السنوار، رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته، وألحقه بمواكب الشهداء والصديقين والصالحين، وألهم ذويه ومحبيه وإخوانه المجاهدين الصبر والسلوان.
*جهاد واستشهاد*
في يوم 17 من أكتوبر سنة 2024 الموافق ليوم 13 ربيع الثاني سنة 1446، ارتقى إلى الله مقبلاً غير مُدبر، مُمْتَشقاً سلاحه، مشتبكاً ومواجهاً لجيش الاحتلال في مقدّمة الصفوف، متنقلا بين كل المواقع القتالية صامداً مرابطاً ثابتاً على أرض غزَّة العزَّة، مدافعاً عن أرض فلسطين ومقدساتها، ومُلهماً في إذكاء روح الصُّمود والصَّبر والرّباط والمقاومة.
نجح الصهاينة الغاصبون، مصادفة وبعد سنوات ذوات العدد، في اغتيال السنوار رحمه الله تعالى ماديا، لكنهم فشلوا فشلا ذريعة في اغتياله معنويا، بعد أن تهاوت كل الشائعات التي روجوها حول القائد البطل من قبيل الفرار إلى مصر، والاختباء في الأنفاق، والتترس بالمعتقلين والصهاينة.
فقد خلد الله ذكره في الصالحين، باعتباره رجلا من أنبل وأشجع الرجال، رجلا كرس حياته من أجل فلسطين، وقدم روحه في سبيل الله على طريق تحريرها، صدق الله فصدقه الله.
*ميلاد واستعداد*
ولد الشهيد يحيى إبراهيم حسن السنوار يوم 19 أكتوبر سنة 1962 فى مخيم خان يونس للاجئين جنوب قطاع غزة، حيث نزحت أسرته من مدينة مجدل شمال شرقي القطاع بعد أن احتلتها الكيان الغاصب إثر نكبة عام 1948 وغيرت اسمها إلى أشكلون (عسقلان).
وتلقى تعليمه في مدرسة خان يونس الثانوية للبنين، قبل أن يلتحق بالجامعة الإسلامية بـ غزة ويتخرج منها بدرجة الباكالوريوس في شعبة الدراسات العربية.
نشأ في ظروف صعبة وتأثر في طفولته بالاعتداءات والمضايقات المتكررة للاحتلال الصهيوني لسكان المخيمات.
كان لـلشهيد والفقيد يحيى السنوار نشاط طلابي بارز خلال مرحلة الدراسة الجامعية، إذ كان عضوا فاعلا في الكتلة الإسلامية فى فلسطين.
حيث شغل مهمة الأمين العام للجنة الفنية ثم اللجنة الرياضية في مجلس الطلاب بالجامعة الإسلامية بغزة، ثم نائبا لرئيس المجلس ثم رئيسا للمجلس.
وقد ساعده النشاط الطلابي على اكتساب خبرة وحنكة أهلته لتولي أدوار قيادية في حركة حماس بعد تأسيسها عام 1987 خلال انتفاضة الحجارة.
*اعتقال ومقاومة الاستعباد*
اعتقل لأول مرة عام 1982 بسبب نشاطه الطلابي وكان عمره حينها 20 عاما، ووضع رهن الاعتقال الإداري 4 أشهر وأعيد اعتقاله بعد أسبوع من إطلاق سراحه، وبقي في السجن 6 أشهر من دون محاكمة، وفي عام 1985 اعتقل مجددا وحكم عليه بـثمانية أشهر.
في 20 يناير 1988، اعتقل مرة أخرى وحوكم بتهم تتعلق بقيادة عملية اختطاف وقتل جنديين إسرائيليين، وقتل 4 فلسطينيين يشتبه في تعاونهم مع إسرائيل، وصدرت في حقه 4 مؤبدات (مدتها 426 عاما).
وخلال فترة اعتقاله تولى قيادة الهيئة القيادية العليا لأسرى حماس في السجون لدورتين تنظيميتين، وساهم في إدارة المواجهة مع مصلحة السجون خلال سلسلة من الإضرابات عن الطعام، بما في ذلك إضرابات أعوام 1992 و1996 و2000 و2004.
تعرض لمشاكل صحية خلال فترة اعتقاله، إذ عانى من صداع دائم وارتفاع حاد في درجة الحرارة، وبعد ضغط كبير من الأسرى أجريت له فحوصات طبية أظهرت وجود نقطة دم متجمدة في دماغه، وأجريت له عملية جراحية على الدماغ استغرقت 7 ساعات.
لطلق سراح الشهيد يحيى السنوار في 18 أكتوبر عام 2011، وكان واحدا من بين أكثر من ألف أسير حرروا مقابل الجندى الإسرائيلي جلعاد شاليط ضمن ما سمي صفقة “وفاء الأحرار”.
*مسيرة إعداد واستمداد*
عاش رجل محاربا لجرثومة الفساد والاستبداد، مدافعا عن المسجد الأقصى المبارك وعن الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة، وقدم روحه في سبيل الله وعلى طريق تحرير فلسطين، حيث مات مشتبكاً مع الغزاة وأعوانهم من الغرب والعرب.
لقد كانت مسيرة القائد السنوار رحمه الله تعالى، مسيرةً جهاديةً مشرّفة، فهو واحد من جيل التأسيس لحركة حماس وأجهزتها العسكرية والأمنية، وأحد رمزز التضحية والوفاء لخطها ومنهاجها، وكما كانت بداياتها مشرقة، أبى إلا أن تكون نهايته مشرقة، فلم يذق للراحة طعماً، وكان الرأس المدبر لمعركة طوفان الأقصى، والمشرف الميداني على العمل العسكري للحركة في الأقاليم الثلاثة، والمسهم الأول في مسار توحيد جبهات المقاومة على طريق القدس، وغيرها كثير، لذلك حزن الشعب الفلسطيني والأمة الإسلامية لوفاته، واستبشروا بخاتمته شهيدا وملهما، في حين فرح بموته الصهاينة وأشياعهم وأذرعهم في المنطقة، خذلهم الله تعالى وعجل بنصر الأمة في قريب غير بعيد.
*ختاما*
أختم هذه التدوينة باقتباس من بيان نعي كتائب عز الدين القسام للشهيد السنوار رحمه الله تعالى:
*واهمٌ هذا العدو المجرم إن ظن أنه باغتيال قادة المقاومة العظام من أمثال السنوار وهنية ونصر الله والعاروري وغيرهم يمكن أن يخمد جذوة المقاومة أو يدفعها للتراجع، بل ستتواصل وتتصاعد حتى تحقيق أهداف شعبنا المشروعة، فالشهادة أسمى ما يتمناه قادتنا، ودماؤهم ستكون نبراساً ينير طريق التحرير وناراً تحرق المعتدين*.