هل أنت قفص بلا طائر؟
إعداد: ابراهيم أكورار
كان لي عصفور اسمه “ميسو”، يُطْرِبُنا بزقزقته المتوددة المليئة بتنوع النغماتِ و الفرحِ و الارتياح..ألِفْنَاهُ و ألِفَنَا و آنَسَنَا بتغاريدهِ الطويلةِ و المتكررة. ذات يومٍ لم أسمع حركاتِهِ كالعادة عندما ترتطم جناحيه بأسلاك القفص، عند تفقدي له وجدت قفصه مُغطًّى بثوب.. أتت ابنتي خديجة لتواسيني وتُخبِرُني برحيل العزيز “ميسو”.. حمَلْتُ جُثته الصغيرة و دَفَنْتُها في تراب حديقة صغيرة، ثم وضَعْتُ قفَصَهُ بِشرفة، حيث كانت تزوره عصافير على شاكلته، و إذا لم أخْرِجْهُ لأصدقائه بسبب برودة الطقس، يتسللون من النافذة ليقوموا بزيارته.. محلقين و مزقزقين داخل فناء المنزل، منظمين اجتماعاتهم الخاصة مع “ميسو” ، الله يعلم وحده ما يحكونه لبعضهم.
حين خمد صوت “ميسو”، و بقي القفص معلقاً في مكانه، انكشف معنى المشهد الصامت الناطق عبر إشاراته الناصحة :
” أنت قفص بلا طائر”. ليست العبارة حديثاً عن طائرٍ حقيقي، بل عن لب الإنسان نفسه. نصيحة رمزية عميقة: القفص هو الجسد و الدنيا، و الطائر قلب الإنسان و ما يحمله من همة و شوق و محبة، و التحليق غايته سلوك إلى الله باقتحام العقبة إلى الله عز وجل.
الأعمال الجوارحية من عبادات و كلام و حركة و تعلم و مخالطة للناس مهما كثرت قد تَفْرُغُ من معناها الحقيقي إن لم يكن وراءها نية صالحة و حياة إيمانية تقربنا إلى الله عز وجل..و ما الطائر إلا رمز لأعمال القلوب و الإشارة أبلغ من كل عبارة.
جدد الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله عبر مختاراته ما كان ينصح به مولاي عبد القادر الجيلاني رحمه الله غلامَه:
” أنت قفص بلا طائر”. كان يَتَخَوَِّلُنا بهذه النصيحة البليغة عسى يتفقَّدُ الواحدُ منا نيته و قلبه و غايةَ وجودِه في دار الدنيا و مدى استعداده للقاء الله عز وجل. كان رحمه الله يعتبر تداول هذا النوع من الوعظ النافذ إلى أعماق النفس الموفقة إلى وضع نفسها بنفسها في قفص الاتهام، هديةً ثمينة.
” أنت قفص بلا طائر”. قفص لا حياة فيه، كجسد بلا روح، هل لدي استعدادٌ لقبول هذه النصيحة ؟ هل أنا من المنصوح لهم الذين يحبون الناصحين؟ أم من الذين استغشوا ثياب أنانيتهم و أغلقوا آذانهم و استكبروا استكبارا؟
الطائر يرمز إلى الروح ، إلى السفر، و التحليق في الهواء..و من الطائر تعلم الإنسان كيف يدفن أخاه الميت، منه تعلم الحكمة و تفانى في خدمة دعوة الله الخالدة بصحبته لنبي الله سليمان عليه أزكى الصلاة و السلام.
من أولياء الله من كان يُشَبِّهُ الإنسان بطائرٍ نزل إلى الأرض فقصت الدنيا شيئا من جناحيه فعَجَز عن التحليق و لا سبيل إلى استعادة وظيفةِ طيرانهِ إلا بذكر الله و الحب في الله و الرجوع إلى الله.
الإشارة في قالب زماننا:
إذا كان أهل الإحسان من الصوفية الأبرار طَوّعُوا لغةَ الطيورِ الإشارية للتواصل مع النفوس الشريفة، كالغَزَّالي و الرومي و العطار و العز بن عبد السلام سلطان العلماء و عز الدين بن عبد السلام المقدسي و غيرهم من العلماء العاملين، ففي زمانهم كانت دار الإسلام تشكل قوة عسكرية و مركزية ثقافية عبر مدارس فقهية و حديثية حيوية و أصولية و كلامية كانت تمثل حصنا منيعا لحماية الشريعة، فإن زمننا يقتضي استنطاق إشارات أخرى تواكب مستقبل ” الخلافة الثانية” الموعودة و مستقبل الإسلام الأغر. سبق للأستاذ محمد العَرْبي طَبْلة رحمه الله أن قدم اجتهادا في الموضوع عبر عمل أدبي أخرجه في قالبِ مسرحيةٍ عنوانها:
“إني رأيت يا أبت..” فَكلَّمَ النحلَ الذي يرمز بطنينهِ و أزيزهِ إلى [زِنْ.. زِنْ.. زن] مذكرا إيانا بالميزان و بأصالة المسألة العدلية و الشهادة بالقسط، و استنطق الكبش بثغائه باعْ..باع..باع] مذكرا الناسَ بالبيعةِ في حقبةِ الخلافةِ على منهاجِ النبوةِ، كيف كانت مبايعةً و شورى و التزاماً بين الحاكم و المحكوم، و كيف تحولت إلى بيعة الإكراه الوراثية مع بداية الانكسار التاريخي و تحول الخلافة على منهاج النبوة إلى مُلْكٍ عَضُض .
إن الإحسان المنتظرَ تَمَثُّلُهُ في إمامةِ الأمَّةِ و طليعَتِها مشروعُه أصيلٌ و شموليٌ و أوضحُ من أن يلجأ إلى رمزيةٍ تُضفي عليه غموضا، إحسانٌ جهاديٌّ جامعٌ بين القوةِ و الأمانةِ يَعملُ أهلُه على الفوزِ بالله و إقامة الدين المحَرِّرِ لكل المستضعفين و لأرض فلسطين الجريحة، لا دين الانقيادِ لإملاءاتِ المتنفذين في الاستكبار العالمي.
ورقةٌ يابسةٌ سقطت من شجرة الحياة:
” قفص بلا طائر أنت”، دعوة إلى اقتحام العقبة إلى الله بخوض غمار التجربة الإيمانية الإحسانية على منهاج تربوي نبوي مُمانِعٍ للتسويق المُعَوْلِمِ لروحانيةٍ فلسفيةٍ استهلاكية تريد يائسةً إطفاءَ نور الإسلام و تستثمر في تنمية ذات الإنسان بروحانية مجردة من روح الدين و شريعته. من هنا البداية :” أنا قفص بلا طائر”
تَحَقُّقاً بهذا الاعتراف يُثْمِرُ خُطْوَةً أساسيةً في طريق الله عز وجل وفي اتباع سنة رسولنا الكريم صلى الله عليه و سلم، كلما وَجَدَتِ التوبة بيئةً حاضنةً للعزائم النفيسة و المطلب الغالي: طلبِ الزُّلفى و القُربِ من المولى عز وجل.
يقول الأستاذ عبدُ السلام ياسين رحمه الله في كتاب تنوير المؤمنات و هو في الواقع تنوير للمؤمنين أيضا: من لَم تَلْسَعْها لَوَاسِعُ الشَّوقِ إلى اللهِ وَهي في مُقتَبَلِ العُمُرِ فهي “قفص بلا طائر”. مَن لَم يَغُمَّها الندم على شَطرِ عُمْرٍ انقضى لم تَسْعَ فيه للتحقق من أن الله عز وجل قريب مجيب يُحَبُّ ويُحِبُّ فهي أرضٌ مَوَات. مَن أشرَفَتْ على القبر دون أن تعلَمَ وتتعلَّمَ أن الآخرة درجات، وأنَّ مِن إِمَاءِ الله مَنِ اكتمَلْن، وأنَّ العُقَلاءَ لا يلعبونَ بدينِهم حين كتبوا «إحياء علوم الدين»، وحين دَعَوْا إلى مَأدُبةِ اللهِ وبابِ القربِ من الله، فهي ورقَةٌ يابسةٌ سقطت من شجرة الحياة. [ 1 ]
إنهم أولياء الله يَنظُرون إلى الكائنات الصغيرة بعينٍِ بصيرتهم، فَيُصبحُ كُلُّ شَيءٍ عِندهَم قابلٌ لِأن يتحوَّلَّ إلى موعظةٍ تُرَشِّدُ فَهمَهُم عن الله عز و جل. عصفورنا الصغير فتح باباً للذكر و التَّدَبُّر في معنى المصير، لعل وقفةً أمام قَفصِهِ الفارغِ تتحول إلى سؤالٍ وُجودِيٍّ عميق: هل ما يزال الطائر حيّاً في داخلي؟ هل ما يزال القلب قادراً على التغريد؟ أم أنني انشغلت بتنظيف القفص، حتى نسيت الطائر نفسه؟ لقد رحل “ميسو”، لكنه ترك وراءَه ما هو أعمقُ من ذكرى عصفورٍ جميل؛ إنها صورةٌ مكثَّفةٌ عن الإنسان حين يِفقِدُ قلبَه. رحم الله صاحبَ هذه الهديةِ المُخاطِبَةِ لكل قلبٍ يخشى أن يستيقظَ يوماً، فيجدَ نفسَهُ قفصاً بلا طائر. قال في نَظْمِهِ الوَعْظِيِّ: [ 2 ]
أَنْتَ مَنْ أَنْتَ مِنْ بَني الإنسانِ؟ …. زبَدٌ هائِمٌ بِلاَ أوْطانِ
قَفَصٌ فارِغٌ، غُثَاءٌ هَشِيمٌ ….. طَلَلٌ مُحْوِلٌ عَلَى الأَزْمَانِ [ 3 ]
رَمْلَةٌ ساقَها إلى البحرِ نَهْرٌ …. نَمْلَةٌ أُخْسِرَتْ عَلَى المِيزَانِ
أنت إن مُتَّ قَبْلَ أَنْ يَصْحُوَ القَلـ ….بُ فَيَرْكَعْ بِقِبْلَةِ الإيمانِ
كائنٌ تَافِهٌ بَليدٌ كَئيبٌ ….. سائِحٌ حائرٌ بِلا عُنوانِ
تِبْنَةٌ في لَهيبِ نارٍ تلظَّى ….. فَحْمَةٌ في مواقِدِ النّيرَانِ
صلِّ يا ربنا وسلِّمْ علَى مَنْ ….. قَدْ هَدَانا لِمَنْهَجِ الإِحسانِ
[1 ] عبد السلام ياسين، ج2،ص:30
[ 2]عبد السلام ياسين، المجموعة الشعرية الكاملة، قطف 600، ص: 402
[ 3] طلل محول: أثر للبناء بال قديم.