منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

بين النعمة والرحمة والبركة؛ قراءة في بنية العطاء الإلهي في القرآن الكريم

د. ياسر بطيخ

0

بين النعمة والرحمة والبركة

قراءة في بنية العطاء الإلهي في القرآن الكريم

بقلم: د. ياسر بطيخ

حين يقرأ الإنسان القرآن الكريم للمرة الأولى، قد يتكوّن لديه انطباع بأن مفاهيم مثل النعمة والرحمة والبركة تشير كلها إلى معنى واحد مشترك، هو العطاء الإلهي، وأن اختلاف الألفاظ لا يتجاوز كونه تنوعًا في التعبير والأسلوب. هذا الفهم مقبول في مستواه الأول، لكن هذا الانطباع يبدأ في التراجع كلما صار النظر أدقَّ والتأمل أعمق في السياقات القرآنية المختلفة.

فالقرآن الكريم لا يكرر الألفاظ بوصفها بدائل يمكن إحلال بعضها محل بعض، بل يحمّل كل لفظ وظيفةً محددة داخل بناء دلالي متماسك ومتكامل. وهذا ما يجعل السؤال الحقيقي ليس: ماذا تعني هذه الكلمة؟ فقط، بل: ما موقعها في شبكة المعنى؟ وكيف تسهم في تشكيل تصور أوسع للعلاقة بين الإنسان والعطاء الإلهي؟ ولفهم هذا جيدًا لا بد من قراءة هادئة متأملة لكل مفهوم على حدة، ثم رؤية كيف تتشابك هذه المفاهيم معًا لترسم صورة متكاملة.

 فإذا بدأنا بمفهوم النعمة، سنجد أن القرآن لا يقدمه بوصفه أشياءً منفصلة يمنحها الله للإنسان، بل بوصفه حالةً ممتدة تحيط بوجوده كله من كل جانب. يقول الله تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (إبراهيم: 34) هذه الآية لا تصف مجرد كثرة عددية في النعم، بل تكشف طبيعة النعمة نفسها؛ فعدم الإحصاء لا يعود فقط إلى كثرة العناصر، بل إلى كون النعمة غير قابلة للتفكيك إلى وحدات مستقلة منفصلة.

تصوّر مثلًا نعمة البصر: هي ليست مجرد وجود العيون، بل تشمل وجود الضوء، ووجود الأشياء التي تُرى، ووجود العقل الذي يُدرك، ووجود الذاكرة التي تحفظ، ووجود اللغة التي تُفسّر. إنها شبكة من العوامل المتداخلة، بحيث لا يمكن عزل جزء واحد منها دون أن ينهار معناه كله. وهذا بالضبط ما يؤكده قوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ (لقمان: 20)، حيث يُفهم الإسباغ بوصفه إحاطةً شاملة تتداخل فيها الطبقات المرئية وغير المرئية، المباشرة وغير المباشرة.

ويتعزز هذا الفهم إذا انتقلنا إلى مفهوم “التسخير” الذي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالنعمة في القرآن الكريم. يقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (لقمان: 20)، ويقول: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ (إبراهيم: 33) فالتسخير هنا لا يعني التمليك، بل يعني أن الأشياء تعمل وفق نظام يجعلها قابلةً لأن تدخل في الفعل الإنساني وتخدمه. الليل ليس شيئًا يُعطى، بل إيقاعٌ يُنظّم الراحة والنشاط. والشمس ليست موردًا يُملك، بل عنصرٌ في منظومة يمكن الاعتماد عليها والتخطيط بناءً عليها. هذا هو جوهر النعمة: أن الكون كُوِّن على نحو يتيح للإنسان أن يفعل ويبني ويُبدع.

ومن أدق ما يكشف هذا المعنى تكرار صيغة “الجعل” في القرآن الكريم عند الحديث عن النعم الإلهية. يقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ (الملك: 15)، ويقول: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ (البقرة: 22)، ويقول: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ (النبأ: 11)

فالجعل ليس إضافة شيء جديد من العدم، بل تهيئة العالم ليكون صالحًا للاستعمال البشري. الأرض تصبح “ذلولًا” أي سهلة السلوك قابلة للحركة والعمل والزراعة. والنهار يصبح “معاشًا” أي إطارًا زمنيًا يسمح بالإنتاج والسعي. والسماء تصبح “بناءً” أي سقفًا محكمًا يحفظ ويحمي. هذه كلها تصف كيف أن البنية الكونية مُصمَّمة أصلًا لتخدم الإنسان وتمكّنه.

ويتكامل هذا المعنى مع فكرة الانتظام الكوني الذي يُعدّ في حقيقته أعظم نعمة أُسديت للإنسان. يقول تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ (الرحمن: 5)، ويقول: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ (يس: 40)، ويقول: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر: 49) وهذا الانتظام ليس مجرد وصف كوني جميل، بل هو شرط الإمكان للفعل الإنساني كله. فالإنسان لا يزرع لأنه يملك البذور فحسب، بل لأنه يثق في نظام يسمح للنمو أن يحدث وفق سنن ثابتة. ولا يبني لأنه يملك الأدوات فحسب، بل لأنه يعيش في عالم يمكن التنبؤ بسلوكه وحساب نتائجه. فلو لم تكن الشمس تشرق كل يوم، لو لم يكن المطر ينزل في مواسمه، لو لم تكن النجوم تُرشد إلى الاتجاهات؛ لما أمكن للإنسان أن يُخطط، ولا أن يزرع، ولا أن يسافر، ولا أن يبني حضارة.

بل إن القرآن يلفت النظر إلى بُعد أعمق حين يقول: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ (الأنفال: 63) فالتآلف الاجتماعي بين البشر هو أيضًا نعمة إلهية، وهي نعمة غير مرئية بالعين، لكنها من أشد النعم أثرًا وأعمقها في إتاحة الحياة الإنسانية السليمة.

من هنا يمكن إعادة تعريف النعمة بدقة أكبر: أن النعمة ليست ما يصل إلى الإنسان، بل ما يجعل الوصول إلى ما يريد ممكنًا. إنها بنية الإمكان التي تسبق الفعل وتستمر معه. إنها الأرضية التي يقف عليها الإنسان قبل أن يخطو أول خطوة. وهذا الفهم يفتح قراءة مختلفة لكثير من آيات القرآن، منها قوله تعالى: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ (الزمر: 49) فالفعل “خوّلناه” يدل على التمكين، أي نقل الإنسان من حالة عجز إلى حالة قدرة، من ضيق الانسداد إلى انفراج الإمكان. لكن الإنسان يعيد تفسير هذا التمكين بوصفه ناتجًا عن ذاته، فيختزل البنية في الفاعل.

ومن أجمل ما يُوضح هذا البُعد قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ (النور: 21) فحتى التزكية والتطهر النفسي ليسا نتيجة جهد الإنسان المنفرد، بل هما ممكّنان أصلًا بفضل الله ورحمته. النعمة هنا هي البنية التي تجعل النمو والتزكية ممكنَين من الأساس.

ويظهر الإشكال الحقيقي ويتجلى في طريقة قراءة الإنسان لهذا العطاء. فالإنسان يميل بطبعه إلى اختزال العملية كلها في نتيجتها الأخيرة؛ يرى ما حصل عليه، ولا يرى الشروط الكونية والتاريخية والاجتماعية التي جعلته ممكنًا. يرى ثمرة الشجرة ولا يرى السنوات التي نمت فيها. يرى نجاحه ولا يرى المئات من الأيدي التي أسهمت فيه. لذلك يقول: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾. وهو التعبير نفسه الذي يتكرر في قصة قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ (القصص: 78) هذا التكرار ليس صدفة، بل يكشف نمطًا إدراكيًا ثابتًا في تاريخ البشرية: الإنسان يعترف بالفعل والنتيجة، لكنه يعيد نسبته إلى ذاته وعلمه وجهده، فيغيب عنه البعد البنيوي للنعمة. قارون رأى ثروته نتاجًا لعلمه، وأغفل أن العلم نفسه نعمة، وأن الفرصة التي أتاحت له تطبيقه نعمة، وأن الأرض التي أعطت ثروتها نعمة، وأن الحياة التي مكّنته من الاستفادة نعمة.

وهنا تتشكل الفتنة والغرور بوصفهما خللًا في الفهم قبل أن يكونا انحرافًا في السلوك؛ لأن الإنسان قد لا ينكر النعمة صراحةً، لكنه يُفرغها من معناها حين يحصرها في النتيجة الظاهرة دون النظام الخفي الذي أتاحها. وفي هذا السياق تأتي آيات النهي عن الفخر والبطر لتعالج جذر المشكلة لا مجرد أعراضها: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ (الإسراء: 37) والمثير في هذه الآية أنها لا تنهى عن المرح بحجة القانون الأخلاقي فحسب، بل تستند إلى حقيقة كونية: أنت لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولًا، مهما بلغت قوتك وعلمك وثروتك. أنت جزء من نظام أكبر منك. وهذه الحقيقة الكونية هي نفسها التذكير بالنعمة: أنت لست مصدر هذا الوجود، بل فقط مُستفيد منه.

ويزيد القرآن توضيحًا حين يصف حال الإنسان وهو يُنعَم عليه فيعرض: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ (الإسراء: 83) فالإعراض هنا ليس كفرًا صريحًا، بل غفلةٌ عن البنية والأساس؛ فالإنسان يتلقى الفضل ويظن أنه يستحقه بالضرورة، فيلتفت عن مصدره ويتناسى شرطه.

 وفي مقابل النعمة التي تؤسس البنية وتُتيح الإمكان، تظهر الرحمة في مستوى مختلف من الفعل الإلهي. فالرحمة لا تتعلق بتأسيس البنية الكونية، بل بالتدخل داخلها في لحظات بعينها. يقول تعالى: ﴿وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنقَذُونَ ۙ إِلَّا رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍ﴾ (يس: 43-44) وهذه الآية بالغة الدقة: السنن الكونية قائمة، والبحر يمكن أن يُغرق بطبيعته، لكن الرحمة تتدخل لتوجيه النتيجة في لحظة معينة. ليس تعليقًا للقانون الطبيعي، بل ترجيحًا لمسار داخل احتمالاته. وكأن الرحمة تمد يدها من داخل النظام الكوني لتحمل من تشاء.

ويتكرر هذا المعنى في مواضع متعددة تستحق التأمل. يقول تعالى: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (الأنعام: 63) والنجاة هنا تجيء استجابةً للدعاء، أي في لحظة التواصل الواعي بين الإنسان ومصدر النجاة. ويقول: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: 103) فالنجاة هنا ليست عشوائية، بل هي “حق” تكفّل به الله لأوليائه الصادقين.

وفي قصة أيوب عليه السلام يقول تعالى: ﴿فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا﴾ (الأنبياء: 84) لاحظ الدقة: الله سبحانه وتعالى لم يقل “بسبب صبره” فحسب، بل قال “رحمةً منا”، إشارةً إلى أن النجاة في نهاية المطاف هي فضل الرحمة لا مجرد استحقاق الجهد. الصبر شرط، والرحمة هي المحرك.

ويأخذ مفهوم الرحمة بُعدًا أعمق في قصة الخضر عليه السلام: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾ (الكهف: 65)

هنا تتحول الرحمة إلى معرفة خاصة تجعل صاحبها يرى الأحداث من زاوية مختلفة. الخضر لا يتدخل من خارج الواقع، بل يُعيد ترتيب النتائج من داخله وفق منظور أوسع. يخرق السفينة لينقذ أهلها، ويقتل الغلام لأن قتله رحمةٌ بوالديه على المدى البعيد، ويبني الجدار حفاظًا على أمانة اليتيمَين. الأفعال تبدو في ظاهرها غير مفهومة، لكنها في حقيقتها توجيه رحيم للأحداث نحو خير أوسع. وهذا يكشف أن الرحمة الإلهية لا تقاس دائمًا بالظاهر المباشر، بل بالنتيجة البعيدة والمنظور الشامل.

ويتجلى هذا المعنى الجامع في قوله سبحانه وتعالى واصفًا نبيّه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107) فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن مجرد مُبلِّغ رسالة، بل كان رحمةً تُوجّه مسيرة البشرية نحو الخير والفلاح. وهذا يجعل الرحمة في مفهومها الأرقى: قوة توجيه إيجابي تشمل الفرد والمجتمع والعالم.

وإذا أضفنا مفهوم البركة إلى هذه الصورة، تتكامل المنظومة بشكل أجمل وأدق. ففي قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (الأعراف: 96)

نجد أن البركة هنا لا تُؤسّس النظام الكوني ولا تغيّر مساره، بل تُضاعف أثره وتُكثّف نتائجه. نفس الجهد يُعطي ثمارًا أوفر، ونفس العمل يترك أثرًا أوسع. كأن العلاقة بين السبب والنتيجة تتكثف دون أن تنكسر. الأرض هي هي، والعمل هو هو، لكن الله يُضاعف الحصاد. وهذا هو المعنى العميق لقوله: ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (الطلاق: 3) الرزق يأتي من حيث لا يتوقع الإنسان، لأن البركة تعمل خارج نطاق الحساب الاعتيادي للأسباب والنتائج.

والبركة في القرآن لا تقتصر على المال والثروة، بل تمتد لتشمل الوقت، والعلم، والنسل، والأثر. فيقول سبحانه وتعالى واصفًا القرآن: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ (ص: 29) بركة القرآن أنه لا ينضب، ويعطي كل جيل ما يناسبه من المعاني، وكل قارئ ما يحتاجه من الهداية. ويقول تعالى على لسان عيسى بن مريم عليه السلام واصفًا نفسه: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ (مريم: 31) فالمبارَك هو من يجلب الخير لمن حوله أينما ذهب، لا لأنه يحمل ثروة مادية، بل لأن وجوده نفسه يُضاعف الخير ويُكثّف الأثر الإيجابي.

وبهذا تتشكل أمامنا بنية ثلاثية مترابطة تصف العطاء الإلهي في شموله وتنوعه:

فالنعمة إتاحة الإمكان وتأسيس البنية. الكون المنتظم، والأرض المذللة، والعقل المُدرِك، والجسد السليم — كل هذه هي النعمة التي تجعل الحياة ممكنة أصلًا.

والرحمة توجيه النتائج في لحظات بعينها. حين تتشعب السبل وتضيق الأحوال، تتدخل الرحمة لترجح مسارًا على مسار، وتحمل الإنسان من ضيق إلى فسحة.

أما البركة فهي تكثيف الأثر ومضاعفة النتيجة. الجهد يُضاعَف، والعطاء يَفيض، والأثر يتسع ليتجاوز حدود ما تتوقعه الأسباب الاعتيادية.

هذه المستويات لا تعمل بشكل منفصل، بل تتداخل باستمرار في التجربة الإنسانية. حين يزرع الإنسان، يعمل في النعمة (الأرض المذللة والماء والبذرة)، ويطلب الرحمة (أن تُصرف عنه الآفات)، ويرجو البركة (أن يكون حصاده أوفر مما زرع) وكل تجربة نجاح إنساني هي في حقيقتها مزيج من هذه المستويات الثلاثة.

وقد يبدو أن هناك تداخلًا بين النعمة والرحمة في بعض المواضع، مثل قوله تعالى في قصة لوط: ﴿نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ ۙ نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا﴾ (القمر: 34-35) لكن التدقيق يكشف أن النعمة هنا تشير إلى فتح المسار ذاته، لا إلى النتيجة وحدها؛ فقد ارتبطت النجاة بشروط واضحة من إيمان وإذعان، ما يعني أن العطاء كان في إتاحة الطريق وتهيئة أسباب الخروج، في حين يدخل الإنجاء نفسه ضمن توجيه الرحمة وتحقيقها.

 إن القيمة الأعمق لهذا الفهم لا تكمن في التمييز المفاهيمي المجرد، بل في أثره على وعي الإنسان بذاته وبموقعه في الكون. فالمشكلة لا تبدأ حين ينجح الإنسان، بل حين يُسيء قراءة نجاحه. حين يرى النتيجة دون البنية، يختزل الواقع في ذاته، ويغفل عن الشبكة الكونية الهائلة التي حملته إلى حيث هو.

ومن هنا يصبح الشكر ليس مجرد قول باللسان، بل طريقةً كاملة في الرؤية. يقول تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (إبراهيم: 7) فالزيادة مرتبطة بالشكر، والشكر الحقيقي هو أن تُدرك أن ما بين يديك ليس فقط ما فعلت، بل ما أُتيح لك أن تفعله. هو أن ترى البنية وراء النتيجة، والنظام وراء الإنجاز، والفضل وراء الجهد.

وهذا الوعي العميق هو تحديدًا ما يُميّز أولياء الله في القرآن الكريم. يقول سليمان عليه السلام حين يرى العرش: ﴿هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ (النمل: 40) النعمة الهائلة لا تُولّد في قلبه غرورًا، بل تُولّد سؤالًا عن مدى إدراكه لها وعن حسن استجابته لها. وكذلك إبراهيم عليه السلام حين يتأمل النعم: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ۞ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ (الشعراء: 78-79) إبراهيم لا يقول “أنا الذي أكل وشرب”، بل يربط أبسط أفعاله بالمصدر الأول للإتاحة.

ولذلك يُكرر القرآن دائمًا صيغة “أفلا تذكرون” و”أفلا تشكرون” و”أفلا تعقلون” تذكيرًا بضرورة استمرار هذا الوعي. التذكر ليس مجرد فكرة عابرة، بل هو عبادة مستمرة تتجدد كلما رأى الإنسان نعمةً أو شعر برحمةٍ أو لمس بركةً. يقول تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف: 69) فالفلاح مرتبط بتذكر الآلاء ووعيها، لا مجرد التمتع بها والانغماس فيها.

وفي نهاية هذه الرحلة التأملية مع مفاهيم النعمة والرحمة والبركة، يتضح أن القرآن الكريم يُقدّم رؤية متكاملة ودقيقة للعطاء الإلهي. هذه الرؤية لا تكتفي بالإخبار عن وجود النعم، بل تدعو الإنسان إلى قراءة أعمق لوجوده كله: أن ينظر ما وراء النتائج إلى البنية، وما وراء الأسباب الظاهرة إلى النظام الخفي الذي يجعلها ممكنة.

فالنعمة بنية الإمكان الكونية التي تجعل الحياة والفعل ممكنَين. والرحمة توجيه رحيم يتدخل في اللحظات الفارقة. والبركة تضخيم للأثر وتكثيف للنتيجة يتجاوز حدود الأسباب الاعتيادية. وهذه المستويات الثلاثة كلها تشير في نهاية المطاف إلى حقيقة واحدة: أن الإنسان ليس مستقلًا في وجوده ولا في فعله ولا في نجاحه، بل هو دائمًا محمولٌ بفضل إلهي واسع، مُوجَّهٌ برحمة لا تنقطع، مُبارَكٌ في جهوده ما استقام على الطريق.

وحين يستوعب الإنسان هذا الفهم، ينقلب سؤاله من “ماذا أستحق؟” إلى “ماذا أُعطيت؟” ومن “ماذا صنعت؟” إلى “ماذا أُتيح لي أن أصنع؟”. وفي هذا الانقلاب يكمن الفرق الجوهري بين إنسان يمشي مرحًا على الأرض ظانًا أنه سيخرقها، وإنسان يمشي شاكرًا واعيًا أنه يسير على أرض ذلّلها له مَن هو أعظم منه وأرحم به.

يقول الله تعالى في آية تجمع هذه المعاني كلها: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ (النحل: 53) كل نعمة من الله، وإليه المرجع في الضراء. هذا هو الوعي الذي يُريد القرآن أن يُرسّخه في قلب كل إنسان: أن العطاء كله منه سبحانه، وأن الفزع كله إليه، وأن الحياة كلها بفضله ورحمته وبركاته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.