منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

بين الفن والإيمان

بين الفن والإيمان / عبد القادر الدحمني

0

بين الفن والإيمان

عبد القادر الدحمني

يتقدّم العالم إليك شتاتا، وأنت تعمل على صياغته ضمن نسق مندمج ليتسنى لك التعاطي معه.

لعبة إعادة بناء العالم الذي يتسرّب إلينا عبر مختلف الحواس لعبة خطيرة للغاية، ذلك أن العالم ليس شيئا خارج ما ندركه، بل ما نبني نسقا إدراكيا حوله، ولذلك فالعالم الحقيقي هو ما نبنيه عنه من مدركات، تتعقّد عبر مختلف مراحل تفكيرنا لتصير صورة جاهزة نضفيها على العالم في بعده المتحقق الملموس.

ومن أجل التأثير على عملية تجميع الشتات المُدرَك وبنائه، طوّر الإنسان مجموعة من الآليات، لينظّمها، وينحو بها منحى مشتركا، تندمغ به سمات التمثُّل، وآليات الفهم والتحليل، وطبيعة الخلاصات والاستنتاجات التي تتحول إلى مبادئ، وتتم ترجمتها إلى سلوكات ومواقف.

لعلّ أرفع الشخصيات الفاعلة في التاريخ، ذات الطبيعة القيادية بشكل خاص، هي التي تمكّنت أدمغتها من امتلاك القدرة على تجميع الشتات، والتعامل معه بطريقة فعالة، حسمت شكل نسقها الفكري ذا الطبيعة العملية، أقصد حسمت خطاطتها الفكرية التي تلتزم الإرادة الإنسانية بنهج سبيلها، ومحاولة “الارتقاء” إلى “نموذجيتها” التمثُّليّة، التي تأخذ طابعا أخلاقيا عبر الأجيال.

وأعتقد أن أهل الفن يعانون من فشل مزمن في تجميع شتات العالم، ومن افتقاد إمكانية التعاطي معه بوصفه وحدة كلية منسجمة، ولذلك، يدفعهم تشظي الإدراك، إلى محاولة ترميم مختلف التصدّعات التي تسم عملياته، ومحاولة ابتكار عوالم موازية تعطي فرصا استدراكية للوعي وللتأمل، ولتعلّم القدرة على التجاوز.

تصير العملية الإبداعية بهذا المعنى عملية دقيقة وعميقة المعنى، على قدر انشغالها بأسئلة إعادة “خلق” أجزاء العالم، و”التمادي” على “سلطة” التدخّل في عرض الوجود من جديد. وبهذا المعنى أيضا، يصبح الإبداع تطاولا، وادّعاءً، ومشاكسة وجودية، تحاول أن تخرج من نمطية الامتثال الآلي للموروث من جهة، والتخلّص من أشكال الفهم والتفاعل المُرَسَّخة نفسيا واجتماعيا عبر سلطة الزمن أو آليات التكريس الثقافي والتربوي.

وبقدر ما تُدْنِي ممارسة الفنون من “فهم” لذّة الوجود، عبر إعادة اكتشافه، وتنويع أشكال تلقّيه والتعاطي معه، بقدر ما تُطغي الذات المبدعة وتنفخ “إِنِّيَّتَها” بشكل قد يجُرُّها إلى تمركز مرضي حول الذات، وهو ما ينتج أنانية فظيعة.

ففي المنحى الأول، يدفع الفن في اتجاه الانسجام مع الوجود، وملامسة ثخوم الجمال المطلق، عبر تيسير سبل امتلاك إيمان عميق للغاية، والتعلّق بالكمال والبحث عن الجوهر، وهو ما يجعل أهل الفن أقرب إلى معرفة الله سبحانه، لصفاء عوالمهم النفسية جراء الانشغال بالغوص في عوالم الجمال والتعلّق بالكمال.

في حين قد يدفع هذا الانشغال نفسُه، إلى تضخُّم الأنا بشكل مرضي، على خلفية مركزيتها في عملية “الإبداع” وقدرتها على “الخَلق” في زعمها، نتيجة عبقريتها الخاصة، وتفرّدها الذاتي عمّا سواها، بهذا المعنى، قد يكثُر في أهل الفن، من ينصّبون أنفسهم “آلهة” تٌعبد، إذ تُقَدّس، وتُعشَق بشكل هستيري، تظهره الأضواء وأصوات الآلاف الصّارخة بالحبّ.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.