بين فقه التنظيم وفقه الدولة…
بقلم: الدكتور وائل الزرد من فلسطين
إنَّ الناظرَ في حياه النبي -صلى الله عليه وسلم- في الفترة المكية يجد أنه عليه الصلاة والسلام كان مهتما اذ كان مكلفا باستنقاذ الناس من الشرك والضلال الى التوحيد والهدى وقد كانت الآيات تنزل تدعم هذا التوجه فلم يكن نبينا صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة مسؤولا عن حياه الناس ولا اداره البلد ولا شؤون المواطنين.
حتى إنَّ الآيات التي كانت تنزل في الفترة المكية، كانت تنصب على معالجة عقائد الناس وشيءٍ من أخلاقهم، وخاصةً العقائد الكبرى والأخلاقيات الكبرى، هذا في الفترة المكية مبتعدةً الآيات التي تنزل في هذه الفترة عن كثيرٍ معاملات الناس، وشؤونهم الداخلية والخاصة، من مثل الحديث عن البيع والشراء والتجارة والصناعة والزراعة والزواج والطلاق والمواريث والحرب والسلم والقضاء والاقتضاء، الى غير ذلك من مفردات الحياه…
لكنه -عليه الصلاة والسلام- لمَّا انتقل الى المدينة المنورة، انتقل الى فقهٍ اخر؛ انتقل من فقه التنظيم -من فقه التجميع على الفكرة من فقه عدم المسؤولية عن كل المواطنين داخل حدود الدولة- الى فقه تحمل المسؤولية الكاملة عن: طعام وشراب وبيع وشراء وقضاء واقتضاء وحياة الناس؛ بكل تفاصيلها، وأصبح -صلى الله عليه وسلم- مسؤولًا عن تفاصيل ودقائق حياة الناس في المدينة المنورة، وهذا بلا شك اقتضى نقلةً نوعيةً جميلةً كريمةً في الفقه النبوي، ما بين فقه التنظيم والجماعة الأولى في مكة المكرمة، وما بين فقه الدولة وإدارة شؤون المواطنين من زاويه اخرى.
وفي السيرة النبوية ما يشهد لهذا -من قولنا إنَّ ما يسع الأفراد قد لا يسع الدولة فعله، وما يسع الدولة فعله أيضًا قد لا يسع الأفراد- وهذا مبنيٌّ على الحكمة وتحقيق المصلحة، بين الدولة من جانب وبين أفراد المجتمع من جانب آخر، ولكم ان تقرأوا معي هذا الاثر الوارد في الصحيح من الحديث:
ففي صحيح البخاري أنَّ سهيلَ بن عمرو أقام اتفاقيةً مع النبي -صلى الله عليه وسلم- وكان من بنودها في صلح الحديبية: “لاَ يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ إِلَّا رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا” وما أن تمت الكتابة حتى وقع المقدور: “فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ -رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُوَ مُسْلِمٌ- فَأَرْسَلُوا فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ، فَقَالُوا: العَهْدَ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا، فَدَفَعَهُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ، فَخَرَجَا بِهِ حَتَّى بَلَغَا ذَا الحُلَيْفَةِ، فَنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى سَيْفَكَ هَذَا يَا فُلاَنُ جَيِّدًا، فَاسْتَلَّهُ الآخَرُ، فَقَالَ: أَجَلْ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَجَيِّدٌ، لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ، ثُمَّ جَرَّبْتُ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْهِ، فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ، فَضَرَبَهُ حَتَّى بَرَدَ، وَفَرَّ الآخَرُ حَتَّى أَتَى المَدِينَةَ، فَدَخَلَ المَسْجِدَ يَعْدُو، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَآهُ: «لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا» فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قُتِلَ وَاللَّهِ صَاحِبِي وَإِنِّي لَمَقْتُولٌ، فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَدْ وَاللَّهِ أَوْفَى اللَّهُ ذِمَّتَكَ، قَدْ رَدَدْتَنِي إِلَيْهِمْ، ثُمَّ أَنْجَانِي اللَّهُ مِنْهُمْ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ، لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ» فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ البَحْرِ قَالَ: وَيَنْفَلِتُ مِنْهُمْ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ، فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ، فَجَعَلَ لاَ يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمَ إِلَّا لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ، حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ، فَوَاللَّهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ إِلَى الشَّأْمِ إِلَّا اعْتَرَضُوا لَهَا، فَقَتَلُوهُمْ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُنَاشِدُهُ بِاللَّهِ وَالرَّحِمِ، لَمَّا أَرْسَلَ، فَمَنْ أَتَاهُ فَهُوَ آمِنٌ. رواه البخاري، حديث رقم: 2731.
والشاهد: أنَّ رسولَ -صلى الله عليه وسلم- ما وسِعه إلا أن يلتزم ببنود الاتفاقية، التي أبرمها مع القوم، وما كان له -صلى الله عليه وسلم- أن يخرق بنودها، غير أنَّ أبا بصير وسِعه -بلا شك- أن يتحلل من الاتفاقية بكل سهولة، وأن يخرج نفسه من دائرة المتابعة، وأن يخلي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من حرج المسؤولية، ذلك لأن منطق وفقه الدولة التي كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد تحلَّى به يلزمه بأمورٍ كبرى، وليس من السهل أن ينظر خلالها أن ينظر لتحقيق قضايا جزئية، صغيرة، جانبية، يمكن أن تُحل مع الأيام، هذا بخلاف الأفراد قطعًا.
وختــــــــــــامًا:
إن الجمع بين فقه التنظيم وفقه الدولة، ليس بالأمر السهل، فهو بحاجة إلى حكمة بالغة، ورأي سديد، فالفقه في التنظيم قائم على: الاصطفاء، والتربية الفردية، والاعتناء البالغ، والتكتم، بخلاف فقه الدولة فهو قائم على: الاستيعاب، المسؤولية العامة، تحقيق المصلحة الكلية، تحقيق الموازنات والأولويات، والجمع بين الفقهين أمرٌ متعين ويحتاج إلى أفقٍ واسع وصدرٍ رحب، ولقاءات متكررة مع أبناء التنظيم قبل غيرهم، ليستوعبوا “فكرة المزج بين فقه التنظيم وفقه الدولة”.