منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

واأسفاه. واحسرتاه. وامصيبتاه

أشرف شعبان أبو أحمد

0

واأسفاه. واحسرتاه. وامصيبتاه
بقلم: أشرف شعبان أبو أحمد

شهد التاريخ الإسلامي على امتداد عصوره معارك واقتتالا بين المسلمين أنفسهم راح ضحيتها أعداد فاقت بكثير جدا ما استشهد من المسلمين في مواجهتهم مع أعداء الدين، وسيظل الباعث على الاقتتال الداخلي بين المسلمين شررا كامنا، قابلا للاشتعال في أي وقت متى توفرت دواعيه وتهيأت له الأسباب. مصداقا لقول سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام ( إذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها ) الترمذي وأبو داود.

أي إنه إذا فتح باب الاقتتال بين المسلمين بعضهم البعض، فإنها إن لم تستمر، فلن تنقطع، وستتجدد بين الحين والآخر، وقد وضع السيف بقتل سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، ومازال هذا الاقتتال ممتدا إلى يومنا هذا، وسيظل ما دام الله شاء له البقاء، وإن كان على فترات متقطعة. وفي حديث آخر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سألت الله عز وجل ثلاثا:

الأولى: ألا يسلط على أمتي جوعا فيهلكهم به عامة، أي لا يبتليهم بقحط شائع لجميع بلاد المسلمين، فينتشر فيهم الموت جوعا، فاستجاب الله له، فلا تقع مجاعة تستأصل الأمة كلها، وإن وقعت مجاعات فإنها تكون في أماكن محدودة لا عامة، واتساع الأمة الإسلامية وامتداد رقعتها شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، حيث تتباين الظروف المناخية والتضاريس الطبيعية في مختلف الأركان، فإذا أصاب أحدهم جفاف وقحط، فما يتوفر لدى الآخرين من وفرة وفيض ونماء يكفي حاجة الجميع ويسد عجزهم، وإذا كانت هناك دولة إسلامية ترزح تحت وطأة الفقر وتتفشي المجاعة بين أبنائها، هناك دول أخرى تنعم بالثراء والبذخ والترف، ولو أنها أفاضت بالنذر اليسير مما لديها لشبع الجميع وسد جوعهم.

والثانية: ألا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم أي مجتمعهم وموضع سلطانهم ومستقر دعوتهم، والمقصود ألا يسلط عليهم عدوا خارجيا يستأصلهم ويهلكهم ويقضي عليهم جميعا، فاستجاب الله له، وهذا أيضا له شاهد من التاريخ، فكم من حملات لم تكن بالهينة غزت العالم الإسلامي، وساحت في دوله سافكة للدماء ناهبة للثروات والممتلكات لا تبقي فيه على بشر ولا حجر، إلى أن نهض المسلمون من كبوتهم وأعادوا حقوقهم واستردوا ما سلب منهم، وصاروا أقوى مما كانوا عليه.

والثالثة: أن لا يلبسهم شيعا ويذيق بعضهم بأس بعض، أي لا يجعلهم فرقا متنازعة ومتصارعة، يعتدي بعضهم على بعض، ويتقاتلون فيما بينهم، فلم يستجب المولى عز وجل لهذا الدعاء، لأنه القائل: إذا قضيت قضاء فلا مرد له. فصار ضعف الأمة وهلاكها مرهونا باقتتال أبنائها بعضهم بعضا، ولا يكون ذلك إلا نتيجة طبيعية لانحرافها عن منهج الله، والذي يؤدي حتما إلى تفرقها وتذوق بعضها بأس بعض، فتشتد الصراعات ويتفاقم الاقتتال وتسفك الدماء وتهدر الأرواح بين أبناء الأمة. وقد تعلم أعداؤنا هذه الحقيقة فما أن تهدأ الخلافات بين المسلمين حتى يسارعوا لإعادة إشعالها وأحياء نيرانها من جديد، حتى يسبي ويأسر ويهلك بعضنا بعضا، فهذه الأمة عاثت في دمائها.

وإحقاقا للحق فإن الاقتتال الداخلي لم يقتصر على أمتنا دون غيرها، بل هو ظاهرة بشرية عامة، وقاعدة متكررة في مسار تاريخ الأمم جميعها، ففي أوروبا أودت الحروب الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت، وبين الكاثوليك والأرثوذكس، بحياة أعداد كثيرة، وكذلك كان ضحايا الصراعات الدموية بين أبناء بعض بلدانها، مما يفوق بمراحل كثيرة ما فقدوه في حروبهم ضد القوى الخارجية، وفي أمريكا أزهقت الحرب الأهلية أرواح الملايين وهو عدد يفوق بكثير ما فقدته أمريكا في حروبها المتكررة على مدى تاريخها، وفي الصين تعتبر الحروب الأهلية الصينية أكثر الصراعات دموية في تاريخ البشرية متجاوزة خسائرهم في الحروب الخارجية، والأمثلة كثيرة لا يتسع المقال لذكرها جميعا.

وتتعدد أسباب الاقتتال الداخلي بين أبناء الدين الواحد، والأمة الواحدة، والوطن الواحد، والقبيلة الواحدة، والعائلة الواحدة، وقد تأتي هذه الأسباب منفردة أو مجتمعة وهو الغالب الأعم، ومن أبرزها:

الصراع على السلطة والزعامة والتنافس في السيطرة والرغبة الجامحة في الإمساك بالحكم، وهو من أكثر الأسباب إراقة للدماء، لا يعلوه ولا يضاهيه سبب آخر في ذلك، سواء كان هذا النزاع داخل قبيلة أو منطقة أو دولة بعينها أو تنازعا على إمامة محددة أو صراعا على خلافة عامة. وغالبا ما ينتهي الصراع من أجل كرسي الحكم بقاتل أو مقتول، أو بمحكوم عليه بالسجن، خاصة بعد توظيف القضاء لصالح طرف على حساب الآخر، أو بمطارد هارب من بلده، فتصبح كل لحظة في حياة القاتل محفوفة بالمخاطر، وكل لحظة في حياة أهل المقتول أو المأسور أو الهارب فردا أو جماعة معلقة شفا الانتظار والثأر والانتقام، بحيث تصبح ماكينة العنف جاهزة للعمل في أي لحظة ويغدو كل يوم مرعبا لا يطمئن فيه أحد. وهناك نوع آخر من الصدام لا ينشأ عن التنافس على السلطة، بل ينشأ ضد السلطة ذاتها، صدام ليس بين طامحين أو متناحرين على الحكم، وإنما بين شعب يسعى إلى رفع الظلم والقهر عنه، وتوفير مقومات العيش الكريم له، وبين القائمين على الحكم الذين يحتكرون السلطة لأنفسهم، ويعجزون ويقصرون في أداء واجبهم ومسئولياتهم تجاه الشعب، ويتجاوزون كل الحدود في استخدام القوة ضده، وتتجلى صوره في المظاهرات والثورات والانقلابات وغيرهم من صور الاحتجاجات، وما يحدث فيها من مواجهات مسلحة، بين أفراد من الشعب وقوات الأمن المفترض بها حمايتهم وتوفير الأمن لهم، فيسقط على أثرها قتلى وجرحى، وتبلغ ذروتها عندما تتدخل قوات الجيش التي يفترض بها حماية البلاد وحدودها والدفاع عنها من أعدائها الخارجيين ومغتصبي أراضيها، فتوجه أسلحتها نحو صدور المواطنين، فيغدو الحامي خصما، والمدافع باغيا، وتغدو المدن ساحات للرعب، ويعم الخوف والقلق، ويفقد الناس شعورهم بالأمان، وتسود الفوضى أرجاء المجتمع. وغالبا ما ينتهي الصراع من أجل كرسي الحكم بقاتل أو مقتول، أو بمحكوم عليه بالسجن، خاصة بعد توظيف القضاء لصالح طرف على حساب الآخر، أو بمطارد هارب أو فار من بلده، فتصبح كل لحظة في حياة القاتل محفوفة بالمخاطر، وكل لحظة في حياة أهل المقتول أو المأسور أو الهارب فردا أو جماعة معلقة شفا الانتظار والثأر والانتقام، بحيث تصبح ماكينة العنف جاهزة للعمل في أي لحظة ويغدو كل يوم مرعبا لا يطمئن فيه أحد.

بث الرعب في قلوب المواطنين، وهي وسيلة شائعة تتبعها الأنظمة الدكتاتورية لإحكام سيطرتها وفرض قبضتها عليهم، فيعيش المواطن حياته محاطا بالرعب، ويسكن الخوف الدائم فكره ويستولي على وجدانه، رعب من التفوه بأي كلمة قد يبلغ صداها المسئولين، فيعاقب عليها أشد العقوبة، رعب من الإقدام على عمل جماعي سياسيا كان أو ثقافيا، لا يوافق هوى القائمين على السلطة، فتأتي يد الردع غليظة لا تعرف هوادة ولا رحمة ولا ترفق بأحد، رعب ممن يغيرون على بيوت الآمنين في عتمة الليل، يزرعون الرعب في قلوب أبنائها، ويبعثرون محتوياتها ويهدمونها، ويستلبون الغالي والنفيس من ثروتها، ثم يقتادون أهلها رهائن لحين تسليم مطلوب للسلطات نفسه إليها. في الحديث الذي أخرجه أبو داود، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا يحل لمسلم أن يروع مسلما ) فلا يحل لمسلم أن يفزع أو يروع مسلما مثله وألا يدخل على قلبه خوفا ولا ذعرا ولا يوقع به الحزن ولا الجزع بأي شكل وفي أي حال ولو كان بالمزاح والمداعبة، وحق على المسلم أن يدافع عن نفسه وماله وعرضه، وأن يحمي ما ملكه الله من أذى المعتدين، ومن صور الرعب الأخرى التي تلاحق المواطن ليلا ونهارا، رعب من انقطاع رزقه والسير بلا مصدر للمعيشة، وعدم القدرة على إعالة من يعول، ورعب من فقدان الحق في العلاج والتعليم والمسكن الكريم، رعب من التعرض لحوادث السرقة أو اعتداء الجسدي على يد البلطجية والشبيحة الذين أطلق لهم العنان، ومع تراكم هذه المخاوف حتى تتجاوز طاقة الإنسان، يهون عليه كل شيء، ويستوي عنده الموت بالحياة، فـما زاد عن حده انقلب إلى ضده، وعندها يتولد الإحساس بضرورة رد الفعل الانتقامي، فتنساق بعض النفوس المقهورة إلى اللجوء للقوة والسلاح باعتبارهما آخر ما تبقى لها من وسائل للدفاع عن ذاتها ووجودها.

الاختلاف في فهم أمور الدين، والتأويل الخاطئ للنصوص الدينية، وتطويعها لخدمة المصالح وتلبية الأهواء الشخصية، وهو ما تسبب في تعدد الفرق الدينية، واندلاع صدامات بينهم، بل وحتى داخل الفرقة الواحدة، حيث يدعي كل طرف إنه صاحب الحق المطلق، وغيره على العكس من ذلك، ولكل طرف من المبررات والقناعات التي تبيح استهدافه للآخر. وقد كان الخوارج يقتلون المسلم الذي لا يوافقهم على معتقداتهم، لكنهم لم يقتلوا أهل الكتاب لأنهم يرونهم كفارا أصليين، فكان بعض المسلمين يتجنبون إظهار إسلامهم اتقاء القتل. بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية من المسلمين إلى قوم من المشركين، فالتقوا فكان رجل من المشركين إذا شاء أن يقصد إلى رجل من المسلمين قصد له فقتله، ولما رأي أسامة بن زيد حب رسول الله وابن حب رسول الله، هذا الرجل في معسكر المسلمين حانت له الفرصة لقتله، فلما رفع السيف لقتله ورأى الرجل السيف فوق رأسه، قال: أشهد أن لا إله إلا الله. لكن أسامة رضي الله عنه عاجله بالسيف فقتله. فلما رجعوا إلى رسول الله أخبروه الخبر، فدعا أسامة فقال له عليه الصلاة والسلام: لما قتلته؟ قال: يا رسول الله أوجع في المسلمين، قتل فلانا وفلانا وفلانا، يعدد له القتلى. فقال عليه الصلاة والسلام: أقال لا إله إلا الله وقتلته. فقال: إنما قالها خوفا من السلاح. فقال عليه الصلاة والسلام ( أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم من أجل ذلك قالها أم لا؟ ) وفي رواية أخرى ( أفلا شققت عن قلبه فتعلم أصادق هو أم كاذب؟ ) قال أسامة: فمازال يكررها علي حتى تمنيت إني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم. قد عاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد لقتله رجلا، قال لا إله إلا الله. فما بالنا بمن يقتل من ينطق بالشهادتين، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويصوم رمضان، ويحج بيت الله الحرام، لمجرد اختلافه معه فيما يجوز الاختلاف فيه، أو لمعارضته له فيما لا بأس من المعارضة فيه. وإذا كان هذا يحدث بين أبناء الدين الواحد، فكيف الحال بأبناء الديانات الأخرى عندما يجتمعون معا في مجتمع واحد، قد يعيشون في هدوء نسبي، ولكنه هش، خصوصا إذا تراكمت بينهم عوامل الاحتقان صغرت أم كبرت، واستغلتها بعض الأطراف الداخلية أو الخارجية لتحقيق أهداف خاصة بها، في هذه الحالة، يصبحون أشبه بالقابعين فوق فوهة بركان ثائر، هدوء خادع قد ينفجر في أي لحظة، فيقذف حممه على الجميع دون تفرقه بين هذا وذاك، فالاحتقان يتراكم في انتظار أي شرارة مهما صغرت لتشعل نارا كبرى تلتهم الجميع بدون استثناء.

النزاع حول السيطرة على مناطق أو دول بعينها ذات طبيعية إستراتيجية بالغة الأهمية، والتحكم في طرق التجارة والموانئ والمطارات، والهيمنة على مقدرات البلاد، ومكامن الثروات والمواد الخام وعوامل الإنتاج وكذلك مصادر المياه، ومن يملك كل هذا يملك شرايين الحياة للمجتمعات والشعوب، فيستخدمها كسلاح ضغط وورقة ابتزاز، سواء بين الدول بعضها البعض، أو داخل الدولة بين السلطة والشعب، فمن يخضع تفتح له أبوابها بما يضمن استمرار الطاعة، ومن يأبى يحرم منها ويضيق عليه، ويقصى هو وأتباعه وذويه وكل من يمت إليه بصلة من الوظائف والمناصب، فتتحول بذلك إلى أداة قهر لإذلال الناس أو لي أعناقهم وكسر إرادتهم وإجبارهم على الخضوع، ويصبح الطمع في امتلاك هذه الموارد والسيطرة عليها سببا للتقاتل من أجل البقاء، وعندما يصل الأمر إلى هذا الحد فكلا الطرفين يساهمان في هدم البلد اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، حيث تنهب الثروات وتبدد الموارد ويستأثر أحد أطراف النزاع بها ويحرم الطرف الآخر منها، كما تتضرر البنية التحتية من طرق وجسور ومصانع ومزارع، فيصيب الإنتاج بالشلل التام وترتفع معدلات البطالة وتزداد معدلات الفقر، وتحدث المجاعات وتنتشر الأوبئة، ليعم الخراب مفاصل الدولة، ويغدو الناس في ضيق لا يطاق، وفي التاريخ، كثير من الدول التي أريق فيها دم أبنائها ظلما وعدوانا لمطالبتهم بالعدل والمساواة شهدت ضيقا في مواردها، واشتدادا في أزماتها، وتأزما في أوضاع المعيشة، وإن لم يكن ذلك قاعدة مطلقة لكل بلد.

العصبيات بمختلف أنواعها ومستوياتها سواء كانت قبلية أو عشائرية، دينية أو مذهبية، قومية أو عرقية، وسواء ظهرت على المستوى الفردي أو الجماعي والمجتمعي، أو حتى على الصعيدين الدولي والإقليمي، والأمثلة على ذلك كثيرة منها الاقتتال بين الأعراق المختلفة في بعض دول إفريقيا، والصراعات بين القبائل والفصائل المختلفة في السودان أو اليمن، الحرب على اليمن من بعض دول الخليج، الحرب الدائرة في ليبيا، الصراع السني الشيعي في العراق وسوريا ولبنان، الحرب العراقية الإيرانية، الحرب السابقة بين الصرب والكروات والبوسنيين، الصراع بين الهند وباكستان في كشمير، وغيرهم من صور العصبيات التي مزقت الشعوب أربا.

الثأر وهو رد فعل لجريمة ارتكبت ضد العرض أو النفس، عمدا كانت أو خطأ، وفيه يستبدل قانون الدولة بالعرف القبلي وتستبدل سلطة الدولة بسلطة الجماعة أو القبيلة، ويقوم على مبدأ رد الاعتداء باعتداء مماثل أو أشد منه، مما يجعله دائرة لا تنتهي من العنف المتبادل، ولا يقف عند هذا الحد بل يمتد عبر الزمن ليتحول إلى إرث دموي تتوارثه الأجيال جيلا بعد جيل، فتستمر الخصومات وتتعمق القطيعة ويستنزف الجميع قواه في سلسلة لا تنقطع من الانتقام المتبادل.

وحديثا صارت بعض أجهزة الإعلام، فضلا عن نشرها للأكاذيب والمعلومات المضللة، والتحريض على الكراهية والعنف ضد فصيل معين، وصناعة رأي عام عدائي تجاهه، سيفا مسلطا على رقاب العباد تبدأ بالقتل المعنوي لمن تريد تصفيته، فتشيطن صورته، وتحرض الناس من حوله، وتصوغ لهم مشروعية سبه وإهانته وتوجيه الضربات إليه، حتى يصبح الطريق إلى أمر تصفيته جسديا يسيرا وهينا لا تستنكره النفوس

وأخيرا وليس آخر يأتي دور الأطراف الخارجية في تأجيج الصراعات والنزاعات سواء كانت مذهبية أو عرقية أو طائفية أو غيرها داخل المجتمع الواحد، حيث تصنع عداوات وانقسامات بين طبقاته وفئاته المختلفة، وبين مؤسساته وهيئاته، أو بين الشعب وحكومته، مستغلة أزمات المجتمع ونقاط ضعفه، لمضاعفة الاحتقان بين أبنائه، مما يجعلهم على أهبة الاستعداد لاندلاع الصدام في أي لحظة، وتقوم هذه الأطراف الخارجية بإمداد المتصارعين بالسلاح والمال لتحقيق أطماعها ومصالحها الخاصة، متجاهلة مصالح الوطن والمواطنين، وهو ما يعرف بالحروب بالوكالة حيث تدعم دول ذات خلفيات مذهبية أو عرقية مختلفة جماعات مسلحة داخل دولة أخرى، مما يؤدي إلى اقتتال داخلي طويل الأمد.

والاقتتال الداخلي بين أبناء العقيدة الواحدة أو البلد الواحد أو حتى الأسرة الواحدة، سواء كان بين أفراد أو جماعات أو بين السلطة وشعبها، مهما كانت أسبابه، له آثار أشد وطأة وأعمق تأثيرا من آثار الحروب الخارجية، ولذا حذرنا النبي عليه الصلاة والسلام منه، قال ( لا ترجعوا بعدي كفار يضرب بعضكم رقاب بعض ) البخاري. وهذا تحذير نبوي دائم منذ أن أخبر الرسول عليه الصلاة والسلام أمته به، وسيظل مستمرا وباق إلى قيام الساعة، ويقصد منه التحذير من الوقوع في الاقتتال الداخلي ومن البغي وسفك الدماء بين المسلمين، لما في هذا الفعل من عظيم الإثم، ولفظاعة وبشاعة جرم التقاتل بين الأخوة في الدين، وما يترتب عليها. كما قال عليه الصلاة والسلام ( إذا اقتتل المسلمان فالقاتل والمقتول في النار ) البخاري، يبين لنا الرسول عليه الصلاة والسلام، أن مجرد نية قتل المسلم لأخيه، تجعل المقتتلين في دائرة الوعيد، وكلاهما يستحق النار، فالقاتل لأنه باشر القتل، والمقتول لأنه كان حريصا على قتل صاحبه، وهذا في قتال الفتن أو القتال من أجل الدنيا وما فيها من متاع وما أكثره، وما سالت دماء المسلمين وخربت ديارهم وصودرت أملاكهم إلا بسببه، ولا ينطق الحديث على القتال المشروع، وهو قتال من يدافع عن نفسه وماله وأهله، وأرضه أو ليقيم عدلا، فالمقتول في هذه الحالات يكون شهيدا أجره عند الله. كما قال عليه الصلاة والسلام ( لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما ) البخاري. أي لا يزال المؤمن يسعى إلى الله بجد ونشاط، موفقا للخيرات مسارعا لها، يكثر من الأعمال الصالحة، تنفعه هذه الأعمال، تكفر ذنوبه وترفع درجته وتسعد قلبه، ولا يزال على هذا الحال، حتى يصيب هذا الذنب العظيم فينقطع الاستكثار، ويعجز عن الاستمرار في الخير، ويمنع عنه التوفيق الذي كان متاحا له قبل ارتكاب هذا الفعل، وتتقلص وتضيق هذه الفسحة بل قد تنتهي. ويخبرنا الله عز وجل عن سيدنا موسى عليه السلام أنه لما قتل نفسا لم يؤمر بقتلها، أصابه الغم، قال تعالى في سورة طه آية 40 ( وقتلت نفسا فنجيناك من الغم ) والغم أو الهم قد يكون ناتجا عن الخوف من الانتقام والثأر، أو لما يلاحق القاتل من صور القتلى وأشلاء أجسادهم ودمائهم المسفوكة، التي لا تفارقه طوال يومه، وهذا ما عبر عنه كثير من الجنود العائدين من حروب خارج أوطانهم، فكيف بمن يقاتل داخل وطنه أخا له في الدين والوطن والحي ومن الجائز في النسب والقرابة، وقد يكون الغم، عقوبة إلهية أو تأديبا ربانيا، أو لغيرهم من الأسباب، قال تعالى ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ) النساء 93 وقوله صلى الله عليه وسلم ( كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركا أو مؤمن قتل مؤمنا متعمدا ) أبو داود. وقال عليه الصلاة والسلام ( أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء ) صحيح مسلم.

وفي الاقتتال الداخلي، يكون الصراع غالبا محتدما، ويشتد فيه الغضب، ويقترب من العداء الشخصي أو الطائفي، فتغيب عنه الرحمة، ويطال الناس العاديون، ويطول أمده، مما يؤدي إلى تصاعد أعداد القتلى والجرحى، على الرغم من أن قتل مؤمن واحد، أعظم عند الله من زوال الدنيا، كما جاء في حديث النسائي ( لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم ) وفي رواية أخرى ( لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا ) فكيف إذن بهذا العدد المهول من القتلى على مر العصور، وكيف بمن سفك كل هذه الدماء بغير حق؟. كما يخلف الاقتتال الداخلي جروحا تمتد آثارها عبر الأجيال في الأفراد والمجتمعات، وإن توقف الاقتتال فإن أثر الدم ولعنته تبقى، والجروح تظل زمنا طويلا حتى تلتئم وتندب، وإن اندملت تبقي آثارها شاهدة عما حدث، فلا تمحو العداوات بل تتراكم، حتى إذا شررت الفتنة شذرها، اشتعل التقاتل من جديد، وكأن شلال الدم الذي توقف سابقا، كان في هدنة لاسترداد أنفاسه واستعادة عافيته ليتدفق مرة أخرى، مما يصعب تحقيق المصالحة الوطنية ولو بعد حين، فضلا عن ما يسببه الاقتتال من زيادة حالات الأيتام والأرامل، وفقدان كثيرين لمنازلهم وملاذهم الآمن، بسبب القصف أو اضطرارهم للهجرة فرارا بأرواحهم في موجات نزوح ولجوء داخلي وخارجي، وزيادة في أعداد المشردين الذين لا مأوى لهم ولا ملجأ، كما تتفكك الأسر، ويتباعد أبناؤها عن بعضهم، فكيف يكون الحال إذا صار الأخ يقاتل أخاه في الوطن وفي الحي وفي العائلة؟ فمن يبقى عندئذ ليأمنه ويؤاخيه، ويقيم معه صلاته الاجتماعية، ويصادقه أو يزامله في العمل ويشاركه في دروب الحياة المختلفة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته يوم النحر بمنى في حجة الوداع ( أن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا هل بلغت ) متفق عليه. دماؤكم عليكم حرام فلا يجوز الاعتداء على حياة المسلم بأي وجه من وجوه القتل أو الإيذاء، وأموالكم عليكم حرام فلا تؤخذ ظلما، ولا تنهب، ولا تغتصب، وأعراضكم عليكم حرام، محرمة فيما بينكم تحريما قطعيا مؤكدا. كما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه مسلم ( من حمل علينا السلاح فليس منا ) وهذا الحديث موجه إلى كل من يرفع السلاح في وجه المسلمين بغير حق، والحق أو الموضع الشرعي الذي يحمل فيه السلاح على المسلمين هو إما تنفيذ لحد من حدود الله أو دفع لاعتداء على النفس أو العرض أو المال أو الأرض، وما سوى ذلك فعدوان محرم ومروق عن جماعة المسلمين وتعد لحرمة الدماء التي عظمها الشرع. وقال عليه الصلاة والسلام ( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ) النسائي. ومعناه أن شتم المسلم يعد خروجا عن طاعة الله وفسوقا، أما قتاله بغير حق فهو من أعمال الكفر، ولكنه ليس بالكفر المخرج من الملة إلا إذا استحله. وقد يؤدي الاقتتال الداخلي إلى ضياع هيبة الدولة وتهاوى مؤسساتها، وعم الفوضى أرجاء المجتمع، وتفشي الجريمة بكل أشكالها من سرقة وقتل واغتصاب، ويزداد العنف، فتضطرب حياة المواطنين، وتذهب الطمأنينة ويحل محلها الخوف والرعب والقلق، وتنشأ عصبيات وفرق وجماعات يلتحق المواطنون بها وفق أهوائهم ومصالحهم الخاصة، ويندرجون تحت لوائها، فيصبح الناس أسرى عندها، حيث توفر لهم الحماية وبعض احتياجاتهم اليومية.

وأخيرا: ورد في حديث أبي هريرة عن الرسول عليه الصلاة والسلام إنه قال ( من أعان على قتل مؤمن ولو بشطر كلمة لقي الله مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله ) كما قال عليه الصلاة والسلام ( اجتنبوا السبع الموبقات ) قيل وما هن يا رسول الله؟ قال ( الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وعدد السبع ) متفق عليه. وقال عليه السلام ( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة ) البخاري. وقد أباح الله لجماعة المسلمين أن تقاتل الفئة الباغية، وهم مسلمون أيضا، قال تعالى ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون ) الحجرات 9 -10 وقاتلوا التي تبغي وليس اقتلوها، أي قاتلوها لردها عن عدوانها وصدها عن بغيها حتى ترجع إلى الصلح، فأصلحوا بين أخويكم، توجيه للأمة كلها للسعي إلى الصلح وقطع دابر النزاع وإنهاء الفتنة بينهما، وقد أظهرت بعض الأحداث التاريخية أن أصحاب القوة المستبدين كثيرا ما يرفضون الصلح ولا يصغون لصوت الدين، ولا لصوت العقل، كما لا يقدر أحد منفردا على مواجهتهم، وإن واجهته الجماعة كان ذلك نذيرا بهلاك ودمار شامل للجميع، كما أظهرت أيضا أن الجميع لا يقفون صفا واحدا أمام الباغي، بل ينقسمون بين مؤيد ومعارض ومتغافل، ومن غير الإسلام أن يقف مؤيدو كل طرف وداعموه وناصروه من المعارك الدائرة كما لو كانوا يشاهدون مباراة كرة قدم، يهللون ويصفقون ويصيحون كلما سقط قتلى وجرحي من الطرف الآخر، ومن غير الإسلام أيضا شماتة بعض من يحسبون أنفسهم على الإسلام والمسلمين، فيما يلحق بأي جماعة أو فرقة أو بلد إسلامي من أذى من أعداء الدين.

ألم يطلع من وجها سلاحهما بعضهما إلى بعض وتقاتلا بغير حق، على النصوص الدينية المحرمة لقتل النفس؟، ألم تسمعها آذانهما، وتبصرها أعينهما؟، أم على قلوبهما أكنة تمنعهما أن يفقها هديها ويهتديا بنورها؟ ألم تكن تلك الأحاديث موجهة إليهما، ولم تكن لغير مخاطبتهما؟، ألم يعلما الوعيد الشديد المترتب على من قتل نفسا بغير سبب مشروع؟، لا شك في أن كل طرف منهما يعرف ذلك معرفة تامة ويعلمه علما يقينا، بل ويحفظه عن ظهر قلب، ولكن ها هي الأسباب التي أسلفنا ذكرها باتت عندهم أقوى سلطانا من أي نص ديني، وأجزل نفعا وأعظم أجرا من أي جزاء أخروي، فلا يسعنا إلا أن نقول:إنا لله وإنا إليه راجعون، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.