ألا يخجلون من أنفسهم؟!
بقلم: د. إدريس أوهنا
وأنا أتملى وأتأمل في المثال الراقي والرائع الذي تعطيه السواعد المتوضئة بغزة المضيئة.. مثال التضحية المتجردة بكل غال ونفيس في سبيل الله.. بالدماء والأبناء والأهل والمنازل والمراكب، وكل شيء.. مثال البذل السخي بالجهد البدني، وبالتخطيط الفكري، وبالخبرة العلمية، وبالروح الزكية…
من أصيب في ظهره بصاروخ مقبلا غير مدبر، فمات ساجدا متشهدا !!
ومن يرزأ بفقد أعز أقربائه، فيصلي عليهم مسبلا محتسبا !!
ومن يبقى وحيدا بعد فراق جميع أهله وذويه، فيصبر ويرجو من الله أن يلحق بهم شهيدا !!
ومن يطوي بطنه من الجوع، ويفترش الثرى، ويلتحف السماء، في قر شديد، وقصف بالحديد، ويأبى مع ذلك التهجير والرحيل !!
ومن .. ومن .. ومن !!
أمام تلكم المشاهد السنية، والمقاصد العلية، طفت على سطح ذاكرتي مشاهد مخزية، ونماذج سفلية، لأشخاص من بني جلدتنا، يعيشون بين ظهرانينا، كنا نحسبهم إلى عهد قريب من الأخيار الأبرار، فإذا بهم يلهثون وراء الحظوظ والمصالح، ويتوسلون إليها بالوسائل القبائح.
خلطوا بين المقدس والمدنس، وبين المحمود والمذموم، وبين الجائز والممنوع !!
ولوا ظهورهم لكثير من المبادئ والأخلاق، ومن أجل مغريات الدنيا بنوا الكثير من الأنفاق، متوسلين -كما زعموا !!- إلى توسيع الأرزاق !!
فما عادت حاجات الأمة وأوجاعها، آلامها وآمالها، هي التي تحركهم.. بل مآرب أخرى، وغايات تترى، من جنس الثرى. أما الثريا فكلت أبصارهم عن رمقها، وسفلت هممهم عن اللحاق بها !!
ومع ذلك تجدهم في سكرتهم يرددون: “بالروح بالدم نفديك يا فلسطين” و”الشهيد ارتح ارتح سنواصل الكفاح”.
لقد ارتاح الشهيد من أمثالكم.. يا من استبدت بهم حظوظ النفس، وجواذب الدنيا الفانية، ونسوا أنها دار بلاء لا دار جزاء، وأنها دار فناء لا دار بقاء، وأنها سحابة صيف تنقشع عن قليل، وخيال طيف ما استتم الزيارة حتى أذن بالرحيل !!
حز في نفسي أن بعضهم كانوا فيما مضى رفاق الدرب، ورويدا رويدا انسلخوا وبدلوا، وخلطوا وبرروا، وتبلد الحس الدعوي لديهم وفسد خلقهم العلمي؛ فما عادوا يبصرون الحقائق، وحتى إذا أبصروها استنكفوا عنها لقضاء المآرب الفانية السفلية، وبأي وسيلة وطريقة، لا يهم.. فالركب فيه كثير من الأقران، والتنافس معهم على حطام الدنيا بات ركنا من الأركان، وعلامة نباهة سارت بذكر عظمتها الركبان !!
إن غزة تخطب فينا اليوم، وقد قطعت قول كل خطيب: ما لم تربوا فيكم رجالا صادقين، وتصنعوا مجاهدين مخلصين محتسبين، ليس في قلوبهم أنداد ولا أضداد، ولا أغيار ولا أكدار، وتنقوا ساحتكم من أنصاف وأرباع وأثلاث الملتزمين والدعاة والعلماء والمنتسبين للعلم الشرعي وحملة القرآن أو الحملة عليه. ممن يضعون قدما هنا معكم، وقدما هناك مع أهوائهم وملذاتهم وميولاتهم.. لن ترتفع لكم راية، ولن تتحقق لكم غاية، وإن غزة منكم لبراء !!
وخلاصة القول: من وجدته يرضع من سبعة أثداء، إشباعا لرغباته المادية والنفسية، فاعلم أنه ممن قال الله تعالى فيه: {إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث}.
فاللهم الثبات الثبات، وحسن الخاتمة، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير فاتنين ولا مفتونين. آمين